وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) (آل عمران)
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرّكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَيْد هَؤُلَاءِ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود شَيْئًا , وَلَكِنَّ اللَّه يَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ إِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى طَاعَتِي , وَاتِّبَاع أَمْر رَسُولِي , كَمَا نَصَرْتُكُمْ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة . وَإِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَمْرِي , وَلَمْ تَصْبِرُوا عَلَى مَا كَلَّفْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي , وَلَمْ تَتَّقُوا مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ , وَخَالَفْتُمْ أَمْرِي , وَأَمْر رَسُولِي , فَإِنَّهُ نَازِل بِكُمْ مَا نَزَلَ بِكُمْ بِأُحُدٍ , وَاذْكُرُوا ذَلِكَ الْيَوْم إِذْ غَدَا نَبِيّكُمْ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ ; فَتَرَكَ ذِكْر الْخَبَر عَنْ أَمْر الْقَوْم إِنْ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى أَمْر رَبّهمْ وَلَمْ يَتَّقُوهُ اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ , إِذْ ذِكْر مَا هُوَ فَاعِل بِهِمْ مِنْ صَرْف كَيْد أَعْدَائِهِمْ عَنْهُمْ , إِنْ صَبَرُوا عَلَى أَمْره , وَاتَّقَوْا مَحَارِمه , وَتَعْقِيبه ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْبَلَاء بِأُحُدٍ , إِذْ خَالَفَ بَعْضهمْ أَمْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَنَازَعُوا الرَّأْي بَيْنهمْ . وَأُخْرِجَ الْخِطَاب فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك } عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِمَعْنَاهُ الَّذِينَ نَهَاهُمْ أَنْ يُتَّخَذ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , فَقَدْ بَيَّنَ إِذًا أَنَّ قَوْله : " وَإِذْ " إِنَّمَا جَرّهَا فِي مَعْنَى الْكَلَام عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْت وَأَوْضَحْت . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْيَوْم الَّذِي عَنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم أُحُد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6104 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : مَشَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ عَلَى رِجْلَيْهِ يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ . 6105 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } ذَلِكَ يَوْم أُحُد , غَدَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6106 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَغَدَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْله إِلَى أُحُد يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ . 6107 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } فَهُوَ يَوْم أُحُد . 6108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : هُنَا يَوْم أُحُد . 6109 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : مِمَّا نَزَلَ فِي يَوْم أُحُد : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ يَوْم الْأَحْزَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6110 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ } قَالَ : يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَا يُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ يَوْم الْأَحْزَاب . وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ : يَوْم أُحُد ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول فِي الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا } وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل التَّأْوِيل أَنَّهُ عَنَى بِالطَّائِفَتَيْنِ بَنُو سَلِمَة وَبَنُو حَارِثَة . وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل السِّيَر وَالْمَعْرِفَة بِمَغَازِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه مِنْ أَمْرهمَا إِنَّمَا كَانَ يَوْم أُحُد دُون يَوْم الْأَحْزَاب . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يَكُون ذَلِكَ يَوْم أُحُد وَرَسُول اللَّه إِنَّمَا رَاحَ إِلَى أُحُد مِنْ أَهْله لِلْقِتَالِ يَوْم الْجُمْعَة بَعْد مَا صَلَّى الْجُمُعَة فِي أَهْله بِالْمَدِينَةِ بِالنَّاسِ , كَاَلَّذِي : 6111 - حَدَّثَكُمْ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن عُبَيْد اللَّه بْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحَ حِين صَلَّى الْجُمُعَة إِلَى أُحُد , دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَته , وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة حِين فَرَغَ مِنْ الصَّلَاة , وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْم رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُول اللَّه , ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : " مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذْ لَبِسَ لَأْمَته أَنْ يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " ؟ . قِيلَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ خُرُوجه لِلْقَوْمِ كَانَ رَوَاحًا فَلَمْ يَكُنْ تَبْوِئَته لِلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدهمْ لِلْقِتَالِ عِنْد خُرُوجه , بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل خُرُوجه لِقِتَالِ عَدُوّهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد فِيمَا بَلَغَنَا يَوْم الْأَرْبِعَاء , فَأَقَامُوا بِهِ ذَلِكَ الْيَوْم وَيَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمْعَة , حَتَّى رَاحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ يَوْم الْجُمُعَة بَعْد مَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَة , فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُد يَوْم السَّبْت لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّال . 6112 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد اِبْن مُسْلِم الزُّهْرِيّ , وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان , وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن وَغَيْرهمْ . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ كَانَتْ تَبْوِئَته الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ غَدَوْا قَبْل خُرُوجه , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ التَّبْوِئَة . اِتِّخَاذ الْمَوْضِع ؟ قِيلَ : كَانَتْ تَبْوِئَته إِيَّاهُمْ ذَلِكَ قَبْل مُنَاهَضَته عَدُوّهُ عِنْد مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي رَآهُ لَهُمْ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ بِنُزُولِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْش وَأَتْبَاعهَا أُحُدًا , قَالَ فِيمَا : 6113 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ لِأَصْحَابِهِ : " أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا أَصْنَع ؟ " فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . فَقَالَتْ الْأَنْصَار : يَا رَسُول اللَّه مَا غَلَبَنَا عَدُوّ لَنَا أَتَانَا فِي دِيَارنَا , فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا ؟ فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول , وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلهَا , فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اُخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُب . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَة , فَيُقَاتِلُوا فِي الْأَزِقَّة , فَأَتَاهُ النُّعْمَان بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , لَا تَحْرِمنِي الْجَنَّة , فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَأَدْخُلَنَّ الْجَنَّة ! فَقَالَ لَهُ : " بِمَ ؟ " قَالَ : بِأَنِّي أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّك رَسُول اللَّه , وَأَنِّي لَا أَفِرّ مِنْ الزَّحْف . قَالَ : " صَدَقْت ؟ " فَقُتِلَ يَوْمئِذٍ . ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِدِرْعِهِ فَلَبِسَهَا , فَلَمَّا رَأَوْهُ وَقَدْ لَبِسَ السِّلَاح , نَدِمُوا , وَقَالُوا : بِئْسَمَا صَنَعْنَا , نُشِير عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى وَالْوَحْي يَأْتِيه ! فَقَامُوا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ , وَقَالُوا : اِصْنَعْ مَا رَأَيْت . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَس لَأْمَته فَيَضَعهَا حَتَّى يُقَاتِل " . 6114 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَمُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن حِبَّان وَعَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَة , وَالْحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن سَعْد بْن مُعَاذ , وَغَيْرهمْ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا : لَمَّا سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلهمْ مِنْ أُحُد , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي قَدْ رَأَيْت بَقَرًا فَأَوَّلْتهَا خَيْرًا , وَرَأَيْت فِي ذُبَاب سَيْفِي ثُلْمًا , وَرَأَيْت أَنِّي أَدْخَلْت يَدِي فِي دِرْع حَصِينه , فَأَوَّلْتهَا الْمَدِينَة فَإِنْ رَأَيْتُمْ إِذْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَام , وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا " . وَكَانَ رَأْي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول مَعَ رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَرَى رَأْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُج إِلَيْهِمْ . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَه الْخُرُوج مِنْ الْمَدِينَة , فَقَالَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَ اللَّه بِالشَّهَادَةِ يَوْم أُحُد وَغَيْرهمْ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْر وَحَضَرُوهُ : يَا رَسُول اللَّه , اُخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا ! فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول : يَا رَسُول اللَّه أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ , فَوَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا , وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا قَطُّ إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ ! فَدَعْهُمْ يَا رَسُول اللَّه , فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِس , وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرِّجَال فِي وُجُوههمْ , وَرَمَاهُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقهمْ , وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا . فَلَمْ يَزَلْ النَّاس بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرهمْ حُبّ لِقَاء الْقَوْم حَتَّى دَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَبِسَ لَأْمَته . فَكَانَتْ تَبْوِئَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ , مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَشُورَته عَلَى أَصْحَابه بِالرَّأْيِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى مَا وَصَفَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلهمْ ; يُقَال مِنْهُ : بَوَّأْت الْقَوْم مَنْزِلًا وَبَوَّأْته لَهُمْ فَأَنَا أُبَوِّئهُمْ الْمَنْزِل تَبْوِئَة , وَأُبَوِّئ لَهُمْ مَنْزِلًا تَبْوِئَة . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ " وَذَلِكَ جَائِز , كَمَا يُقَال : رَدِفَك وَرَدِفَ لَك , وَنَقَدْت لَهَا صَدَاقهَا وَنَقَدْتهَا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَسْتَغْفِر اللَّه ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيه رَبّ الْعِبَاد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل وَالْكَلَام : أَسْتَغْفِر اللَّه لِذَنْبٍ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : أَبَأْت الْقَوْم مَنْزِلًا فَأَنَا أُبِيئهُمْ إِبَاءَة , وَيُقَال مِنْهُ : أَبَأْت الْإِبِل : إِذَا رَدَدْتهَا إِلَى الْمَبَاءَة , وَالْمَبَاءَة : الْمَرَاح الَّذِي تَبِيت فِيهِ , وَالْمَقَاعِد : جَمْع مَقْعَد وَهُوَ الْمَجْلِس . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَاذْكُرْ إِذْ غَدَوْت يَا مُحَمَّد مِنْ أَهْلك تَتَّخِذ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعَسْكَرًا وَمَوْضِعًا لِقِتَالِ عَدُوّهُمْ .
وَقَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه سَمِيع لِمَا يَقُول الْمُؤْمِنُونَ لَك , فِيمَا شَاوَرْتهمْ فِيهِ مِنْ مَوْضِع لِقَائِك وَلِقَائِهِمْ عَدُوّك وَعَدُوّهُمْ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : اُخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ حَتَّى نَلْقَاهُمْ خَارِج الْمَدِينَة , وَقَوْل مَنْ قَالَ لَك : لَا تَخْرُج إِلَيْهِمْ وَأَقِمْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يَدْخُلُوهَا عَلَيْنَا , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل , وَمِمَّا تُشِير بِهِ عَلَيْهِمْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد . عَلِيم بِأَصْلَحِ تِلْكَ الْآرَاء لَك وَلَهُمْ , وَبِمَا تُخْفِيه صُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْخُرُوجِ إِلَى عَدُوّك , وَصُدُور الْمُشِيرِينَ عَلَيْك بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَمْرك وَأُمُورهمْ . كَمَا : 6115 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق فِي قَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } : أَيْ سَمِيع لِمَا يَقُولُونَ , عَلِيم بِمَا يُخْفُونَ .