تفسير القرطبي - سورة الأحزاب - الآية 21

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) (الأحزاب)

هَذَا عِتَاب لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْقِتَال ; أَيْ كَانَ لَكُمْ قُدْوَة فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ بَذَلَ نَفْسه لِنُصْرَةِ دِين اللَّه فِي خُرُوجه إِلَى الْخَنْدَق . وَالْأُسْوَة الْقُدْوَة . وَقَرَأَ عَاصِم " أُسْوَة " بِضَمِّ الْهَمْزَة . الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ ; وَهُمَا لُغَتَانِ . وَالْجَمْع فِيهِمَا وَاحِد عِنْد الْفَرَّاء . وَالْعِلَّة عِنْده فِي الضَّمّ عَلَى لُغَة مَنْ كَسَرَ فِي الْوَاحِدَة : الْفَرْق بَيْن ذَوَات الْوَاو وَذَوَات الْيَاء ; فَيَقُولُونَ كِسْوَة وَكُسًا , وَلِحْيَة وَلُحًى . الْجَوْهَرِيّ : وَالْأُسْوَة وَالْإِسْوَة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر لُغَتَانِ . وَالْجَمْع أُسًى وَإِسًى . وَرَوَى عُقْبَة بْن حَسَّان الْهَجَرِيّ عَنْ مَالِك بْن أَنَس عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة " قَالَ : فِي جُوع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ الْخَطِيب أَبُو بَكْر أَحْمَد وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عُقْبَة بْن حَسَّان عَنْ مَالِك , وَلَمْ أَكْتُبهُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد .

قَوْله تَعَالَى " أُسْوَة " الْأُسْوَة الْقُدْوَة . وَالْأُسْوَة مَا يُتَأَسَّى بِهِ ; أَيْ يُتَعَزَّى بِهِ . فَيُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيع أَفْعَاله وَيُتَعَزَّى بِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله ; فَلَقَدْ شُجَّ وَجْهه , وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَته , وَقُتِلَ عَمّه حَمْزَة , وَجَاعَ بَطْنه , وَلَمْ يُلْفَ إِلَّا صَابِرًا مُحْتَسِبًا , وَشَاكِرًا رَاضِيًا . وَعَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ أَبِي طَلْحَة قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوع وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُوننَا عَنْ حَجَر حَجَر ; فَرَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَجَرَيْنِ . خَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا شُجَّ : ( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ .

وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأُسْوَة بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَام , هَلْ هِيَ عَلَى الْإِيجَاب أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَاب ; عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : عَلَى الْإِيجَاب حَتَّى يَقُوم دَلِيل عَلَى الِاسْتِحْبَاب . الثَّانِي : عَلَى الِاسْتِحْبَاب حَتَّى يَقُوم دَلِيل عَلَى الْإِيجَاب . وَيَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل عَلَى الْإِيجَاب فِي أُمُور الدِّين , وَعَلَى الِاسْتِحْبَاب فِي أُمُور الدُّنْيَا .

قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْمَعْنَى لِمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّه بِإِيمَانِهِ وَيُصَدِّق بِالْبَعْثِ الَّذِي فِيهِ جَزَاء الْأَفْعَال . وَقِيلَ : أَيْ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو ثَوَاب اللَّه فِي الْيَوْم الْآخِر . وَلَا يَجُوز عِنْد الْحُذَّاق مِنْ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَكْتُب " يَرْجُو " إِلَّا بِغَيْرِ أَلِف إِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْعِلَّة الَّتِي فِي الْجَمْع لَيْسَتْ فِي الْوَاحِد .

‎وَقِيلَ : إِنَّ " لِمَنْ " بَدَل مِنْ قَوْله : " لَكُمْ " وَلَا يُجِيزهُ الْبَصْرِيُّونَ ; لِأَنَّ الْغَائِب لَا يُبْدَل مِنْ الْمُخَاطَب , وَإِنَّمَا اللَّام مِنْ " لِمَنْ " مُتَعَلِّقَة ب " حَسَنَة " , و " أُسْوَة " اِسْم " كَانَ " و " لَكُمْ " الْخَبَر . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْخِطَاب عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : الْمُنَافِقُونَ ; عَطْفًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خِطَابهمْ . الثَّانِي : الْمُؤْمِنُونَ ; لِقَوْلِهِ : " لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْم الْآخِر "

خَوْفًا مِنْ عِقَابه , وَرَجَاء لِثَوَابِهِ .

تاريخ الحفظ: 21/5/2026 3:25:16
المصدر: https://wahaqouran.com/t-33-4-21.html