فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) (الأنعام) أَيْ طَالِعًا . يُقَال : بَزَغَ الْقَمَر إِذَا اِبْتَدَأَ فِي الطُّلُوع , وَالْبَزْغ الشَّقّ ; كَأَنَّهُ يَشُقّ بِنُورِهِ الظُّلْمَة ; وَمِنْهُ بَزَغَ الْبَيْطَار الدَّابَّة إِذَا أَسَالَ دَمهَا . اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَال ; فَقِيلَ : كَانَ هَذَا مِنْهُ فِي مُهْلَة النَّظَر وَحَال الطُّفُولِيَّة وَقَبْل قِيَام الْحُجَّة ; وَفِي تِلْكَ الْحَال لَا يَكُون كُفْر وَلَا إِيمَان . فَاسْتَدَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي " فَعَبَدَهُ حَتَّى غَابَ عَنْهُ , وَكَذَلِكَ الشَّمْس وَالْقَمَر ; فَلَمَّا تَمَّ نَظَره قَالَ : " إِنِّي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ " [ الْأَنْعَام : 78 ] . وَاسْتَدَلَّ بِالْأُفُولِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَر الْآيَات عَلَى الْحُدُوث . وَقَالَ قَوْم : هَذَا لَا يَصِحّ ; وَقَالُوا : غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون لِلَّهِ تَعَالَى رَسُول يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْت مِنْ الْأَوْقَات إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مُوَحِّد وَبِهِ عَارِف , وَمِنْ كُلّ مَعْبُود سِوَاهُ بَرِيء . قَالُوا : وَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يُتَوَهَّم هَذَا عَلَى مَنْ عَصَمَهُ اللَّه وَآتَاهُ رُشْده مِنْ قَبْل , وَأَرَاهُ مَلَكُوته لِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ , وَلَا يَجُوز أَنْ يُوصَف بِالْخُلُوِّ عَنْ الْمَعْرِفَة , بَلْ عَرَفَ الرَّبّ أَوَّل النَّظَر . قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا الْجَوَاب عِنْدِي خَطَأ وَغَلَط مِمَّنْ قَالَهُ ; وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قَالَ : " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُد الْأَصْنَام " [ إِبْرَاهِيم : 35 ] وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " إِذْ جَاءَ رَبّه بِقَلْبٍ سَلِيم " [ الصَّافَّات : 84 ] أَيْ لَمْ يُشْرِك بِهِ قَطُّ . قَالَ : وَالْجَوَاب عِنْدِي أَنَّهُ قَالَ " هَذَا رَبِّي " عَلَى قَوْلكُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام وَالشَّمْس وَالْقَمَر ; وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى : " أَيْنَ شُرَكَائِيَ " [ النَّحْل : 27 ] وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ . وَالْمَعْنَى : أَيْنَ شُرَكَائِيَ عَلَى قَوْلكُمْ . وَقِيلَ : لَمَّا خَرَجَ إِبْرَاهِيم مِنْ السَّرَب رَأَى ضَوْء الْكَوْكَب وَهُوَ طَالِب لِرَبِّهِ ; فَظَنَّ أَنَّهُ ضَوْءُهُ قَالَ : " هَذَا رَبِّي " أَيْ بِأَنَّهُ يَتَرَاءَى لِي نُوره . عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَبِّهِ . " فَلَمَّا رَأَى الْقَمَر بَازِغًا " [ الْأَنْعَام : 77 ] وَنَظَرَ إِلَى ضَوْئِهِ " قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْم الضَّالِّينَ " [ الْأَنْعَام : 77 ] . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْس بَازِغَة قَالَ هَذَا رَبِّي " [ الْأَنْعَام : 78 ] وَلَيْسَ هَذَا شِرْكًا . إِنَّمَا نَسَبَ ذَلِكَ الضَّوْء إِلَى رَبّه فَلَمَّا رَآهُ زَائِلًا دَلَّهُ الْعِلْم عَلَى أَنَّهُ غَيْر مُسْتَحِقّ لِذَلِكَ ; فَنَفَاهُ بِقَلْبِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ مَرْبُوب وَلَيْسَ بِرَبٍّ . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالَ " هَذَا رَبِّي " لِتَقْرِيرِ الْحُجَّة عَلَى قَوْمه فَأَظْهَرَ مُوَافَقَتهمْ ; فَلَمَّا أَفَلَ النَّجْم قَرَّرَ الْحُجَّة وَقَالَ : مَا تَغَيَّرَ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون رَبًّا . وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ النُّجُوم وَيَعْبُدُونَهَا وَيَحْكُمُونَ بِهَا . وَقَالَ النَّحَّاس : وَمَنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي هَذَا مَا صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " نُور عَلَى نُور " [ النُّور : 35 ] قَالَ : كَذَلِكَ قَلْب الْمُؤْمِن يَعْرِف اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَيُسْتَدَلّ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ , فَإِذَا عَرَفَهُ اِزْدَادَ نُورًا عَلَى نُور ; وَكَذَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام عَرَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَلْبِهِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِدَلَائِلِهِ , فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَخَالِقًا . أَيْ لَمْ يُثَبِّتنِي عَلَى الْهِدَايَة . وَقَدْ كَانَ مُهْتَدِيًا ; فَيَكُون جَرَى هَذَا فِي مُهْلَة النَّظَر , أَوْ سَأَلَ التَّثْبِيت لِإِمْكَانِ الْجَوَاز الْعَقْلِيّ ; كَمَا قَالَ شُعَيْب : " وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " [ الْأَعْرَاف : 89 ] . وَفِي التَّنْزِيل " اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم " [ الْفَاتِحَة : 4 ] أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى الْهِدَايَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ .