طباعة الصفحة | تفسير القرطبي - سورة الصافات - الآية 103

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) (الصافات)

أَيْ اِنْقَادَا لِأَمْرِ اللَّه . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ " فَلَمَّا سَلَّمَا " أَيْ فَوَّضَا أَمْرهمَا إِلَى اللَّه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : اِسْتَسْلَمَا . وَقَالَ قَتَادَة : أَسْلَمَ أَحَدهمَا نَفْسه لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَسْلَمَ الْآخَر اِبْنه .

قَالَ قَتَادَة : كَبَّهُ وَحَوَّلَ وَجْهه إِلَى الْقِبْلَة . وَجَوَاب " لَمَّا " مَحْذُوف عِنْد الْبَصْرِيِّينَ تَقْدِيره " فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " فَدَيْنَاهُ بِكَبْشٍ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : الْجَوَاب " نَادَيْنَاهُ " وَالْوَاو زَائِدَة مُقْحَمَة ; كَقَوْلِهِ : " فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ وَأَوْحَيْنَا " [ يُوسُف : 15 ] أَيْ أَوْحَيْنَا . وَقَوْله : " وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 96 ] . " وَاقْتَرَبَ " أَيْ اِقْتَرَبَ . وَقَوْله : " حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَا وَقَالَ " [ الزُّمَر : 73 ] أَيْ قَالَ لَهُمْ . وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى أَيْ اِنْتَحَى , وَالْوَاو زَائِدَة . وَقَالَ أَيْضًا : حَتَّى إِذَا حَمَلَتْ بُطُونُكُمْ وَرَأَيْتُمْ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا وَقَلَبْتُمْ ظَهْرَ الْمِجَنِّ لَنَا إِنَّ اللَّئِيمَ الْفَاجِرُ الْخِبُّ أَرَادَ قَلَبْتُمْ . النَّحَّاس : وَالْوَاو مِنْ حُرُوف الْمَعَانِي لَا يَجُوز أَنْ تُزَاد . وَفِي الْخَبَر : إِنَّ الذَّبِيح قَالَ لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أَرَادَ ذَبْحَهُ : يَا أَبَتِ اُشْدُدْ رِبَاطِي حَتَّى لَا أَضْطَرِبَ ; وَاكْفُفْ ثِيَابَك لِئَلَّا يَنْتَضِحَ عَلَيْهَا شَيْء مِنْ دَمِي فَتَرَاهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ , وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّين عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ الْمَوْت أَهْوَنَ عَلَيَّ وَاقْذِفْنِي لِلْوَجْهِ ; لِئَلَّا تَنْظُر إِلَى وَجْهِي فَتَرْحَمنِي , وَلِئَلَّا أَنْظُر إِلَى الشَّفْرَة فَأَجْزَع , وَإِذَا أَتَيْت إِلَى أُمِّي فَأَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلَام . فَلَمَّا جَرَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام السِّكِّين ضَرَبَ اللَّه عَلَيْهِ صَفِيحَة مِنْ نُحَاس , فَلَمْ تَعْمَل السِّكِّين شَيْئًا , ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى جَبِينه وَحَزَّ فِي قَفَاهُ فَلَمْ تَعْمَل السِّكِّين شَيْئًا ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " كَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَعْنَاهُ كَبَّهُ عَلَى وَجْهه فَنُودِيَ " يَا إِبْرَاهِيم قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا " فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِكَبْشٍ ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى عَدَم صِحَّته , وَأَنَّ الْمَعْنَى لَمَّا اِعْتَقَدَ الْوُجُوب وَتَهَيَّأَ لِلْعَمَلِ ; هَذَا بِهَيْئَةِ الذَّبْح , وَهَذَا بِصُورَةِ الْمَذْبُوح , أُعْطِيَا مَحَلًّا لِلذَّبْحِ فِدَاء وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَرُّ سِكِّين . وَعَلَى هَذَا يُتَصَوَّر النَّسْخ قَبْل الْفِعْل عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : " وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " أَيْ صَرَعَهُ ; كَمَا تَقُول : كَبَّهُ لِوَجْهِهِ . الْهَرَوِيّ : وَالتَّلّ الدَّفْع وَالصَّرْع ; وَمِنْهُ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( وَتَرَكُوك لِمَتَلِّك ) أَيْ لِمَصْرَعِك . وَفِي حَدِيث آخَر : ( فَجَاءَ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ فَتَلَّهَا ) أَيْ أَنَاخَهَا . وَفِي الْحَدِيث : ( بَيْنَا أَنَا نَائِم أُتِيت بِمَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض فَتُلَّتْ فِي يَدِي ) قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : أَيْ فَأُلْقِيَتْ فِي يَدِي ; يُقَال : تَلَلْت الرَّجُل إِذَا أَلْقَيْته . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : فَصُبَّتْ فِي يَدِي ; وَالتَّلّ الصَّبّ ; يُقَال : تَلَّ يَتُلّ إِذَا صَبَّ , وَتَلَّ يَتِلّ بِالْكَسْرِ إِذَا سَقَطَ . قُلْت : وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ , وَعَنْ يَمِينه غُلَام وَعَنْ يَسَاره أَشْيَاخ ; فَقَالَ لِلْغُلَامِ : ( أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِي هَؤُلَاءِ ) فَقَالَ الْغُلَام : لَا وَاَللَّه , لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا . قَالَ ; فَتَلَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَده ; يُرِيد جَعَلَهُ فِي يَده . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْإِشَارَة : إِنَّ إِبْرَاهِيم اِدَّعَى مَحَبَّة اللَّه , ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْوَلَد بِالْمَحَبَّةِ , فَلَمْ يَرْضَ حَبِيبه مَحَبَّةً مُشْتَرَكَةً ; فَقِيلَ لَهُ : يَا إِبْرَاهِيم اِذْبَحْ وَلَدَك فِي مَرْضَاتِي , فَشَمَّرَ وَأَخَذَ السِّكِّين وَأَضْجَعَ وَلَده , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ مِنِّي فِي مَرْضَاتِك . فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا إِبْرَاهِيم لَمْ يَكُنْ الْمُرَاد ذَبْح الْوَلَد , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنْ تَرُدَّ قَلْبَك إِلَيْنَا , فَلَمَّا رَدَدْت قَلْبك بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْنَا رَدَدْنَا وَلَدَكَ إِلَيْكَ . وَقَالَ كَعْب وَغَيْره : لَمَّا أُرِيَ إِبْرَاهِيم ذَبْح وَلَده فِي مَنَامه , قَالَ الشَّيْطَان : وَاَللَّه لَئِنْ لَمْ أَفْتِنْ عِنْد هَذَا آلَ إِبْرَاهِيم لَا أَفْتِن مِنْهُمْ أَحَدًا أَبَدًا . فَتَمَثَّلَ الشَّيْطَان لَهُمْ فِي صُورَة الرَّجُل , ثُمَّ أَتَى أُمّ الْغُلَام وَقَالَ : أَتَدْرِينَ أَيْنَ يَذْهَب إِبْرَاهِيم بِابْنِك ؟ قَالَتْ : لَا . قَالَ : إِنَّهُ يَذْهَب بِهِ لِيَذْبَحَهُ . قَالَتْ : كَلَّا هُوَ أَرْأَفُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ : إِنَّهُ يَزْعُم أَنَّ رَبّه أَمَرَهُ بِذَلِكَ . قَالَتْ : فَإِنْ كَانَ رَبّه قَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ أَنْ يُطِيعَ رَبّه . ثُمَّ أَتَى الْغُلَام فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ يَذْهَب بِك أَبُوك ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنَّهُ يَذْهَب بِك لِيَذْبَحَك . قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : زَعَمَ أَنَّ رَبّه أَمَرَهُ بِذَلِكَ . قَالَ : فَلْيَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ , سَمْعًا وَطَاعَة لِأَمْرِ اللَّه . ثُمَّ جَاءَ إِبْرَاهِيم فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيد ؟ وَاَللَّه إِنِّي لَأَظُنّ أَنَّ الشَّيْطَان قَدْ جَاءَك فِي مَنَامك فَأَمَرَك بِذَبْحِ اِبْنك . فَعَرَفَهُ إِبْرَاهِيم فَقَالَ : إِلَيْك عَنِّي يَا عَدُوّ اللَّه , فَوَاَللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِأَمْرِ رَبِّي . فَلَمْ يُصِبْ الْمَلْعُون مِنْهُمْ شَيْئًا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيم بِذَبْحِ اِبْنه عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَان عِنْد جَمْرَة الْعَقَبَة فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ , ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ , ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الْأُخْرَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات حَتَّى ذَهَبَ ثُمَّ مَضَى إِبْرَاهِيم لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِع الَّذِي أَرَادَ ذَبْحه فِيهِ فَقِيلَ : بِمَكَّة فِي الْمَقَام . وَقِيلَ : فِي الْمَنْحَر بِمِنًى عِنْد الْجِمَار الَّتِي رَمَى بِهَا إِبْلِيس لَعَنَهُ اللَّه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَحُكِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : أَنَّهُ ذَبَحَهُ عَلَى الصَّخْرَة الَّتِي بِأَصْلِ ثَبِير بِمِنًى . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : ذَبَحَهُ بِالشَّامِ وَهُوَ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس عَلَى مِيلَيْنِ . وَالْأَوَّل أَكْثَر ; فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْأَخْبَار تَعْلِيق قَرْن الْكَبْش فِي الْكَعْبَة , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ذَبَحَهُ بِمَكَّة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَ أَوَّل الْإِسْلَام , وَإِنَّ رَأْس الْكَبْش لَمُعَلَّق بِقَرْنَيْهِ مِنْ مِيزَاب الْكَعْبَة وَقَدْ يَبِسَ . أَجَابَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الذَّبْح وَقَعَ بِالشَّامِ : لَعَلَّ الرَّأْس حُمِلَ مِنْ الشَّام إِلَى مَكَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .

5/7/2026 1:50:22
المصدر: https://wahaqouran.com/t-37-4-103.html