Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأحزاب - الآية 21

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) (الأحزاب) mp3
هَذَا عِتَاب لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْقِتَال ; أَيْ كَانَ لَكُمْ قُدْوَة فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ بَذَلَ نَفْسه لِنُصْرَةِ دِين اللَّه فِي خُرُوجه إِلَى الْخَنْدَق . وَالْأُسْوَة الْقُدْوَة . وَقَرَأَ عَاصِم " أُسْوَة " بِضَمِّ الْهَمْزَة . الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ ; وَهُمَا لُغَتَانِ . وَالْجَمْع فِيهِمَا وَاحِد عِنْد الْفَرَّاء . وَالْعِلَّة عِنْده فِي الضَّمّ عَلَى لُغَة مَنْ كَسَرَ فِي الْوَاحِدَة : الْفَرْق بَيْن ذَوَات الْوَاو وَذَوَات الْيَاء ; فَيَقُولُونَ كِسْوَة وَكُسًا , وَلِحْيَة وَلُحًى . الْجَوْهَرِيّ : وَالْأُسْوَة وَالْإِسْوَة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر لُغَتَانِ . وَالْجَمْع أُسًى وَإِسًى . وَرَوَى عُقْبَة بْن حَسَّان الْهَجَرِيّ عَنْ مَالِك بْن أَنَس عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة " قَالَ : فِي جُوع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ الْخَطِيب أَبُو بَكْر أَحْمَد وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عُقْبَة بْن حَسَّان عَنْ مَالِك , وَلَمْ أَكْتُبهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد .

قَوْله تَعَالَى " أُسْوَة " الْأُسْوَة الْقُدْوَة . وَالْأُسْوَة مَا يُتَأَسَّى بِهِ ; أَيْ يُتَعَزَّى بِهِ . فَيُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيع أَفْعَاله وَيُتَعَزَّى بِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله ; فَلَقَدْ شُجَّ وَجْهه , وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَته , وَقُتِلَ عَمّه حَمْزَة , وَجَاعَ بَطْنه , وَلَمْ يُلْفَ إِلَّا صَابِرًا مُحْتَسِبًا , وَشَاكِرًا رَاضِيًا . وَعَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ أَبِي طَلْحَة قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوع وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُوننَا عَنْ حَجَر حَجَر ; فَرَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَجَرَيْنِ . خَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا شُجَّ : ( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ .

وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأُسْوَة بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَام , هَلْ هِيَ عَلَى الْإِيجَاب أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَاب ; عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : عَلَى الْإِيجَاب حَتَّى يَقُوم دَلِيل عَلَى الِاسْتِحْبَاب . الثَّانِي : عَلَى الِاسْتِحْبَاب حَتَّى يَقُوم دَلِيل عَلَى الْإِيجَاب . وَيَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل عَلَى الْإِيجَاب فِي أُمُور الدِّين , وَعَلَى الِاسْتِحْبَاب فِي أُمُور الدُّنْيَا .

قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْمَعْنَى لِمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّه بِإِيمَانِهِ وَيُصَدِّق بِالْبَعْثِ الَّذِي فِيهِ جَزَاء الْأَفْعَال . وَقِيلَ : أَيْ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو ثَوَاب اللَّه فِي الْيَوْم الْآخِر . وَلَا يَجُوز عِنْد الْحُذَّاق مِنْ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَكْتُب " يَرْجُو " إِلَّا بِغَيْرِ أَلِف إِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْعِلَّة الَّتِي فِي الْجَمْع لَيْسَتْ فِي الْوَاحِد .

‎وَقِيلَ : إِنَّ " لِمَنْ " بَدَل مِنْ قَوْله : " لَكُمْ " وَلَا يُجِيزهُ الْبَصْرِيُّونَ ; لِأَنَّ الْغَائِب لَا يُبْدَل مِنْ الْمُخَاطَب , وَإِنَّمَا اللَّام مِنْ " لِمَنْ " مُتَعَلِّقَة ب " حَسَنَة " , و " أُسْوَة " اِسْم " كَانَ " و " لَكُمْ " الْخَبَر . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْخِطَاب عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : الْمُنَافِقُونَ ; عَطْفًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خِطَابهمْ . الثَّانِي : الْمُؤْمِنُونَ ; لِقَوْلِهِ : " لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْم الْآخِر "

خَوْفًا مِنْ عِقَابه , وَرَجَاء لِثَوَابِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • آداب وأحكام زيارة المدينة المنورة

    هذه الرسالة تبين بعض آداب وأحكام زيارة المدينة المنورة.

    الناشر: دار بلنسية للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/250752

    التحميل:

  • عثرات الطريق

    عثرات الطريق : فإن الطريق إلى الدار الآخرة طويلة وشاقة.. لا تخلو من عثرة وغفلة.. ومن تأخر وزلة.. ولكل مسلم ومسلمة عثرة يعقبها استغفار وتوبة ورجوع وأوبة.. من عثرات الطريق إهمال الطاعات وإضاعة النوافل وإتيان المحرمات والمكروهات.. وعلم على ذلك.. إضاعة الأعمار والأوقات. والعثرات قلت أو كثرت تكون هاوية يصعب صعودها والخروج منها على من لم يتجهز ويستعد ويستنفد الوسع.. وربما تكون هذه العثرات فاتحة خير وطريق توبة.. وبداية انطلاقة للوصول إلى النهاية.. هناك حيث تغرب شمس الدنيا ويبدأ إشراق الآخرة.. في جنات عدن وروح وريحان. وفي هذه الرسالة بيان بعض العثرات مع كيفية علاجها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228771

    التحميل:

  • كمال الأمة في صلاح عقيدتها

    كمال الأمة في صلاح عقيدتها : شرح آية: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172271

    التحميل:

  • شرح العقيدة الطحاوية [ خالد المصلح ]

    العقيدة الطحاوية : متن مختصر صنفه العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، وقد ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه، وفي هذه الصفحة شرح ألقاه الشيخ خالد المصلح - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322222

    التحميل:

  • منطقة المصب والحواجز بين البحار

    منطقة المصب والحواجز بين البحار: أثبت القرآن الكريم للعالم أجمع معجزةً فريدة من معجزاته؛ وهي: الحواجز التي تقع بين البحار العذبة والمالحة. وهذه الرسالة تُبيِّن هذه المعجزة العظيمة المذكورة في بعض سور القرآن الكريم من خلال الأبحاث العلمية التي قام بها علماء متخصصون مسلمون وغير مسلمين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339051

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة