Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشرح - الآية 5

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) (الشرح) mp3
أَيْ إِنَّ مَعَ الضِّيقَة وَالشِّدَّة يُسْرًا , أَيْ سَعَةً وَغِنًى . ثُمَّ كَرَّرَ فَقَالَ : " إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا " , فَقَالَ قَوْم : هَذَا التَّكْرِير تَأْكِيد لِلْكَلَامِ كَمَا يُقَال : اِرْمِ اِرْمِ , اِعْجَلْ اِعْجَلْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ " [ التَّكَاثُر : 3 - 4 ] . وَنَظِيره فِي تَكْرَار الْجَوَاب : بَلَى بَلَى , لَا لَا . وَذَلِكَ لِلْإِطْنَابِ وَالْمُبَالَغَة قَالَهُ الْفَرَّاء . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : هَمَمْت بِنَفْسِيَ بَعْض الْهُمُوم فَأَوْلَى لِنَفْسِيَ أَوْلَى لَهَا وَقَالَ قَوْم : إِنَّ مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا ذَكَرُوا اِسْمًا مُعَرَّفًا ثُمَّ كَرَّرُوهُ , فَهُوَ هُوَ . وَإِذَا نَكَّرُوهُ ثُمَّ كَرَّرُوهُ فَهُوَ غَيْره . وَهُمَا اِثْنَانِ , لِيَكُونَ أَقْوَى لِلْأَمَلِ , وَأَبْعَثَ عَلَى الصَّبْر قَالَهُ ثَعْلَب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَقُول اللَّه تَعَالَى خَلَقْت عُسْرًا وَاحِدًا , وَخَلَقْت يُسْرَيْنِ , وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْر يُسْرَيْنِ . وَجَاءَ فِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ السُّورَة : أَنَّهُ قَالَ : [ لَنْ يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ] . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَوْ كَانَ الْعُسْر فِي حَجَرٍ , لَطَلَبَهُ الْيُسْر حَتَّى يَدْخُل عَلَيْهِ وَلَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ . وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب يَذْكُر لَهُ جُمُوعًا مِنْ الرُّوم , وَمَا يَتَخَوَّف مِنْهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَمَّا بَعْد , فَإِنَّهُمْ مَهْمَا يَنْزِل بِعَبْدِ مُؤْمِن مِنْ مَنْزِل شِدَّة , يَجْعَل اللَّه بَعْده فَرَجًا , وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ , وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " [ آل عِمْرَان : 200 ] . وَقَالَ قَوْم مِنْهُمْ الْجُرْجَانِيّ : هَذَا قَوْل مَدْخُول ; لِأَنَّهُ يَجِب عَلَى هَذَا التَّدْرِيج إِذَا قَالَ الرَّجُل : إِنَّ مَعَ الْفَارِس سَيْفًا , إِنَّ مَعَ الْفَارِس سَيْفًا , أَنْ يَكُون الْفَارِس وَاحِدًا وَالسَّيْف اِثْنَانِ . وَالصَّحِيح أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقِلًّا مُخِفًّا , فَعَيَّرَهُ الْمُشْرِكُونَ بِفَقْرِهِ , حَتَّى قَالُوا لَهُ : نَجْمَع لَك مَالًا فَاغْتَمَّ وَظَنَّ أَنَّهُمْ كَذَّبُوهُ لِفَقْرِهِ فَعَزَّاهُ اللَّه , وَعَدَّدَ نِعَمه عَلَيْهِ , وَوَعَدَهُ الْغِنَى بِقَوْلِهِ : " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا " أَيْ لَا يَحْزُنْك مَا عَيَّرُوك بِهِ مِنْ الْفَقْر فَإِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْر يُسْرًا عَاجِلًا أَيْ فِي الدُّنْيَا . فَأَنْجَزَ لَهُ مَا وَعَدَهُ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى فَتَحَ عَلَيْهِ الْحِجَاز وَالْيَمَن , وَوَسَّعَ ذَات يَده , حَتَّى كَانَ يُعْطِي الرَّجُل الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِل , وَيَهَب الْهِبَات السَّنِيَّة , وَيُعِدّ لِأَهْلِهِ قُوت سَنَة . فَهَذَا الْفَضْل كُلّه مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , فَقَدْ يَدْخُل فِيهِ بَعْض أُمَّته إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَضْلًا آخِرًا مِنْ الْآخِرَة وَفِيهِ تَأْسِيَةٌ وَتَعْزِيَةٌ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مُبْتَدِئًا : " إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا " فَهُوَ شَيْء آخَر . وَالدَّلِيل عَلَى اِبْتِدَائِهِ , تَعَرِّيه مِنْ فَاء أَوْ وَاو أَوْ غَيْرهَا مِنْ حُرُوف النَّسَق الَّتِي تَدُلّ عَلَى الْعَطْف . فَهَذَا وَعْد عَامّ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ , لَا يَخْرُج أَحَد مِنْهُ أَيْ إِنَّ مَعَ الْعُسْر فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ يُسْرًا فِي الْآخِرَة لَا مَحَالَة . وَرُبَّمَا اِجْتَمَعَ يُسْر الدُّنْيَا وَيُسْر الْآخِرَة . وَاَلَّذِي فِي الْخَبَر : [ لَنْ يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ] يَعْنِي الْعُسْر الْوَاحِد لَنْ يَغْلِبهُمَا , وَإِنَّمَا يَغْلِب أَحَدهمَا إِنْ غَلَبَ , وَهُوَ يُسْر الدُّنْيَا فَأَمَّا يُسْر الْآخِرَة فَكَائِن لَا مَحَالَة , وَلَنْ يَغْلِبَهُ شَيْء . أَوْ يُقَال : " إِنَّ مَعَ الْعُسْر " وَهُوَ إِخْرَاج أَهْل مَكَّة النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّة " يُسْرًا " , وَهُوَ دُخُوله يَوْم فَتْح مَكَّة مَعَ عَشْرَة آلَاف رَجُل , مَعَ عِزّ وَشَرَف .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإتقان في علوم القرآن

    الإتقان في علوم القرآن : كتاب يبحث في العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم مثل مواطن النزول وأوقاته ووقائعه، والقراءات وأسانيد رواية القرآن الكريم، والألفاظ القرآنية والتجويد، وأحكام القرآن كالعام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما يتعلق بالعلوم القرآنية. مع شرح هذه الأمور والتمثيل عليها وعد شروطه.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141385

    التحميل:

  • صحيح وضعيف تاريخ الطبري

    قال المحقق: فكان تقسيمنا لتاريخ الطبري كالآتي: أولاً: صحيح تأريخ الطبري (قصص الأنبياء وتاريخ ماقبل البعثة). ضعيف تأريخ الطبري (قصص الأنبياء وتاريخ ماقبل البعثة). ثانياً: صحيح السيرة النبوية (تاريخ الطبري). ضعيف السيرة النبوية (تاريخ الطبري). ثالثاً: صحيح تاريخ الطبري (تاريخ الخلافة الراشدة). ضعيف تاريخ الطبري (تاريخ الخلافة الراشدة). رابعاً: صحيح تاريخ الطبري (تتمة القران الهجري الأول). ضعيف تاريخ الطبري (تتمة القران الهجري الأول). خامساً: صحيح تاريخ الطبري (تتمة تاريخ الخلافة في عهد الأمويين). الضعيف والمسكوت عنه تاريخ الطبري (تتمة تاريخ الخلافة في عهد الأمويين). سادساً: تاريخ الطبري (الصحيح والضعيف والمسكوت عنه). تاريخ الخلافة في عهد العباسيين. سابعاً: رجال تاريخ الطبري جرحاً وتعديلاً.

    المدقق/المراجع: محمد بن طاهر البرزنجي - محمد صبحي حسن حلاق

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340658

    التحميل:

  • مناظرة بين الإسلام والنصرانية

    مناظرة بين الإسلام والنصرانية : هذا الكتاب عبارة عن نص مكتوب لمناظرة أجريت بين نخبة من علماء المسلمين بدعوة من بعض قساوسة نصارى ومبشرين في الفترة من 23/1/1401هـ إلى 29/1/1401هـ، الموافق 1/12/1980م إلى 7/12/1980م بالخرطوم، وقاموا من خلالها باستعراض تفصيلي لحقيقة العقيدة النصرانية المسطرة في كتبهم ومناقشتها على ضوء ما يقرون به من معتقدات التثليث والصلب والفداء والأبوة والبنوة وعن الكتب المقدسة بعهديها القديم والجديد وأماطوا اللثام عن هذا التعارض والتناقض الذي تحمله هذه الأناجيل.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/73737

    التحميل:

  • الحج المبرور

    الحج المبرور: رسالة موجزة فيها بيان لأعمال العمرة والحج، وخطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عرفة وما يستفاد منها، وآداب زيارة المسجد النبوي... وغير ذلك بأسلوب سهل ومختصر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1890

    التحميل:

  • إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأوقات الخالية

    إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأوقات الخالية: قال المؤلف - رحمه الله -: « فإني قد جمعت بعون الله وتوفيقه في كتابي هذا فوائد ومواعظ ونصائح وحِكًمًا وأحكامًا ووصايا وآدابًا وأخلاقًا فاضلة من كلام الله - جل جلاله وتقدَّسَتْ أسماؤه -، ومن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن كلام أئمة السلف، وصالح الخلف الذي امتثلوا في أفعالهم وأقوالهم ما قاله الله - جل جلاله -، وما قاله رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وجمعت مما قاله الحكماء والعلماء والعباد والزهاد أنواعًا جمة في فنون مختلفة وضروب متفرقة ومعاني مؤتلفة، بذلت في ذلك جُهدي حسب معْرفتي وقُدْرتي ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2695

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة