Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الصافات - الآية 103

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) (الصافات) mp3
أَيْ اِنْقَادَا لِأَمْرِ اللَّه . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ " فَلَمَّا سَلَّمَا " أَيْ فَوَّضَا أَمْرهمَا إِلَى اللَّه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : اِسْتَسْلَمَا . وَقَالَ قَتَادَة : أَسْلَمَ أَحَدهمَا نَفْسه لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَسْلَمَ الْآخَر اِبْنه .

قَالَ قَتَادَة : كَبَّهُ وَحَوَّلَ وَجْهه إِلَى الْقِبْلَة . وَجَوَاب " لَمَّا " مَحْذُوف عِنْد الْبَصْرِيِّينَ تَقْدِيره " فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " فَدَيْنَاهُ بِكَبْشٍ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : الْجَوَاب " نَادَيْنَاهُ " وَالْوَاو زَائِدَة مُقْحَمَة ; كَقَوْلِهِ : " فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ وَأَوْحَيْنَا " [ يُوسُف : 15 ] أَيْ أَوْحَيْنَا . وَقَوْله : " وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 96 ] . " وَاقْتَرَبَ " أَيْ اِقْتَرَبَ . وَقَوْله : " حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَا وَقَالَ " [ الزُّمَر : 73 ] أَيْ قَالَ لَهُمْ . وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى أَيْ اِنْتَحَى , وَالْوَاو زَائِدَة . وَقَالَ أَيْضًا : حَتَّى إِذَا حَمَلَتْ بُطُونُكُمْ وَرَأَيْتُمْ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا وَقَلَبْتُمْ ظَهْرَ الْمِجَنِّ لَنَا إِنَّ اللَّئِيمَ الْفَاجِرُ الْخِبُّ أَرَادَ قَلَبْتُمْ . النَّحَّاس : وَالْوَاو مِنْ حُرُوف الْمَعَانِي لَا يَجُوز أَنْ تُزَاد . وَفِي الْخَبَر : إِنَّ الذَّبِيح قَالَ لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أَرَادَ ذَبْحَهُ : يَا أَبَتِ اُشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لَا أَضْطَرِبَ ; وَاكْفُفْ ثِيَابَك لِئَلَّا يَنْتَضِحَ عَلَيْهَا شَيْء مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ , وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّين عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ الْمَوْت أَهْوَنَ عَلَيَّ وَاقْذِفْنِي لِلْوَجْهِ ; لِئَلَّا تَنْظُر إِلَى وَجْهِي فَتَرْحَمنِي , وَلِئَلَّا أَنْظُر إِلَى الشَّفْرَة فَأَجْزَع , وَإِذَا أَتَيْت إِلَى أُمِّي فَأَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلَام . فَلَمَّا جَرَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام السِّكِّين ضَرَبَ اللَّه عَلَيْهِ صَفِيحَة مِنْ نُحَاس , فَلَمْ تَعْمَل السِّكِّين شَيْئًا , ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى جَبِينه وَحَزَّ فِي قَفَاهُ فَلَمْ تَعْمَل السِّكِّين شَيْئًا ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " كَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْنَاهُ كَبَّهُ عَلَى وَجْهه فَنُودِيَ " يَا إِبْرَاهِيم قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا " فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِكَبْشٍ ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى عَدَم صِحَّته , وَأَنَّ الْمَعْنَى لَمَّا اِعْتَقَدَ الْوُجُوب وَتَهَيَّأَ لِلْعَمَلِ ; هَذَا بِهَيْئَةِ الذَّبْح , وَهَذَا بِصُورَةِ الْمَذْبُوح , أُعْطِيَا مَحَلًّا لِلذَّبْحِ فِدَاء وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَرُّ سِكِّين . وَعَلَى هَذَا يُتَصَوَّر النَّسْخ قَبْل الْفِعْل عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : " وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " أَيْ صَرَعَهُ ; كَمَا تَقُول : كَبَّهُ لِوَجْهِهِ . الْهَرَوِيّ : وَالتَّلّ الدَّفْع وَالصَّرْع ; وَمِنْهُ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( وَتَرَكُوك لِمَتَلِّك ) أَيْ لِمَصْرَعِك . وَفِي حَدِيث آخَر : ( فَجَاءَ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ فَتَلَّهَا ) أَيْ أَنَاخَهَا . وَفِي الْحَدِيث : ( بَيْنَا أَنَا نَائِم أُتِيت بِمَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض فَتُلَّتْ فِي يَدِي ) قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : أَيْ فَأُلْقِيَتْ فِي يَدِي ; يُقَال : تَلَلْت الرَّجُل إِذَا أَلْقَيْته . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : فَصُبَّتْ فِي يَدِي ; وَالتَّلّ الصَّبّ ; يُقَال : تَلَّ يَتُلّ إِذَا صَبَّ , وَتَلَّ يَتِلّ بِالْكَسْرِ إِذَا سَقَطَ . قُلْت : وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ , وَعَنْ يَمِينه غُلَام وَعَنْ يَسَاره أَشْيَاخ ; فَقَالَ لِلْغُلَامِ : ( أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِي هَؤُلَاءِ ) فَقَالَ الْغُلَام : لَا وَاَللَّه , لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا . قَالَ ; فَتَلَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَده ; يُرِيد جَعَلَهُ فِي يَده . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْإِشَارَة : إِنَّ إِبْرَاهِيم اِدَّعَى مَحَبَّة اللَّه , ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْوَلَد بِالْمَحَبَّةِ , فَلَمْ يَرْضَ حَبِيبه مَحَبَّةً مُشْتَرَكَةً ; فَقِيلَ لَهُ : يَا إِبْرَاهِيم اِذْبَحْ وَلَدَك فِي مَرْضَاتِي , فَشَمَّرَ وَأَخَذَ السِّكِّين وَأَضْجَعَ وَلَده , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ مِنِّي فِي مَرْضَاتِك . فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا إِبْرَاهِيم لَمْ يَكُنْ الْمُرَاد ذَبْح الْوَلَد , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنْ تَرُدَّ قَلْبَك إِلَيْنَا , فَلَمَّا رَدَدْت قَلْبك بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْنَا رَدَدْنَا وَلَدَكَ إِلَيْكَ . وَقَالَ كَعْب وَغَيْره : لَمَّا أُرِيَ إِبْرَاهِيم ذَبْح وَلَده فِي مَنَامه , قَالَ الشَّيْطَان : وَاَللَّه لَئِنْ لَمْ أَفْتِنْ عِنْد هَذَا آلَ إِبْرَاهِيم لَا أَفْتِن مِنْهُمْ أَحَدًا أَبَدًا . فَتَمَثَّلَ الشَّيْطَان لَهُمْ فِي صُورَة الرَّجُل , ثُمَّ أَتَى أُمّ الْغُلَام وَقَالَ : أَتَدْرِينَ أَيْنَ يَذْهَب إِبْرَاهِيم بِابْنِك ؟ قَالَتْ : لَا . قَالَ : إِنَّهُ يَذْهَب بِهِ لِيَذْبَحَهُ . قَالَتْ : كَلَّا هُوَ أَرْأَفُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ : إِنَّهُ يَزْعُم أَنَّ رَبّه أَمَرَهُ بِذَلِكَ . قَالَتْ : فَإِنْ كَانَ رَبّه قَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ أَنْ يُطِيعَ رَبّه . ثُمَّ أَتَى الْغُلَام فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ يَذْهَب بِك أَبُوك ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنَّهُ يَذْهَب بِك لِيَذْبَحَك . قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : زَعَمَ أَنَّ رَبّه أَمَرَهُ بِذَلِكَ . قَالَ : فَلْيَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ , سَمْعًا وَطَاعَة لِأَمْرِ اللَّه . ثُمَّ جَاءَ إِبْرَاهِيم فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيد ؟ وَاَللَّه إِنِّي لَأَظُنّ أَنَّ الشَّيْطَان قَدْ جَاءَك فِي مَنَامك فَأَمَرَك بِذَبْحِ اِبْنك . فَعَرَفَهُ إِبْرَاهِيم فَقَالَ : إِلَيْك عَنِّي يَا عَدُوّ اللَّه , فَوَاَللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِأَمْرِ رَبِّي . فَلَمْ يُصِبْ الْمَلْعُون مِنْهُمْ شَيْئًا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيم بِذَبْحِ اِبْنه عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَان عِنْد جَمْرَة الْعَقَبَة فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ , ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ , ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الْأُخْرَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ ثُمَّ مَضَى إِبْرَاهِيم لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِع الَّذِي أَرَادَ ذَبْحه فِيهِ فَقِيلَ : بِمَكَّة فِي الْمَقَام . وَقِيلَ : فِي الْمَنْحَر بِمِنًى عِنْد الْجِمَار الَّتِي رَمَى بِهَا إِبْلِيس لَعَنَهُ اللَّه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَحُكِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : أَنَّهُ ذَبَحَهُ عَلَى الصَّخْرَة الَّتِي بِأَصْلِ ثَبِير بِمِنًى . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : ذَبَحَهُ بِالشَّامِ وَهُوَ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس عَلَى مِيلَيْنِ . وَالْأَوَّل أَكْثَر ; فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْأَخْبَار تَعْلِيق قَرْن الْكَبْش فِي الْكَعْبَة , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ذَبَحَهُ بِمَكَّة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَ أَوَّل الْإِسْلَام , وَإِنَّ رَأْس الْكَبْش لَمُعَلَّق بِقَرْنَيْهِ مِنْ مِيزَاب الْكَعْبَة وَقَدْ يَبِسَ . أَجَابَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الذَّبْح وَقَعَ بِالشَّامِ : لَعَلَّ الرَّأْس حُمِلَ مِنْ الشَّام إِلَى مَكَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • العلم

    العلم: فإن العلم من المصالح الضرورية التي تقوم عليه حياة الأمة بمجموعها وآحادها، فلا يستقيم نظام الحياة مع الإخلال بها، بحيث لو فاتت تلك المصالح الضرورية لآلت حال الأمة إلى الفساد، ولحادت عن الطريق الذي أراده لها الشارع. وفي هذه الرسالة التي أصلها محاضرتان ألقاهما الشيخ - حفظه الله - عن العلم وأهميته وفضله، وذكر واقع المسلمين نحو العلم.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337121

    التحميل:

  • أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة

    أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات العلمية، جعلتُها تحت عنوان: «أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384366

    التحميل:

  • الروض الناضر في سيرة الإمام الباقر

    الروض الناضر في سيرة الإمام الباقر: يتناول الكتاب هدي أحد أئمة المسلمين وأئمة آل البيت وهو الإمام محمد بن علي بن الحسين المعروف ب(الباقر)، و سبب تناول هذا الموضوع: أولاً: هو ندرة الكتب التي استقصت كل ما ورد عن الإمام الباقر من روايات صحيحة على المستوى العقائدي و الفقهي و الأخلاقي. ثانياً: الدفاع عن هذا الإمام و الذب عنه، فقد نسب إليه أباطيل اتخذها أصحاب الأهواء رداءًا يلتحفون به وجعلوها ملجأً يلتجئون إليه لتبرير شذوذهم وضلالهم، ثم لبّسوا على عامة المسلمين وجعلوا هذا الشذوذ والضلال ديناً يتقربون به إلى الله . ثالثاً: الحب الذي يكنهّ كل مسلم لمن ينحدر من نسل نبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه والذي يحثنا على التعرّف على ترجمة أعلام بيت النبوة واستطلاع سيرتهم الطيبة العطرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/60170

    التحميل:

  • قصة كاملة لم يؤلفها بشر

    قصة كاملة لم يؤلفها بشر : في هذه الرسالة واقعة أغرب من القصص، ما ألفها أديب قصصي، ولا عمل فيها خيال روائي، بل ألَّفَتْها الحياة، فجاءت بأحداثها ومصادفاتها، وبداياتها وخواتيمها، أبلغ مما ألف القصاص من الأدباء.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265570

    التحميل:

  • معالم في طريق طلب العلم

    معالم في طريق طلب العلم : رسالة قيمة تحتوي على بعض الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، مع بعض ما يستعين به على التحصيل ويتحلى به في حياته، وبعض السبل والوسائل التي تمكنه من نيل المطلوب، وما يتجنبه من الأخلاق الدنيئة والسمات الرذيلة، وغير ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307785

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة