Muslim Library

تفسير الطبري - سورة آل عمران - الآية 121

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) (آل عمران) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَيْد هَؤُلَاءِ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود شَيْئًا , وَلَكِنَّ اللَّه يَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ إِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى طَاعَتِي , وَاتِّبَاع أَمْر رَسُولِي , كَمَا نَصَرْتُكُمْ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة . وَإِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَمْرِي , وَلَمْ تَصْبِرُوا عَلَى مَا كَلَّفْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَلَمْ تَتَّقُوا مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَخَالَفْتُمْ أَمْرِي , وَأَمْر رَسُولِي , فَإِنَّهُ نَازِل بِكُمْ مَا نَزَلَ بِكُمْ بِأُحُدٍ , وَاذْكُرُوا ذَلِكَ الْيَوْم إِذْ غَدَا نَبِيّكُمْ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ ; فَتَرَكَ ذِكْر الْخَبَر عَنْ أَمْر الْقَوْم إِنْ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى أَمْر رَبّهمْ وَلَمْ يَتَّقُوهُ اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ , إِذْ ذِكْر مَا هُوَ فَاعِل بِهِمْ مِنْ صَرْف كَيْد أَعْدَائِهِمْ عَنْهُمْ , إِنْ صَبَرُوا عَلَى أَمْره , وَاتَّقَوْا مَحَارِمه , وَتَعْقِيبه ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْبَلَاء بِأُحُدٍ , إِذْ خَالَفَ بَعْضهمْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَنَازَعُوا الرَّأْي بَيْنهمْ . وَأُخْرِجَ الْخِطَاب فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك } عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِمَعْنَاهُ الَّذِينَ نَهَاهُمْ أَنْ يُتَّخَذ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , فَقَدْ بَيَّنَ إِذًا أَنَّ قَوْله : " وَإِذْ " إِنَّمَا جَرّهَا فِي مَعْنَى الْكَلَام عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْت وَأَوْضَحْت . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْيَوْم الَّذِي عَنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم أُحُد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6104 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : مَشَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ عَلَى رِجْلَيْهِ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ . 6105 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } ذَلِكَ يَوْم أُحُد , غَدَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6106 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَغَدَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6107 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَهُوَ يَوْم أُحُد . 6108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : هُنَا يَوْم أُحُد . 6109 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : مِمَّا نَزَلَ فِي يَوْم أُحُد : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم الْأَحْزَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6110 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَا يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ يَوْم الْأَحْزَاب . وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ : يَوْم أُحُد ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول فِي الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا } وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل التَّأْوِيل أَنَّهُ عَنَى بِالطَّائِفَتَيْنِ بَنُو سَلِمَة وَبَنُو حَارِثَة . وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل السِّيَر وَالْمَعْرِفَة بِمَغَازِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه مِنْ أَمْرهمَا إِنَّمَا كَانَ يَوْم أُحُد دُون يَوْم الْأَحْزَاب . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يَكُون ذَلِكَ يَوْم أُحُد وَرَسُول اللَّه إِنَّمَا رَاحَ إِلَى أُحُد مِنْ أَهْله لِلْقِتَالِ يَوْم الْجُمْعَة بَعْد مَا صَلَّى الْجُمُعَة فِي أَهْله بِالْمَدِينَةِ بِالنَّاسِ , كَاَلَّذِي : 6111 - حَدَّثَكُمْ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن عُبَيْد اللَّه بْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحَ حِين صَلَّى الْجُمُعَة إِلَى أُحُد , دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَته , وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة حِين فَرَغَ مِنْ الصَّلَاة , وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْم رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه , ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : " مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذْ لَبِسَ لَأْمَته أَنْ يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " ؟ . قِيلَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ خُرُوجه لِلْقَوْمِ كَانَ رَوَاحًا فَلَمْ يَكُنْ تَبْوِئَته لِلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدهمْ لِلْقِتَالِ عِنْد خُرُوجه , بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل خُرُوجه لِقِتَالِ عَدُوّهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد فِيمَا بَلَغَنَا يَوْم الْأَرْبِعَاء , فَأَقَامُوا بِهِ ذَلِكَ الْيَوْم وَيَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمْعَة , حَتَّى رَاحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ يَوْم الْجُمُعَة بَعْد مَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَة , فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُد يَوْم السَّبْت لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّال . 6112 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد اِبْن مُسْلِم الزُّهْرِيّ , وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْرهمْ . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ كَانَتْ تَبْوِئَته الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ غَدَوْا قَبْل خُرُوجه , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ التَّبْوِئَة . اِتِّخَاذ الْمَوْضِع ؟ قِيلَ : كَانَتْ تَبْوِئَته إِيَّاهُمْ ذَلِكَ قَبْل مُنَاهَضَته عَدُوّهُ عِنْد مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي رَآهُ لَهُمْ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ بِنُزُولِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش وَأَتْبَاعهَا أُحُدًا , قَالَ فِيمَا : 6113 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ لِأَصْحَابِهِ : " أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا أَصْنَع ؟ " فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . فَقَالَتْ الْأَنْصَار : يَا رَسُول اللَّه مَا غَلَبَنَا عَدُوّ لَنَا أَتَانَا فِي دِيَارنَا , فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا ؟ فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول , وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلهَا , فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَة , فَيُقَاتِلُوا فِي الْأَزِقَّة , فَأَتَاهُ النُّعْمَان بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , لَا تَحْرِمنِي الْجَنَّة , فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَأَدْخُلَنَّ الْجَنَّة ! فَقَالَ لَهُ : " بِمَ ؟ " قَالَ : بِأَنِّي أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّك رَسُول اللَّه , وَأَنِّي لَا أَفِرّ مِنْ الزَّحْف . قَالَ : " صَدَقْت ؟ " فَقُتِلَ يَوْمئِذٍ . ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِدِرْعِهِ فَلَبِسَهَا , فَلَمَّا رَأَوْهُ وَقَدْ لَبِسَ السِّلَاح , نَدِمُوا , وَقَالُوا : بِئْسَمَا صَنَعْنَا , نُشِير عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى وَالْوَحْي يَأْتِيه ! فَقَامُوا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَقَالُوا : اِصْنَعْ مَا رَأَيْت . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَس لَأْمَته فَيَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " . 6114 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة , وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ , وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا : لَمَّا سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي قَدْ رَأَيْت بَقَرًا فَأَوَّلْتهَا خَيْرًا , وَرَأَيْت فِي ذُبَاب سَيْفِي ثُلْمًا , وَرَأَيْت أَنِّي أَدْخَلْت يَدِي فِي دِرْع حَصِينه , فَأَوَّلْتهَا الْمَدِينَة فَإِنْ رَأَيْتُمْ إِذْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَام , وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا " . وَكَانَ رَأْي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول مَعَ رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَرَى رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُج إِلَيْهِمْ . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَه الْخُرُوج مِنْ الْمَدِينَة , فَقَالَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَ اللَّه بِالشَّهَادَةِ يَوْم أُحُد وَغَيْرهمْ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْر وَحَضَرُوهُ : يَا رَسُول اللَّه , اُخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا ! فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول : يَا رَسُول اللَّه أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ , فَوَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا , وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا قَطُّ إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ ! فَدَعْهُمْ يَا رَسُول اللَّه , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِس , وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرِّجَال فِي وُجُوههمْ , وَرَمَاهُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقهمْ , وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا . فَلَمْ يَزَلْ النَّاس بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرهمْ حُبّ لِقَاء الْقَوْم حَتَّى دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَبِسَ لَأْمَته . فَكَانَتْ تَبْوِئَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ , مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى مَا وَصَفَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلهمْ ; يُقَال مِنْهُ : بَوَّأْت الْقَوْم مَنْزِلًا وَبَوَّأْته لَهُمْ فَأَنَا أُبَوِّئهُمْ الْمَنْزِل تَبْوِئَة , وَأُبَوِّئ لَهُمْ مَنْزِلًا تَبْوِئَة . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ " وَذَلِكَ جَائِز , كَمَا يُقَال : رَدِفَك وَرَدِفَ لَك , وَنَقَدْت لَهَا صَدَاقهَا وَنَقَدْتهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَسْتَغْفِر اللَّه ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيه رَبّ الْعِبَاد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل وَالْكَلَام : أَسْتَغْفِر اللَّه لِذَنْبٍ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : أَبَأْت الْقَوْم مَنْزِلًا فَأَنَا أُبِيئهُمْ إِبَاءَة , وَيُقَال مِنْهُ : أَبَأْت الْإِبِل : إِذَا رَدَدْتهَا إِلَى الْمَبَاءَة , وَالْمَبَاءَة : الْمَرَاح الَّذِي تَبِيت فِيهِ , وَالْمَقَاعِد : جَمْع مَقْعَد وَهُوَ الْمَجْلِس . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَاذْكُرْ إِذْ غَدَوْت يَا مُحَمَّد مِنْ أَهْلك تَتَّخِذ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعَسْكَرًا وَمَوْضِعًا لِقِتَالِ عَدُوّهُمْ .


وَقَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه سَمِيع لِمَا يَقُول الْمُؤْمِنُونَ لَك , فِيمَا شَاوَرْتهمْ فِيهِ مِنْ مَوْضِع لِقَائِك وَلِقَائِهِمْ عَدُوّك وَعَدُوّهُمْ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : اُخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ حَتَّى نَلْقَاهُمْ خَارِج الْمَدِينَة , وَقَوْل مَنْ قَالَ لَك : لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ وَأَقِمْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يَدْخُلُوهَا عَلَيْنَا , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل , وَمِمَّا تُشِير بِهِ عَلَيْهِمْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد . عَلِيم بِأَصْلَحِ تِلْكَ الْآرَاء لَك وَلَهُمْ , وَبِمَا تُخْفِيه صُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْخُرُوجِ إِلَى عَدُوّك , وَصُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَمْرك وَأُمُورهمْ . كَمَا : 6115 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِي قَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } : أَيْ سَمِيع لِمَا يَقُولُونَ , عَلِيم بِمَا يُخْفُونَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الوسطية في ضوء القرآن الكريم

    الوسطية في ضوء القرآن الكريم: قال الشيخ - حفظه الله - في مقدمة الكاب: «وجدتُ أنّ القرآن الكريم، قد رسم لنا منهج الوسطية في شتَّى جوانبه، أصولاً وفروعًا، عقيدةً وعبادةً، خُلقًا وسلوكًا، تصوُّرًا وعملاً، ولقد جاء هذا المنهج من خلال القرآن الكريم في أساليب عدَّة، تصريحًا وإيماءً، مفصَّلا ومجملا، خبرًا وإنشاءً، أمرًا ونهيًا. واقتناعًا منِّي بأهميَّة هذا الموضوع، ومسيس الحاجة إليه، فقد عزمتُ على الكتابة فيه، وهذا يقتضي أن أعيش مع كتاب الله متأمِّلا لآياته، متفكِّرًا في دلالاته، مستوعبًا لما كتبه المفسِّرون حول تقرير القرآن لمنهج الوسطيَّة».

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337299

    التحميل:

  • التكفير وضوابطه

    التكفير وضوابطه: بعث الله نبيه بالحجة البينة الواضحة، فأنار السبيل، وكشف الظلمة، وترك أمته على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وكان من أوائل من زاغ عن هديه - صلى الله عليه وسلم - الخوارجُ، فكانوا أول المبتدعة ظهورًا في الإسلام، وأظهرها ذمًّا في السنة النبوية. وأمام داهية عودة التكفير - من جديد - بين بعض شباب المسلمين، رأت رابطةُ العالم الإسلامي أن تسهم في التصدي لهذه الضلالة بيانًا للحق، وقيامًا بالواجب، ولتكون هذه الدراسة وغيرها نبراس هداية لكل من استزلَّه الشيطان فوقع في إخوانه المسلمين تكفيرًا وتفسيقًا.

    الناشر: موقع رابطة العالم الإسلامي http://www.themwl.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323935

    التحميل:

  • المجروحين

    المجروحين: أحد كتب الجرح صنفها الحافظ ابن حبان - رحمه الله -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141418

    التحميل:

  • الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم

    الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: في هذا الكتاب بيان معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحُكمها، وكيفيتها، وفضلها، وفضل زيارة قبره ومسجده - عليه الصلاة والسلام -، وذكر آداب دخول المسجد كما وردت في كتب السنن.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385233

    التحميل:

  • آثار الفتن

    آثار الفتن: إن الذي لا يعرف الفتن ولا آثارها وعواقبها ربما دخل في شيء منها وأضرَّت بحياته; ثم يلحقه الندم بعد ذلك; ومعرفة هذه الآثار نافعٌ ومفيدٌ للعبد; لأنه من باب النظر في العواقب ومآلات الأمور.; وفي هذه الرسالة ذكر الشيخ آثار وعواقب الفتن; وذكر الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316772

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة