Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة العلق - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) (العلق) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ " يَعْنِي الْخَطّ وَالْكِتَابَة ; أَيْ عَلَّمَ الْإِنْسَان الْخَطّ بِالْقَلَمِ . وَرَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : الْقَلَم نِعْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى عَظِيمَة , لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِين , وَلَمْ يَصْلُح عَيْش . فَدَلَّ عَلَى كَمَال كَرَمه سُبْحَانه , بِأَنَّهُ عَلَّمَ عِبَاده مَا لَمْ يَعْلَمُوا , وَنَقَلَهُمْ مِنْ ظُلْمَة الْجَهْل إِلَى نُور الْعِلْم , وَنَبَّهَ عَلَى فَضْل عِلْم الْكِتَابَة , لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنَافِع الْعَظِيمَة , الَّتِي لَا يُحِيط بِهَا إِلَّا هُوَ . وَمَا دُوِّنَتْ الْعُلُوم , وَلَا قُيِّدَتْ الْحِكَم , وَلَا ضُبِطَتْ أَخْبَار الْأَوَّلِينَ وَمَقَالَاتهمْ , وَلَا كَتَبَ اللَّه الْمَنْزِلَة إِلَّا بِالْكِتَابَةِ ; وَلَوْلَا هِيَ مَا اِسْتَقَامَتْ أُمُور الدِّين وَالدُّنْيَا . وَسُمِّيَ قَلَمًا لِأَنَّهُ يُقْلَم ; أَيْ يُقْطَع , وَمِنْهُ تَقْلِيم الظُّفْرِ . وَقَالَ بَعْض الشُّعَرَاء الْمُحْدَثِينَ يَصِف الْقَلَم : فَكَأَنَّهُ وَالْحِبْر يَخْضِب رَأْسه شَيْخ لِوَصْلِ خَرِيدَة يَتَصَنَّع لِمَ لَا أُلَاحِظهُ بِعَيْن جَلَالَة وَبِهِ إِلَى اللَّه الصَّحَائِف تُرْفَع وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَأَكْتُبُ مَا أَسْمَع مِنْك مِنْ الْحَدِيث ؟ قَالَ : [ نَعَمْ فَاكْتُبْ , فَإِنَّ اللَّه عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ] . وَرَوَى مُجَاهِد عَنْ أَبِي عُمَر قَالَ : خَلَقَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعَة أَشْيَاء بِيَدِهِ , ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْحَيَوَان : كُنْ فَكَانَ : الْقَلَم , وَالْعَرْش , وَجَنَّة عَدْن , وَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَفِيمَنْ عَلَّمَهُ بِالْقَلَمِ ثَلَاثَة أَقَاوِيل : أَحَدهَا : أَنَّهُ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام ; لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ كَتَبَ , قَالَهُ كَعْب الْأَحْبَار . الثَّانِي : أَنَّهُ إِدْرِيس , وَهُوَ أَوَّل مَنْ كَتَبَ . قَالَهُ الضَّحَّاك . الثَّالِث : أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلّ مَنْ كَتَبَ بِالْقَلَمِ ; لِأَنَّهُ مَا عُلِّمَ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّه سُبْحَانه , وَجَمَعَ بِذَلِكَ نِعْمَته عَلَيْهِ فِي خَلْقه , وَبَيَّنَ نِعْمَته عَلَيْهِ فِي تَعْلِيمه ; اِسْتِكْمَالًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِ .

الثَّانِيَة : صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : ( لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْخَلْق كَتَبَ فِي كِتَابه - فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش : إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِب غَضَبِي ) . وَثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه : الْقَلَم , فَقَالَ لَهُ اُكْتُبْ , فَكَتَبَ مَا يَكُون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , فَهُوَ عِنْده فِي الذِّكْر فَوْق عَرْشه ) . وَفِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة , بَعَثَ اللَّه إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا , وَخَلَقَ سَمْعهَا وَبَصَرهَا وَجِلْدهَا وَلَحْمهَا وَعَظْمهَا , ثُمَّ يَقُول , يَا رَبّ , أَذَكَر أَمْ أُنْثَى ؟ فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك ثُمَّ يَقُول : يَا رَبّ أَجَله , فَيَقُول رَبّك مَا شَاءَ , وَيَكْتُب الْمَلَك , ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ رِزْقه , فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ , وَيَكْتُب الْمَلَك , ثُمَّ يَخْرُج الْمَلَك بِالصَّحِيفَةِ فِي يَده , فَلَا يَزِيد عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُص , وَقَالَ تَعَالَى : " إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ " ( الِانْفِطَار : 10 ) .

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَالْأَقْلَام فِي الْأَصْل ثَلَاثَة : الْقَلَم الْأَوَّل : الَّذِي خَلَقَهُ اللَّه بِيَدِهِ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُب . وَالْقَلَم الثَّانِي : أَقْلَام الْمَلَائِكَة , جَعَلَهَا اللَّه بِأَيْدِيهِمْ يَكْتُبُونَ بِهَا الْمَقَادِير وَالْكَوَائِن وَالْأَعْمَال . وَالْقَلَم الثَّالِث : أَقْلَام النَّاس , جَعَلَهَا اللَّه بِأَيْدِيهِمْ , يَكْتُبُونَ بِهَا كَلَامهمْ , وَيَصِلُونَ بِهَا مَآرِبهمْ . وَفِي الْكِتَابَة فَضَائِل جَمَّة . وَالْكِتَابَة مِنْ جُمْلَة الْبَيَان , وَالْبَيَان مِمَّا اِخْتَصَّ بِهِ الْآدَمِيّ .

الثَّالِثَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَتْ الْعَرَب أَقَلّ الْخَلْق مَعْرِفَة بِالْكِتَابِ , وَأَقَلّ الْعَرَب مَعْرِفَة بِهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; صُرِفَ عَنْ عِلْمه ; لِيَكُونَ ذَلِكَ أَثْبَت لِمُعْجِزَتِهِ , وَأَقْوَى فِي حُجَّته , وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي سُورَة " الْعَنْكَبُوت " . وَرَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ الزُّبَيْر بْن عَبْد السَّلَام , عَنْ أَيُّوب بْن عَبْد اللَّه الْفِهْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ لَا تُسْكِنُوا نِسَاءَكُمْ الْغُرَف , وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة ] . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنَّمَا حَذَّرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي إِسْكَانهنَّ الْغُرَف تَطَلُّعًا إِلَى الرَّجُل ; وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَحْصِين لَهُنَّ وَلَا تَسَتُّر . وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ لَا يَمْلِكْنَ أَنْفُسهنَّ حَتَّى يُشْرِفْنَ عَلَى الرَّجُل ; فَتَحْدُث الْفِتْنَة وَالْبَلَاء ; فَحَذَّرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُنَّ غُرَفًا ذَرِيعَة إِلَى الْفِتْنَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ خَيْر لَهُنَّ مِنْ أَلَّا يَرَاهُنَّ الرِّجَال , وَلَا يَرَيْنَ الرِّجَال ] . وَذَلِكَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الرَّجُل , فَنَهْمَتهَا فِي الرَّجُل , وَالرَّجُل خُلِقَتْ فِيهِ الشَّهْوَة , وَجُعِلَتْ سَكَنًا لَهُ , فَغَيْر مَأْمُون كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحِبه . وَكَذَلِكَ تَعْلِيم الْكِتَابَة رُبَّمَا كَانَتْ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ , وَذَلِكَ إِذَا عُلِّمَتْ الْكِتَابَة كَتَبَتْ إِلَى مَنْ تَهْوَى . وَالْكِتَابَة عَيْن مِنْ الْعُيُون , بِهَا يُبْصِر الشَّاهِد الْغَائِب , وَالْخَطّ هُوَ آثَار يَده . وَفِي ذَلِكَ تَعْبِير عَنْ الضَّمِير بِمَا لَا يَنْطَلِق بِهِ اللِّسَان , فَهُوَ أَبْلَغ مِنْ اللِّسَان . فَأَحَبَّ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْقَطِع عَنْهُنَّ أَسْبَاب الْفِتْنَة ; تَحْصِينًا لَهُنَّ , وَطَهَارَة لِقُلُوبِهِنَّ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الرد العلمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب

    رد علمي على كتاب تذكير الأصحاب بتحريم النقاب. قدم للكتاب: معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/244335

    التحميل:

  • أحكام المسلم الجديد

    هذا الكتاب في بيان أحكام المسلم الجديد، وقد ألفه المؤلف على طريقة السؤال والجواب، وجمع 133 سؤالا ً في ذلك، منوعة لكثير من المسائل والأحكام، ومجيبا ً عليها بالتفصيل والإلمام.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291717

    التحميل:

  • الرزق أبوابه ومفاتحه

    الرزق أبوابه ومفاتحه: فإن الله - عز وجل - قسَّم الأرزاق بعلمه، فأعطى من شاء بحكمته، ومنع من شاء بعدله، وجعل بعض الناس لبعضٍ سخريًّا. ولأن المال أمره عظيم، والسؤال عنه شديد؛ جاءت هذه الرسالة مُبيِّنة أبواب الرزق ومفاتحه، وأهمية اكتساب الرزق الحلال وتجنُّب المال الحرام، والصبر على ضيق الرزق، وغير ذلك من الموضوعات النافعة في هذه الرسالة.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229614

    التحميل:

  • اليسير في اختصار تفسير ابن كثير

    اليسير في اختصار تفسير ابن كثير: نسخة مصورة pdf من إصدار دار الهداة، وقد اختصره ثلاثة من مدرسي دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة، وهم: 1- الأستاذ صلاح بن محمد عرفات. 2- الأستاذ محمد بن عبدالله الشنقيطي. 3- الأستاذ خالد بن فوزي عبدالحميد. وتم هذا العمل العلمي بإشراف فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام، ورئيس مجلس القضاء الأعلى. - وقد سارت اللجنة على المنهج التالي: أولاً: حذف الأسانيد التي ذكرها المؤلف في الكتاب. ثانياً: حذف الأحاديث الضعيفة التي نص الشيخ على تضعيفها، أو نص أئمة العلم على ذلك، وحذف المكرر من الأحاديث الصحيحة والحسنة. ثالثاً : نص الكتاب كله من كلام ابن كثير وإذا احتيج إلى إثبات عبارات من عندنا للربط فتوضع بين قوسين [] تمييزاً لها عن نص الكتاب. رابعاً : الظاهر أن ابن كثير - رحمه الله - كان يعتمد قراءة غير قراءة حفص، ويغلب على الظن أنها قراءة أبي عمرو فإنه كثيراً ما يفسر عليها ثم يذكر القراءة الأخرى، وهذا الأمر لم يتنبه له بعض من اختصر الكتاب فاختصر القراءة الثانية، وأثبت الأولى، مع أنه أثبت الآيات على القراءة التي حذفها وهي قراءة حفص، وقد تنبهنا إلى هذا وراعيناه. خامساً: لم نحذف الأقوال الفقهية التي أوردها الشيخ، إلا أننا ربما حذفنا الأقوال الضعيفة وأثبتنا الراجح بدليله، وننبه القارئ إلى أن مراد المصنف بالأصحاب: الشافعية. سادساً : ربما وقعت أوهام في النسخ التي بين أيدينا في عزو أو تخريج، فإننا نصحح مثل هذا ونضعه بين قوسين وهو قليل. سابعاً: كثيراً ما يستدل المؤلف على التفسير باللغة ويورد أبياتاً من الشعر، فأبقينا بعضها وحذفنا أكثرها مع الإبقاء على المعنى اللغوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340943

    التحميل:

  • مسائل الجاهلية

    مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية : رسالة صغيرة الحجم كثيرة الفوائد تشتمل على نحو مئة مسألة من المسائل التي خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين، وهي أمور ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان ولا أخذت عن نبي من النبيين ألفها الإمام محي السنة ومجدد الشريعة النبوية أبو عبدالله محمد بن عبدالوهاب النجدي - تغمده الله تعالى برحمته -، وقد رأى العلامة محمود شكري الآلوسي أنها في غاية الإيجاز، بل تكاد تعد من قبيل الألغاز، حيث قد عبر عن كثير منها بعبارة مجملة، وأتى فيها بدلائل ليست بمشروحة ولا مفصلة، حتى إن من ينظرها ليظن أنها فهرس كتاب، قد عدت فيه المسائل من غير فصول ولا أبواب، ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة الآخذة بيد المتمسك بها إلى منازل الرحمة، أحب أن يعلق عليها شرحاً يفصل مجملها ويكشف معضلها من غير إيجاز مخل ولا إطناب ممل، مقتصراً فيه أوضح الأقوال، ومبيناً ما أورده من برهان ودليل.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144964

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة