Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنعام - الآية 77

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) (الأنعام) mp3
أَيْ طَالِعًا . يُقَال : بَزَغَ الْقَمَر إِذَا اِبْتَدَأَ فِي الطُّلُوع , وَالْبَزْغ الشَّقّ ; كَأَنَّهُ يَشُقّ بِنُورِهِ الظُّلْمَة ; وَمِنْهُ بَزَغَ الْبَيْطَار الدَّابَّة إِذَا أَسَالَ دَمهَا .



اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَال ; فَقِيلَ : كَانَ هَذَا مِنْهُ فِي مُهْلَة النَّظَر وَحَال الطُّفُولِيَّة وَقَبْل قِيَام الْحُجَّة ; وَفِي تِلْكَ الْحَال لَا يَكُون كُفْر وَلَا إِيمَان . فَاسْتَدَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي " فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ عَنْهُ , وَكَذَلِكَ الشَّمْس وَالْقَمَر ; فَلَمَّا تَمَّ نَظَره قَالَ : " إِنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ " [ الْأَنْعَام : 78 ] . وَاسْتَدَلَّ بِالْأُفُولِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَر الْآيَات عَلَى الْحُدُوث . وَقَالَ قَوْم : هَذَا لَا يَصِحّ ; وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون لِلَّهِ تَعَالَى رَسُول يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْت مِنْ الْأَوْقَات إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مُوَحِّد وَبِهِ عَارِف , وَمِنْ كُلّ مَعْبُود سِوَاهُ بَرِيء . قَالُوا : وَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يُتَوَهَّم هَذَا عَلَى مَنْ عَصَمَهُ اللَّه وَآتَاهُ رُشْده مِنْ قَبْل , وَأَرَاهُ مَلَكُوته لِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ , وَلَا يَجُوز أَنْ يُوصَف بِالْخُلُوِّ عَنْ الْمَعْرِفَة , بَلْ عَرَفَ الرَّبّ أَوَّل النَّظَر . قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا الْجَوَاب عِنْدِي خَطَأ وَغَلَط مِمَّنْ قَالَهُ ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قَالَ : " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُد الْأَصْنَام " [ إِبْرَاهِيم : 35 ] وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " إِذْ جَاءَ رَبّه بِقَلْبٍ سَلِيم " [ الصَّافَّات : 84 ] أَيْ لَمْ يُشْرِك بِهِ قَطُّ . قَالَ : وَالْجَوَاب عِنْدِي أَنَّهُ قَالَ " هَذَا رَبِّي " عَلَى قَوْلكُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام وَالشَّمْس وَالْقَمَر ; وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى : " أَيْنَ شُرَكَائِيَ " [ النَّحْل : 27 ] وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ . وَالْمَعْنَى : أَيْنَ شُرَكَائِيَ عَلَى قَوْلكُمْ . وَقِيلَ : لَمَّا خَرَجَ إِبْرَاهِيم مِنْ السَّرَب رَأَى ضَوْء الْكَوْكَب وَهُوَ طَالِب لِرَبِّهِ ; فَظَنَّ أَنَّهُ ضَوْءُهُ قَالَ : " هَذَا رَبِّي " أَيْ بِأَنَّهُ يَتَرَاءَى لِي نُوره .



عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَبِّهِ . " فَلَمَّا رَأَى الْقَمَر بَازِغًا " [ الْأَنْعَام : 77 ] وَنَظَرَ إِلَى ضَوْئِهِ " قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ " [ الْأَنْعَام : 77 ] . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ هَذَا رَبِّي " [ الْأَنْعَام : 78 ] وَلَيْسَ هَذَا شِرْكًا . إِنَّمَا نَسَبَ ذَلِكَ الضَّوْء إِلَى رَبّه فَلَمَّا رَآهُ زَائِلًا دَلَّهُ الْعِلْم عَلَى أَنَّهُ غَيْر مُسْتَحِقّ لِذَلِكَ ; فَنَفَاهُ بِقَلْبِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ مَرْبُوب وَلَيْسَ بِرَبٍّ . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ " هَذَا رَبِّي " لِتَقْرِيرِ الْحُجَّة عَلَى قَوْمه فَأَظْهَرَ مُوَافَقَتهمْ ; فَلَمَّا أَفَلَ النَّجْم قَرَّرَ الْحُجَّة وَقَالَ : مَا تَغَيَّرَ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون رَبًّا . وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ النُّجُوم وَيَعْبُدُونَهَا وَيَحْكُمُونَ بِهَا . وَقَالَ النَّحَّاس : وَمَنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي هَذَا مَا صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " نُور عَلَى نُور " [ النُّور : 35 ] قَالَ : كَذَلِكَ قَلْب الْمُؤْمِن يَعْرِف اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَيُسْتَدَلّ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ , فَإِذَا عَرَفَهُ اِزْدَادَ نُورًا عَلَى نُور ; وَكَذَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام عَرَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَلْبِهِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِدَلَائِلِهِ , فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَخَالِقًا .



أَيْ لَمْ يُثَبِّتنِي عَلَى الْهِدَايَة . وَقَدْ كَانَ مُهْتَدِيًا ; فَيَكُون جَرَى هَذَا فِي مُهْلَة النَّظَر , أَوْ سَأَلَ التَّثْبِيت لِإِمْكَانِ الْجَوَاز الْعَقْلِيّ ; كَمَا قَالَ شُعَيْب : " وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " [ الْأَعْرَاف : 89 ] . وَفِي التَّنْزِيل " اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم " [ الْفَاتِحَة : 4 ] أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى الْهِدَايَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في: منزلة الصلاة في الإسلام، بيّن فيها المؤلف - حفظه الله - بإيجاز مفهوم الصلاة، وحكمها، ومنزلتها، وخصائصها، وحكم تاركها، وفضلها، بالأدلة من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1915

    التحميل:

  • وصية نافعة لعموم أهل العلم والتبيان

    وصية نافعة لعموم أهل العلم والتبيان: قال المؤلف - رحمه الله -:- « هذه وصيَّتي لأولادي وإخواني، طَلَبة العلم والدِّين، من أهالي نجد وغيرهم من سائر بلدان المسلمين ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2584

    التحميل:

  • الاختلاط

    قال المؤلف: أما بعد: فهذه رسالة في «الاختلاط بين الرجال والنساء: مفهومه، وأنواعه، وأقسامه، وأحكامه، وأضراره في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة»، وقد قسمتها إلى مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: تعريف الاختلاط: لغة واصطلاحاً. المبحث الثاني: أنواع الاختلاط وأقسامه، وبداياته. المبحث الثالث: حكم الاختلاط وتحريم الأسباب الموصلة إليه وبيان عادة الإباحية. المبحث الرابع: الأدلة على تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب عنهن. المبحث الخامس: أضرار الاختلاط ومفاسده. المبحث السادس: شبهات دعاة الاختلاط والرد عليها. المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364799

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الكبر ]

    الكبر داء من أدواء النفس الخطيرة التي تجنح بالإنسان عن سبيل الهدى والحق إلى سبل الردى والضلال; ونتيجته بطر الحق ورده وطمس معالمه; وغمط الناس واحتقارهم صغاراً وكباراً والعياذ بالله تعالى.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339985

    التحميل:

  • أنه الحق

    أنه الحق : يضم هذا الكتاب أربع عشرة مقابلة مع علماء كونيين في مختلف التخصصات، حيث كان الغرض من هذه المقابلات معرفة الحقائق العلمية التي أشارت إليها بعض الآيات القرآنية، مع بيان أن دين الإسلام حث على العلم والمعرفة، وأنه لا يمكن أن يقع صدام بين الوحي وحقائق العلم التجريبي.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193674

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة