Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 105

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) (هود) mp3
يَوْم يَأْتِ " لِأَنَّ الْيَاء تُحْذَف إِذَا كَانَ قَبْلهَا كَسْرَة ; تَقُول : لَا أَدْرِ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . قَالَ النَّحَّاس : قَرَأَهُ أَهْل الْمَدِينَة وَأَبُو عَمْرو وَالْكِسَائِيّ بِإِثْبَاتِ الْيَاء فِي الْإِدْرَاج ; وَحَذْفهَا فِي الْوَقْف , وَرُوِيَ أَنَّ أُبَيًّا وَابْن مَسْعُود قَرَآ " يَوْم يَأْتِي " بِالْيَاءِ فِي الْوَقْف وَالْوَصْل . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة " يَوْم يَأْتِ " بِغَيْرِ يَاء فِي الْوَقْف وَالْوَصْل , قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : الْوَجْه فِي هَذَا أَلَّا يُوقَف عَلَيْهِ , وَأَنْ يُوصَل بِالْيَاءِ ; لِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا : لَا تُحْذَف الْيَاء , وَلَا يُجْزَم الشَّيْء بِغَيْرِ جَازِم ; فَأَمَّا الْوَقْف بِغَيْرِ يَاء فَفِيهِ قَوْل لِلْكِسَائِيِّ ; قَالَ : لِأَنَّ الْفِعْل السَّالِم يُوقَف عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ , فَحَذَفَ الْيَاء , كَمَا تُحْذَف الضَّمَّة . وَأَمَّا قِرَاءَة حَمْزَة فَقَدْ اِحْتَجَّ أَبُو عُبَيْد لِحَذْفِ الْيَاء فِي الْوَصْل وَالْوَقْف بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَام الَّذِي يُقَال لَهُ إِنَّهُ مُصْحَف عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِغَيْرِ يَاء . وَالْحُجَّة الْأُخْرَى : أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَة هُذَيْل ; تَقُول : مَا أَدْرِ ; قَالَ النَّحَّاس : أَمَّا حُجَّته بِمُصْحَفِ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَشَيْء يَرُدّهُ عَلَيْهِ أَكْثَر الْعُلَمَاء ; قَالَ مَالِك بْن أَنَس رَحِمَهُ اللَّه : سَأَلْت عَنْ مُصْحَف عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ ; وَأَمَّا حُجَّته بِقَوْلِهِمْ : " مَا أَدْرِ " فَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَذْف قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاء , وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ , وَأَنَّهُ لَا يُقَاس عَلَيْهِ . وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء فِي حَذْف الْيَاء . كَفَّاك كَفّ مَا تُلِيق دِرْهَمًا جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا أَيْ تُعْطِي . وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيل أَنَّ الْعَرَب تَقُول : لَا أَدْرِ , فَتَحْذِف الْيَاء وَتَجْتَزِئ بِالْكَسْرَةِ , إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال . قَالَ الزَّجَّاج : وَالْأَجْوَد فِي النَّحْو إِثْبَات الْيَاء ; قَالَ : وَاَلَّذِي أَرَاهُ اِتِّبَاع الْمُصْحَف وَإِجْمَاع الْقُرَّاء ; لِأَنَّ الْقِرَاءَة سُنَّة ; وَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي كَلَام الْعَرَب .



الْأَصْل تَتَكَلَّم ; حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا . وَفِيهِ إِضْمَار ; أَيْ لَا تَتَكَلَّم فِيهِ نَفْس إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْن الْكَلَام ; لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْك الْقَبِيح . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَكَلَّم بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَة إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِف وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنْ الْكَلَام إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَهَذِهِ الْآيَة أَكْثَر مَا يَسْأَل عَنْهَا أَهْل الْإِلْحَاد فِي الدِّين فَيَقُول لِمَ قَالَ : " لَا تَكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ " و " هَذَا يَوْم لَا يَنْطِقُونَ . وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " [ الْمُرْسَلَات : 36 ] . وَقَالَ فِي مَوْضِع مِنْ ذِكْر الْقِيَامَة : " وَأَقْبَلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ " [ الصَّافَّات : 27 ] . وَقَالَ : " يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس تُجَادِل عَنْ نَفْسهَا " [ النَّحْل : 111 ] . وَقَالَ : " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ " [ الصَّافَّات : 24 ] . وَقَالَ : " فَيَوْمئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبه إِنْس وَلَا جَانّ " [ الرَّحْمَن : 39 ] . وَالْجَوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ , وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِب لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ , وَلَوْم بَعْضهمْ بَعْضًا , وَطَرْح بَعْضهمْ الذُّنُوب عَلَى بَعْض ; فَأَمَّا التَّكَلُّم وَالنُّطْق بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا ; وَهَذَا كَمَا تَقُول لِلَّذِي يُخَاطِبك كَثِيرًا , وَخِطَابه فَارِغ عَنْ الْحُجَّة : مَا تَكَلَّمْت بِشَيْءٍ , وَمَا نَطَقْت بِشَيْءٍ , فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّم بِلَا حُجَّة فِيهِ لَهُ غَيْر مُتَكَلِّم . وَقَالَ : قَوْم : ذَلِكَ الْيَوْم طَوِيل , وَلَهُ مَوَاطِن وَمَوَاقِف فِي بَعْضهَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْكَلَام , وَفِي بَعْضهَا يُطْلَق لَهُمْ الْكَلَام ; فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ .


أَيْ مِنْ الْأَنْفُس , أَوْ مِنْ النَّاس ; وَقَدْ ذَكَرَهُمْ فِي قَوْله : " يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس " . وَالشَّقِيّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَة . وَالسَّعِيد الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَة ; قَالَ لَبِيد : فَمِنْهُمْ سَعِيد آخِذ بِنَصِيبِهِ وَمِنْهُمْ شَقِيّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِع وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد " سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْت : يَا نَبِيّ اللَّه فَعَلَامَ نَعْمَل ؟ عَلَى شَيْء قَدْ فُرِغَ مِنْهُ , أَوْ عَلَى شَيْء لَمْ يُفْرَغ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : ( بَلْ عَلَى شَيْء قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَام يَا عُمَر وَلَكِنْ كُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ ) . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْأَعْرَاف " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أنهلك وفينا الصالحون

    أنهلك وفينا الصالحون : فإن من تأمل في حياة المسلمين اليوم وجد أن البعض منهم قد أهمل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد لبس الشيطان في ترك هذه الشعيرة العظيمة بأعذار واهية، وفي هذه الرسالة بيان بواعث الأمر بالمعروف، مع ذكر بعض ثمراته، ثم بيان خطوات الإنكار، وحالات الإعفاء من الإنكار.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208936

    التحميل:

  • كتاب الإيمان

    كتاب الإيمان: كتابٌ احتوى على: نعت الإيمان في استكماله ودرجاته، والاستثناء في الإيمان، والزيادة في الإيمان والانتقاص منه، وتسمية الإيمان بالقول دون العمل، ومن جعل الإيمان المعرفة بالقلب وان لم يكن عمل، وذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولاً بلا عمل، وما نهوا عنه من مجالستهم، والخروج من الإيمان بالمعاصي، ثم ختم كتابه بذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2127

    التحميل:

  • الفوائد المنثورة [ خطب ونصائح - كلمات ومقالات ]

    الفوائد المنثورة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا مجموعٌ يحوي جملةً من الخطب والنصائح وعددًا من الكلمات والمقالات، جرى إعدادُها في أوقاتٍ مُتفاوتةٍ وأزمنةٍ مُتباعدةٍ، رأيتُ من المُفيد لمّها في هذا المجموع رجاءَ أن ينفع الله بها».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344670

    التحميل:

  • التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم

    التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم: إن التفسير الموضوعي نوع من أنواع التفسير الذي بدأت أصوله تترسخ، ومناهجه تتضح منذ نصف قرن من الزمن، وأُقِرّ تدريسه في الجامعات. وهذه موسوعة علمية شاملة عمل عليها نخبة من كبار علماء القرآن وتفسيره في هذا العصر بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم - وفقه الله -، عكفوا على تدوينها بعد دراسة مستفيضة حول الخطوات المنهجية، مع مشاورة أهل العلم، فخرجت لنا موسوعة تربط بين أسماء السورة الواحدة، مع بيان فضائلها - إن وُجِدت -، ومكان نزولها، وعدد آياتها مع اختلاف القراء في ذلك، والمحور الذي يجمع موضوعات السورة، والمناسبات بين الآيات وابتدائها وانتهائها، في أسلوب علميٍّ غير مسبوقٍ. - الكتاب عبارة عن عشرة أجزاء مُصوَّرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/318743

    التحميل:

  • موسوعة أهل السنة في نقد أصول فرقة الأحباش

    موسوعة أهل السنة في نقد أصول فرقة الأحباش: في هذا الكتاب ردَّ الشيخ - حفظه الله - على كل شبهةٍ يتعلَّق بها أهل البدع عمومًا، والأحباش خصوصًا.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346917

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة