تفسير القرطبي - سورة القيامة - الآية 35

ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35) (القيامة)

تَهْدِيد بَعْد تَهْدِيد , وَوَعِيد بَعْد وَعِيد , أَيْ فَهُوَ وَعِيد أَرْبَعَة لِأَرْبَعَةٍ ; كَمَا رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل الْجَاهِل بِرَبِّهِ فَقَالَ : " فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى . وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى " أَيْ لَا صَدَّقَ رَسُولَ اللَّه , وَلَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيَّ فَصَلَّى , وَلَكِنْ كَذَّبَ رَسُولِي , وَتَوَلَّى عَنْ التَّصْلِيَة بَيْنَ يَدَيَّ . فَتَرَكَ التَّصْدِيقَ خَصْلَة , وَالتَّكْذِيب خَصْلَة , وَتَرَكَ الصَّلَاة خَصْلَة , وَالتَّوَلِّي عَنْ اللَّه تَعَالَى خَصْلَة ; فَجَاءَ الْوَعِيد أَرْبَعَة مُقَابِلَة لِتَرْكِ الْخِصَال الْأَرْبَعَة . وَاَللَّه أَعْلَم . لَا يُقَال : فَإِنَّ قَوْله : " ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْله يَتَمَطَّى " خَصْلَة خَامِسَة ; فَإِنَّا نَقُول : تِلْكَ كَانَتْ عَادَته قَبْلَ التَّكْذِيب وَالتَّوَلِّي , فَأُخْبِرَ عَنْهَا . وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْل قَتَادَة عَلَى مَا نَذْكُرهُ . وَقِيلَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِد ذَاتَ يَوْم , فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو جَهْل عَلَى بَاب الْمَسْجِد , مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي مَخْزُوم , فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ , فَهَزَّهُ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : ( أَوْلَى لَك فَأَوْلَى ) فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْل : أَتُهَدِّدُنِي ؟ فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأَعَزّ أَهْل الْوَادِي وَأَكْرَمه . وَنَزَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ لِأَبِي جَهْل . وَهِيَ كَلِمَة وَعِيد . قَالَ الشَّاعِر : فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى وَهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَب مِنْ مَرَدّ

قَالَ قَتَادَة : أَقْبَلَ أَبُو جَهْل بْن هِشَام يَتَبَخْتَر , فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَقَالَ : [ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى , ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى ] . فَقَالَ : مَا تَسْتَطِيع أَنْتَ وَلَا رَبّك لِي شَيْئًا , إِنِّي لَأَعَزّ مَنْ بَيْنَ جَبَلَيْهَا . فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : لَا يُعْبَد اللَّه بَعْدَ هَذَا الْيَوْم أَبَدًا . فَضَرَبَ اللَّه عُنُقَهُ , وَقَتَلَهُ شَرَّ قِتْلَة .

وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : الْوَيْل لَك ; وَمِنْهُ قَوْل الْخَنْسَاء : هَمَمْت بِنَفْسِي كُلَّ الْهُمُوم فَأَوْلَى لِنَفْسِي أَوْلَى لَهَا سَأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَة فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا الْآلَة : الْحَالَة , وَالْآلَة : السَّرِير أَيْضًا الَّذِي يُحْمَل عَلَيْهِ الْمَيِّت ; وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل قِيلَ : هُوَ مِنْ الْمَقْلُوب ; كَأَنَّهُ قِيلَ : أَوْيَل , ثُمَّ أُخِّرَ الْحَرْف الْمُعْتَلّ , وَالْمَعْنَى : الْوَيْل لَك حَيًّا , وَالْوَيْل لَك مَيِّتًا , وَالْوَيْل لَك يَوْمَ الْبَعْث , وَالْوَيْل لَك يَوْم تَدْخُل النَّارَ ; وَهَذَا التَّكْرِير كَمَا قَالَ : لَك الْوَيْلَات إِنَّك مُرْجِلِي أَيْ لَك الْوَيْل , ثُمَّ الْوَيْل , ثُمَّ الْوَيْل , وَضُعِّفَ هَذَا الْقَوْل . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الذَّمّ لَك , أَوْلَى , مِنْ تَرْكه , إِلَّا أَنَّهُ كَثِير فِي الْكَلَام فَحُذِفَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْتَ أَوْلَى وَأَجْدَر بِهَذَا الْعَذَاب .

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى : قَالَ الْأَصْمَعِيّ " أَوْلَى " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَاهُ مُقَارَبَة الْهَلَاك , كَأَنَّهُ يَقُول : قَدْ وَلِيت الْهَلَاكَ , قَدْ دَانَيْت الْهَلَاكَ ; وَأَصْله مِنْ الْوَلْيِ , وَهُوَ الْقُرْب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار " [ التَّوْبَة : 123 ] أَيْ يَقْرُبُونَ مِنْكُمْ ; وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ : وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْوَلَاء أَيْ قَارَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ; وَأَنْشَدَ أَيْضًا : أَوْلَى لِمَنْ هَاجَتْ لَهُ أَنْ يَكْمَدَا أَيْ قَدْ دَنَا صَاحِبهَا [ مِنْ ] الْكَمَد . وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب يَسْتَحْسِن قَوْلَ الْأَصْمَعِيّ وَيَقُول : لَيْسَ أَحَد يُفَسِّر كَتَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيّ .

النَّحَّاس : الْعَرَب تَقُول أَوْلَى لَك : كِدْت تَهْلِك ثُمَّ أَفْلَتّ , وَكَأَنَّ تَقْدِيرَهُ : أَوْلَى لَك وَأَوْلَى بِك الْهَلَكَة .

الْمَهْدَوِيّ قَالَ : وَلَا تَكُون أَوْلَى ( أَفْعَل مِنْك ) , وَتَكُون خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , كَأَنَّهُ قَالَ : الْوَعِيد أَوْلَى لَهُ مِنْ غَيْره ; لِأَنَّ أَبَا زَيْد قَدْ حَكَى : أَوْلَاةُ الْآن : إِذَا أَوْعَدُوا . فَدُخُول عَلَامَة التَّأْنِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ .

و " لَك " خَبَر عَنْ " أَوْلَى " . وَلَمْ يَنْصَرِف " أَوْلَى " لِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا لِلْوَعِيدِ , فَصَارَ كَرَجُلٍ اِسْمه أَحْمَد . وَقِيلَ : التَّكْرِير فِيهِ عَلَى مَعْنَى أَلْزَم لَك عَلَى عَمَلِك السَّيِّئ الْأَوَّل , ثُمَّ عَلَى الثَّانِي , وَالثَّالِث , وَالرَّابِع , كَمَا تَقَدَّمَ .

تاريخ الحفظ: 21/5/2026 3:51:24
المصدر: https://wahaqouran.com/t-75-4-35.html