Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة القيامة - الآية 35

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35) (القيامة) mp3
تَهْدِيد بَعْد تَهْدِيد , وَوَعِيد بَعْد وَعِيد , أَيْ فَهُوَ وَعِيد أَرْبَعَة لِأَرْبَعَةٍ ; كَمَا رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل الْجَاهِل بِرَبِّهِ فَقَالَ : " فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى . وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى " أَيْ لَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّه , وَلَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيَّ فَصَلَّى , وَلَكِنْ كَذَّبَ رَسُولِي , وَتَوَلَّى عَنْ التَّصْلِيَة بَيْنَ يَدَيَّ . فَتَرَكَ التَّصْدِيقَ خَصْلَة , وَالتَّكْذِيب خَصْلَة , وَتَرَكَ الصَّلَاة خَصْلَة , وَالتَّوَلِّي عَنْ اللَّه تَعَالَى خَصْلَة ; فَجَاءَ الْوَعِيد أَرْبَعَة مُقَابِلَة لِتَرْكِ الْخِصَال الْأَرْبَعَة . وَاَللَّه أَعْلَم . لَا يُقَال : فَإِنَّ قَوْله : " ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْله يَتَمَطَّى " خَصْلَة خَامِسَة ; فَإِنَّا نَقُول : تِلْكَ كَانَتْ عَادَته قَبْلَ التَّكْذِيب وَالتَّوَلِّي , فَأُخْبِرَ عَنْهَا . وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْل قَتَادَة عَلَى مَا نَذْكُرهُ . وَقِيلَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِد ذَاتَ يَوْم , فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو جَهْل عَلَى بَاب الْمَسْجِد , مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي مَخْزُوم , فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ , فَهَزَّهُ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : ( أَوْلَى لَك فَأَوْلَى ) فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْل : أَتُهَدِّدُنِي ؟ فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأَعَزّ أَهْل الْوَادِي وَأَكْرَمه . وَنَزَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ لِأَبِي جَهْل . وَهِيَ كَلِمَة وَعِيد . قَالَ الشَّاعِر : فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى وَهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَب مِنْ مَرَدّ

قَالَ قَتَادَة : أَقْبَلَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام يَتَبَخْتَر , فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَقَالَ : [ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى , ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى ] . فَقَالَ : مَا تَسْتَطِيع أَنْتَ وَلَا رَبّك لِي شَيْئًا , إِنِّي لَأَعَزّ مَنْ بَيْنَ جَبَلَيْهَا . فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : لَا يُعْبَد اللَّه بَعْدَ هَذَا الْيَوْم أَبَدًا . فَضَرَبَ اللَّه عُنُقَهُ , وَقَتَلَهُ شَرَّ قِتْلَة .

وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : الْوَيْل لَك ; وَمِنْهُ قَوْل الْخَنْسَاء : هَمَمْت بِنَفْسِي كُلَّ الْهُمُوم فَأَوْلَى لِنَفْسِي أَوْلَى لَهَا سَأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَة فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا الْآلَة : الْحَالَة , وَالْآلَة : السَّرِير أَيْضًا الَّذِي يُحْمَل عَلَيْهِ الْمَيِّت ; وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل قِيلَ : هُوَ مِنْ الْمَقْلُوب ; كَأَنَّهُ قِيلَ : أَوْيَل , ثُمَّ أُخِّرَ الْحَرْف الْمُعْتَلّ , وَالْمَعْنَى : الْوَيْل لَك حَيًّا , وَالْوَيْل لَك مَيِّتًا , وَالْوَيْل لَك يَوْمَ الْبَعْث , وَالْوَيْل لَك يَوْم تَدْخُل النَّارَ ; وَهَذَا التَّكْرِير كَمَا قَالَ : لَك الْوَيْلَات إِنَّك مُرْجِلِي أَيْ لَك الْوَيْل , ثُمَّ الْوَيْل , ثُمَّ الْوَيْل , وَضُعِّفَ هَذَا الْقَوْل . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الذَّمّ لَك , أَوْلَى , مِنْ تَرْكه , إِلَّا أَنَّهُ كَثِير فِي الْكَلَام فَحُذِفَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْتَ أَوْلَى وَأَجْدَر بِهَذَا الْعَذَاب .

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى : قَالَ الْأَصْمَعِيّ " أَوْلَى " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهُ مُقَارَبَة الْهَلَاك , كَأَنَّهُ يَقُول : قَدْ وَلِيت الْهَلَاكَ , قَدْ دَانَيْت الْهَلَاكَ ; وَأَصْله مِنْ الْوَلْيِ , وَهُوَ الْقُرْب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار " [ التَّوْبَة : 123 ] أَيْ يَقْرُبُونَ مِنْكُمْ ; وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ : وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْوَلَاء أَيْ قَارَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ; وَأَنْشَدَ أَيْضًا : أَوْلَى لِمَنْ هَاجَتْ لَهُ أَنْ يَكْمَدَا أَيْ قَدْ دَنَا صَاحِبهَا [ مِنْ ] الْكَمَد . وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب يَسْتَحْسِن قَوْلَ الْأَصْمَعِيّ وَيَقُول : لَيْسَ أَحَد يُفَسِّر كَتَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيّ .

النَّحَّاس : الْعَرَب تَقُول أَوْلَى لَك : كِدْت تَهْلِك ثُمَّ أَفْلَتّ , وَكَأَنَّ تَقْدِيرَهُ : أَوْلَى لَك وَأَوْلَى بِك الْهَلَكَة .

الْمَهْدَوِيّ قَالَ : وَلَا تَكُون أَوْلَى ( أَفْعَل مِنْك ) , وَتَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , كَأَنَّهُ قَالَ : الْوَعِيد أَوْلَى لَهُ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ أَبَا زَيْد قَدْ حَكَى : أَوْلَاةُ الْآن : إِذَا أَوْعَدُوا . فَدُخُول عَلَامَة التَّأْنِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ .

و " لَك " خَبَر عَنْ " أَوْلَى " . وَلَمْ يَنْصَرِف " أَوْلَى " لِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا لِلْوَعِيدِ , فَصَارَ كَرَجُلٍ اِسْمه أَحْمَد . وَقِيلَ : التَّكْرِير فِيهِ عَلَى مَعْنَى أَلْزَم لَك عَلَى عَمَلِك السَّيِّئ الْأَوَّل , ثُمَّ عَلَى الثَّانِي , وَالثَّالِث , وَالرَّابِع , كَمَا تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

    كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم : ما من عبادة إلا ولها صفة وكيفية، قد تكفل الله سبحانه ببيانها، أو بينها رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذه الرسالة بيان لصفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال مصنفها في مقدمته « فهذه كلمات موجزة في بيان صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أردت تقديمها إلى كل مسلم ومسلمة ليجتهد كل من يطلع عليها في التأسي به - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - { صلوا كما رأيتموني أصلي } رواه البخاري ».

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/62675

    التحميل:

  • البيان بالدليل لما في نصيحة الرفاعي ومقدمة البوطي من الكذب الواضح والتضليل

    هذه الرسالة تحتوي على رد على المدعو يوسف الرفاعي في أوراقه التي سماها نصيحة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314804

    التحميل:

  • صحيح السيرة النبوية

    صحيح السيرة النبوية: كتابٌ فيه ما صحّ من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2076

    التحميل:

  • اترك أثرًا قبل الرحيل

    اترك أثرًا قبل الرحيل: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن من أعظم الأعمال أجرًا، وأكثرها مرضاةً لله - عز وجل -، تلك التي يتعدَّى نفعُها إلى الآخرين؛ وذلك لأن نفعها وأجرها وثوابها لا يقتصر على العامل وحده؛ بل يمتد إلى غيره من الناس، حتى الحيوان، فيكون النفع عامًّا للجميع. ومن أعظم الأعمال الصالحة نفعًا؛ تلك التي يأتيك أجرها وأنت في قبرك وحيدًا فريدًا، ولذا يجدر بالمسلم أن يسعى جاهدًا لترك أثرٍ قبل رحيله من هذه الدنيا ينتفع به الناس من بعده، وينتفع به هو في قبره وآخرته. وقد حرصتُ على تناول جوانب من هذا الموضوع الهام».

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com - موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341881

    التحميل:

  • شرح القواعد الأربع [ اللحيدان ]

    القواعد الأربع: رسالة مختصرة كتبها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وقد اشتملت على تقرير ومعرفة قواعد التوحيد، وقواعد الشرك، ومسألة الحكم على أهل الشرك، والشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة، وقد شرحها معالي الشيخ صالح بن محمد اللحيدان - حفظه الله تعالى -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2495

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة