تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 105

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) (هود)

يَوْم يَأْتِ " لِأَنَّ الْيَاء تُحْذَف إِذَا كَانَ قَبْلهَا كَسْرَة ; تَقُول : لَا أَدْرِ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . قَالَ النَّحَّاس : قَرَأَهُ أَهْل الْمَدِينَة وَأَبُو عَمْرو وَالْكِسَائِيّ بِإِثْبَاتِ الْيَاء فِي الْإِدْرَاج ; وَحَذْفهَا فِي الْوَقْف , وَرُوِيَ أَنَّ أُبَيًّا وَابْن مَسْعُود قَرَآ " يَوْم يَأْتِي " بِالْيَاءِ فِي الْوَقْف وَالْوَصْل . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة " يَوْم يَأْتِ " بِغَيْرِ يَاء فِي الْوَقْف وَالْوَصْل , قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : الْوَجْه فِي هَذَا أَلَّا يُوقَف عَلَيْهِ , وَأَنْ يُوصَل بِالْيَاءِ ; لِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا : لَا تُحْذَف الْيَاء , وَلَا يُجْزَم الشَّيْء بِغَيْرِ جَازِم ; فَأَمَّا الْوَقْف بِغَيْرِ يَاء فَفِيهِ قَوْل لِلْكِسَائِيِّ ; قَالَ : لِأَنَّ الْفِعْل السَّالِم يُوقَف عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ , فَحَذَفَ الْيَاء , كَمَا تُحْذَف الضَّمَّة . وَأَمَّا قِرَاءَة حَمْزَة فَقَدْ اِحْتَجَّ أَبُو عُبَيْد لِحَذْفِ الْيَاء فِي الْوَصْل وَالْوَقْف بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَام الَّذِي يُقَال لَهُ إِنَّهُ مُصْحَف عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِغَيْرِ يَاء . وَالْحُجَّة الْأُخْرَى : أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَة هُذَيْل ; تَقُول : مَا أَدْرِ ; قَالَ النَّحَّاس : أَمَّا حُجَّته بِمُصْحَفِ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَشَيْء يَرُدّهُ عَلَيْهِ أَكْثَر الْعُلَمَاء ; قَالَ مَالِك بْن أَنَس رَحِمَهُ اللَّه : سَأَلْت عَنْ مُصْحَف عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ ; وَأَمَّا حُجَّته بِقَوْلِهِمْ : " مَا أَدْرِ " فَلَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَذْف قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاء , وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ , وَأَنَّهُ لَا يُقَاس عَلَيْهِ . وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء فِي حَذْف الْيَاء . كَفَّاك كَفّ مَا تُلِيق دِرْهَمًا جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا أَيْ تُعْطِي . وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيل أَنَّ الْعَرَب تَقُول : لَا أَدْرِ , فَتَحْذِف الْيَاء وَتَجْتَزِئ بِالْكَسْرَةِ , إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال . قَالَ الزَّجَّاج : وَالْأَجْوَد فِي النَّحْو إِثْبَات الْيَاء ; قَالَ : وَاَلَّذِي أَرَاهُ اِتِّبَاع الْمُصْحَف وَإِجْمَاع الْقُرَّاء ; لِأَنَّ الْقِرَاءَة سُنَّة ; وَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي كَلَام الْعَرَب .



الْأَصْل تَتَكَلَّم ; حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا . وَفِيهِ إِضْمَار ; أَيْ لَا تَتَكَلَّم فِيهِ نَفْس إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْن الْكَلَام ; لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْك الْقَبِيح . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَكَلَّم بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَة إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِف وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنْ الْكَلَام إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَهَذِهِ الْآيَة أَكْثَر مَا يَسْأَل عَنْهَا أَهْل الْإِلْحَاد فِي الدِّين فَيَقُول لِمَ قَالَ : " لَا تَكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ " و " هَذَا يَوْم لَا يَنْطِقُونَ . وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " [ الْمُرْسَلَات : 36 ] . وَقَالَ فِي مَوْضِع مِنْ ذِكْر الْقِيَامَة : " وَأَقْبَلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ " [ الصَّافَّات : 27 ] . وَقَالَ : " يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس تُجَادِل عَنْ نَفْسهَا " [ النَّحْل : 111 ] . وَقَالَ : " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ " [ الصَّافَّات : 24 ] . وَقَالَ : " فَيَوْمئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبه إِنْس وَلَا جَانّ " [ الرَّحْمَن : 39 ] . وَالْجَوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ , وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِب لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ , وَلَوْم بَعْضهمْ بَعْضًا , وَطَرْح بَعْضهمْ الذُّنُوب عَلَى بَعْض ; فَأَمَّا التَّكَلُّم وَالنُّطْق بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا ; وَهَذَا كَمَا تَقُول لِلَّذِي يُخَاطِبك كَثِيرًا , وَخِطَابه فَارِغ عَنْ الْحُجَّة : مَا تَكَلَّمْت بِشَيْءٍ , وَمَا نَطَقْت بِشَيْءٍ , فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّم بِلَا حُجَّة فِيهِ لَهُ غَيْر مُتَكَلِّم . وَقَالَ : قَوْم : ذَلِكَ الْيَوْم طَوِيل , وَلَهُ مَوَاطِن وَمَوَاقِف فِي بَعْضهَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْكَلَام , وَفِي بَعْضهَا يُطْلَق لَهُمْ الْكَلَام ; فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّم نَفْس إِلَّا بِإِذْنِهِ .


أَيْ مِنْ الْأَنْفُس , أَوْ مِنْ النَّاس ; وَقَدْ ذَكَرَهُمْ فِي قَوْله : " يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس " . وَالشَّقِيّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَة . وَالسَّعِيد الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَة ; قَالَ لَبِيد : فَمِنْهُمْ سَعِيد آخِذ بِنَصِيبِهِ وَمِنْهُمْ شَقِيّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِع وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد " سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْت : يَا نَبِيّ اللَّه فَعَلَامَ نَعْمَل ؟ عَلَى شَيْء قَدْ فُرِغَ مِنْهُ , أَوْ عَلَى شَيْء لَمْ يُفْرَغ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : ( بَلْ عَلَى شَيْء قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَام يَا عُمَر وَلَكِنْ كُلّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ ) . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْأَعْرَاف " .

تاريخ الحفظ: 21/5/2026 2:03:28
المصدر: https://wahaqouran.com/t-11-4-105.html