Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البلد - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4) (البلد) mp3
إِلَى هُنَا اِنْتَهَى الْقَسَم وَهَذَا جَوَابه . وَلِلَّهِ أَنْ يُقْسِم بِمَا يَشَاء مِنْ مَخْلُوقَاته لِتَعْظِيمِهَا , كَمَا تَقَدَّمَ . وَالْإِنْسَان هُنَا اِبْن آدَم . " فِي كَبَد " أَيْ فِي شِدَّة وَعَنَاء مِنْ مُكَابَدَة الدُّنْيَا . وَأَصْل الْكَبَد الشِّدَّة . وَمِنْهُ تَكَبَّدَ اللَّبَن : غَلُظَ وَخَثَرَ وَاشْتَدَّ . وَمِنْهُ الْكَبِد ; لِأَنَّهُ دَم تَغَلَّظَ وَاشْتَدَّ . وَيُقَال : كَابَدْت هَذَا الْأَمْر : قَاسَيْت شِدَّته : قَالَ لَبِيد : يَا عَيْن هَلَّا بَكَيْت أَرْبَدَ إِذْ قُمْنَا وَقَامَ الْخُصُومُ فِي كَبَد قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن : " فِي كَبَد " أَيْ فِي شِدَّة وَنَصَب . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : فِي شِدَّة مِنْ حَمَلَهُ وَوِلَادَته وَرَضَاعه وَنَبْت أَسْنَانه , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْوَاله . وَرَوَى عِكْرِمَة عَنْهُ قَالَ : مُنْتَصِبًا فِي بَطْن أُمّه . وَالْكَبَد : الِاسْتِوَاء وَالِاسْتِقَامَة . فَهَذَا اِمْتِنَان عَلَيْهِ فِي الْخِلْقَة . وَلَمْ يَخْلُق اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ دَابَّة فِي بَطْن أُمّهَا إِلَّا مُنْكَبَّةً عَلَى وَجْهِهَا إِلَّا اِبْن آدَم , فَإِنَّهُ مُنْتَصِبٌ اِنْتِصَابًا وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيّ وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . اِبْن كَيْسَان : مُنْتَصِبًا رَأْسه فِي بَطْن أُمّه فَإِذَا أَذِنَ اللَّه أَنْ يَخْرُج مِنْ بَطْن أُمّه قَلَبَ رَأْسَهُ إِلَى رِجْلَيْ أُمّه . وَقَالَ الْحَسَن : يُكَابِد مَصَائِب الدُّنْيَا وَشَدَائِد الْآخِرَة . وَعَنْهُ أَيْضًا : يُكَابِد الشُّكْر عَلَى السَّرَّاء وَيُكَابِد الصَّبْر عَلَى الضَّرَّاء ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدهمَا . وَرَوَاهُ اِبْن عُمَر . وَقَالَ يَمَان : لَمْ يَخْلُق اللَّه خَلْقًا يُكَابِد مَا يُكَابِد اِبْن آدَم وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَضْعَف الْخَلْق . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَوَّل مَا يُكَابِد قَطْع سُرَّتِهِ , ثُمَّ إِذَا قُمِطَ قِمَاطًا , وَشَدَّ رِبَاطًا , يُكَابِد الضِّيق وَالتَّعَب , ثُمَّ يُكَابِد الِارْتِضَاع , وَلَوْ فَاتَهُ لَضَاعَ , ثُمَّ يُكَابِد نَبْت أَسْنَانِهِ , وَتَحَرُّك لِسَانه , ثُمَّ يُكَابِد الْفِطَام , الَّذِي هُوَ أَشَدّ مِنْ اللِّطَام , ثُمَّ يُكَابِد الْخِتَان , وَالْأَوْجَاع وَالْأَحْزَان , ثُمَّ يُكَابِد الْمُعَلِّمَ وَصَوْلَتَهُ , وَالْمُؤَدِّبَ وَسِيَاسَتَهُ , وَالْأُسْتَاذَ وَهَيْبَتَهُ , ثُمَّ يُكَابِدُ شُغْل التَّزْوِيج وَالتَّعْجِيل فِيهِ , ثُمَّ يُكَابِد شُغْل الْأَوْلَاد , وَالْخَدَم وَالْأَجْنَاد , ثُمَّ يُكَابِد شُغْل الدُّور , وَبِنَاء الْقُصُور , ثُمَّ الْكِبَر وَالْهَرَم , وَضَعْف الرُّكْبَة وَالْقَدَم , فِي مَصَائِبَ يَكْثُر تَعْدَادهَا , وَنَوَائِبَ يَطُولُ إِيرَادهَا , مِنْ صُدَاع الرَّأْس , وَوَجَع الْأَضْرَاس , وَرَمَد الْعَيْن , وَغَمّ الدَّيْن , وَوَجَع السِّنّ , وَأَلَم الْأُذُن . وَيُكَابِد مِحَنًا فِي الْمَال وَالنَّفْس , مِثْل الضَّرْب وَالْحَبْس , وَلَا يَمْضِي عَلَيْهِ يَوْم إِلَّا يُقَاسِي فِيهِ شِدَّة , وَلَا يُكَابِد إِلَّا مَشَقَّة , ثُمَّ الْمَوْت بَعْد ذَلِكَ كُلّه , ثُمَّ مُسَاءَلَة الْمَلَك , وَضَغْطَة الْقَبْر وَظُلْمَته ثُمَّ الْبَعْث وَالْعَرْض عَلَى اللَّه , إِلَى أَنْ يَسْتَقِرَّ بِهِ الْقَرَار , إِمَّا فِي الْجَنَّة وَإِمَّا فِي النَّار قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي كَبَد " , فَلَوْ كَانَ الْأَمْر إِلَيْهِ لَمَّا اِخْتَارَ هَذِهِ الشَّدَائِد . وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا دَبَّرَهُ , وَقَضَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَحْوَال فَلْيَمْتَثِلْ أَمْره . وَقَالَ اِبْن زَيْد : الْإِنْسَان هُنَا آدَم . وَقَوْله : " فِي كَبَد " أَيْ فِي وَسَط السَّمَاء . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي رَجُل مِنْ بَنِي جُمَح كَانَ يُقَال لَهُ أَبُو الْأَشَدَّيْنِ , وَكَانَ يَأْخُذ الْأَدِيم الْعُكَاظِيّ فَيَجْعَلهُ تَحْت قَدَمَيْهِ , فَيَقُول : مَنْ أَزَالَنِي عَنْهُ فَلَهُ كَذَا . فَيَجْذِبُهُ عَشْرَة حَتَّى يَتَمَزَّق وَلَا تَزُول قَدَمَاهُ وَكَانَ مِنْ أَعْدَاء النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ نَزَلَ " أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِر عَلَيْهِ أَحَد " [ الْبَلَد : 5 ] يَعْنِي : لِقُوَّتِهِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . " فِي كَبَد " أَيْ شَدِيدًا , يَعْنِي شَدِيد الْخَلْق وَكَانَ مِنْ أَشَدّ رِجَال قُرَيْش . وَكَذَلِكَ رُكَانَة اِبْن هِشَام بْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَكَانَ مَثَلًا فِي الْبَأْس وَالشِّدَّة . وَقِيلَ : " فِي كَبَد " أَيْ جَرِيء الْقَلْب , غَلِيظ الْكَبِد , مَعَ ضَعْف خِلْقَته , وَمُهَانَة مَادَّته . اِبْن عَطَاء : فِي ظُلْمَة وَجَهْل . التِّرْمِذِيّ : مُضَيِّعًا مَا يَعْنِيه , مُشْتَغِلًا بِمَا لَا يَعْنِيه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية

    جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية : كتيب في 77 صفحة متوسطة الحجم طبع عام 1419هـ سبب التأليف أن المؤلف لم ير من أفرد الكتابة عن هذا الجبل مع ما للكتابة عنه من أهمية لما علق به في قلوب العامة من البدع والضلالات فلابد من دلالتهم على الهدى وقد وضعه المؤلف في خمسة أبحاث هي: الأول: بيان صفة الجبل وتعيين موقعه وذرعه والمعالم الباقية لما أحدث فيه. الثاني: أسمائه. الثالث: أنه لا ذكر له في الرواية بعد التتبع ولا يتعلق به نسك. الرابع: تعيين موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات وحكمه للحجاج. الخامس: أنواع ما أُحدث في الجبل والموقف من الأبنية والأقوال والأفعال وتاريخها. ثم خاتمة فيها خلاصة ما تقدم من أنه ليس له اسم إلا جبل إلال بالكسر على وزن هلال وبالفتح على وزن سَحاب. وجبل عرفات وما سواها محدث وأقدم نص وقف عليه المؤلف في تسميته بجبل الرحمة هو في رحلة ناصر خسرو ت 444هـ المسماة (سفر نامه) وأنه لا ذكر له في الرواية ولا يتعلق به نسك وما ذكر بعض العلماء من استحباب صعوده لا يعول عليه وأنه يجب رفع وسائل الإغراء بالجبل من المحدثات وهي أربعة عشر محدثاً من الأبنية. واثنان وثلاثون محدثاً من الأقوال والأفعال المبتدعة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169191

    التحميل:

  • حقيقة الصيام

    رسالة (حقيقة الصيام) لشيخ الإسلام ابن تيمية تجد فيها كثيراً من مسائله واختياراته، في معرفة أحكام الصيام -الركن الإسلامي العظيم- من الكتاب الكريم والسنة المطهرة. خرج أحاديثها: محمد ناصر الدين الألباني، وحققها: زهير الشاويش.

    المدقق/المراجع: محمد ناصر الدين الألباني

    الناشر: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273066

    التحميل:

  • مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف في مقدة كتابه: «فهذه رسالة مختصرة في «مفهوم الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى»، بيَّنتُ فيها مفهوم الحكمة وضوابطها، وأنواعها، وأركانها، ودرجاتها، وطرق اكتسابها، وقد قسمت البحث إلى تمهيد وأربعة مباحث وتحت كل مبحث مطالب، على النحو الآتي: التمهيد: أهمية الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى. المبحث الأول: مفهوم الحكمة: لغةً وشرعًا. المبحث الثاني: أنواع الحكمة. المبحث الثالث: أركان الحكمة. المبحث الرابع: طرق اكتساب الحكمة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337986

    التحميل:

  • جهود المملكة العربية السعودية في رعاية تحفيظ القرآن الكريم لأبناء المسلمين في الخارج

    كتيب يبين جهود المملكة العربية السعودية في رعاية تحفيظ القرآن الكريم لأبناء المسلمين في الخارج.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110920

    التحميل:

  • النافلة في الأحاديث الموضوعة والباطلة

    النافلة في الأحاديث الموضوعة والباطلة: قال المؤلف: «هو عبارة عن أحاديث مختلفات في معناها ومرامها، كنت أُسأل عنها، فأضطر إلى تحقيق القول فيها، فإن كان صحيحًا أو ضعيفًا احتفظت به في (مضبطة) عندي. ثم راودتني نفسي أن أجمع الضعيف وحده. فصرت كلما حققت حديثًا ألحقته بما سبق لي تحقيقه، وجعلت ألحق ما أجده من زيادات مناسبة، فأضعها في موضعها حتى تجمع لديَّ - وقتها - أكثر من خمسمائة حديث، كنت أتوخى أن لا يكون قد سبقني إليها شيخنا، حافظ الوقت ناصر الدين الألباني في كتابه (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2096

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة