Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة البلد - الآية 11

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) (البلد) mp3
أَيْ فَهَلَّا أَنْفَقَ مَاله الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِي عَدَاوَة مُحَمَّد , هَلَّا أَنْفَقَهُ لِاقْتِحَامِ الْعَقَبَة فَيَأْمَن وَالِاقْتِحَام : الرَّمْي بِالنَّفْسِ فِي شَيْء مِنْ غَيْر رَوِيَّة يُقَال مِنْهُ : قَحَمَ فِي الْأَمْر قُحُومًا : أَيْ رَمَى بِنَفْسِهِ فِيهِ مِنْ غَيْر رَوِيَّة . وَقَحَمَ الْفَرَس فَارِسَهُ . تَقْحِيمًا عَلَى وَجْهِهِ : إِذَا رَمَاهُ . وَتَقْحِيم النَّفْس فِي الشَّيْء : إِدْخَالُهَا فِيهِ مِنْ غَيْر رَوِيَّة . وَالْقُحْمَة بِالضَّمِّ الْمُهْلِكَة , وَالسَّنَة الشَّدِيدَة . يُقَال : أَصَابَتْ الْأَعْرَاب الْقُحْمَة : إِذَا أَصَابَهُمْ قَحْط , فَدَخَلُوا الرِّيف . وَالْقُحَم : صِعَاب الطَّرِيق . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالزَّجَّاج : وَذُكِرَ " لَا " مَرَّة وَاحِدَة , وَالْعَرَب لَا تَكَاد تُفْرِد " لَا " مَعَ الْفِعْل الْمَاضِي فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع , حَتَّى يُعِيدُوهَا فِي كَلَام آخَر كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَا صَدَقَ وَلَا صَلَّى " [ الْقِيَامَة : 31 ] " وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " . وَإِنَّمَا أَفْرَدُوهَا لِدَلَالَةِ آخِر الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ فَيَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله : " ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا " [ الْبَلَد : 17 ] قَائِمًا مَقَام التَّكْرِير كَأَنَّهُ قَالَ : فَلَا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَة وَلَا آمَنَ . وَقِيلَ : هُوَ جَارٍ مَجْرَى الدُّعَاء كَقَوْلِهِ : لَا نَجَا وَلَا سَلِمَ . وَقَالَ : مَعْنَى " فَلَا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَة " أَيْ فَلَمْ يَقْتَحِم الْعَقَبَة , كَقَوْلِ زُهَيْر : وَكَانَ طَوَى كَشْحًا عَلَى مُسْتَكِنَّةٍ فَلَا هُوَ أَبَدَاهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمِ أَيْ فَلَمْ يُبِدْهَا وَلَمْ يَتَقَدَّم . وَكَذَا قَالَ الْمُبَرِّد وَأَبُو عَلِيّ : " لَا " : بِمَعْنَى لَمْ . وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُجَاهِد . أَيْ فَلَمْ يَقْتَحِمْ الْعَقَبَة فِي الدُّنْيَا , فَلَا يَحْتَاج إِلَى التَّكْرِير . ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَة وَرُكُوبهَا فَقَالَ " فَكّ رَقَبَة " وَكَذَا وَكَذَا فَبَيَّنَ وُجُوهًا مِنْ الْقُرَب الْمَالِيَّة . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَجَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : مَعْنَى الْكَلَام الِاسْتِفْهَام الَّذِي مَعْنَاهُ الْإِنْكَار تَقْدِيره : أَفَلَا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَة أَوْ هَلَّا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَة . يَقُول : هَلَّا أَنْفَقَ مَاله فِي فَكّ الرِّقَاب , وَإِطْعَام السَّغْبَان , لِيُجَاوِز بِهِ الْعَقَبَة , فَيَكُون خَيْرًا لَهُ مِنْ إِنْفَاقه فِي عَدَاوَة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قِيلَ : اِقْتِحَام الْعَقَبَة هَاهُنَا ضَرْب مَثَلٍ , أَيْ هَلْ تَحَمَّلَ عِظَامَ الْأُمُور فِي إِنْفَاق مَاله فِي طَاعَة رَبّه , وَالْإِيمَان بِهِ . وَهَذَا إِنَّمَا يَلِيق بِقَوْلِ مَنْ حَمَلَ " فَلَا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَة " عَلَى الدُّعَاء أَيْ فَلَا نَجَا وَلَا سَلِمَ مَنْ لَمْ يُنْفِق مَاله فِي كَذَا وَكَذَا . وَقِيلَ : شَبَّهَ عِظَم الذُّنُوب وَثِقَلهَا وَشِدَّتهَا بِعَقَبَةٍ , فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَة وَعَمِلَ صَالِحًا , كَانَ مَثَله كَمِثْلِ مَنْ اِقْتَحَمَ الْعَقَبَة , وَهِيَ الذُّنُوب الَّتِي تَضُرّهُ وَتُؤْذِيهِ وَتُثْقِلُهُ . قَالَ اِبْن عُمَر : هَذِهِ الْعَقَبَة جَبَل فِي جَهَنَّم . وَعَنْ أَبِي رَجَاء قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ الْعَقَبَة مِصْعَدهَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَمَهْبِطهَا سَبْعَة آلَاف سَنَة . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة : هِيَ عَقَبَة شَدِيدَة فِي النَّار دُون الْجِسْر , فَاقْتَحِمُوهَا بِطَاعَةِ اللَّه . وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَالْكَلْبِيّ : هِيَ الصِّرَاط يُضْرَب عَلَى جَهَنَّم كَحَدِّ السَّيْف , مَسِيرَة ثَلَاثَة آلَاف سَنَة , سَهْلًا وَصُعُودًا وَهُبُوطًا . وَاقْتِحَامُهُ عَلَى الْمُؤْمِن كَمَا بَيْنَ صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْعِشَاء . وَقِيلَ : اِقْتِحَامه عَلَيْهِ قَدْر مَا يُصَلِّي صَلَاة الْمَكْتُوبَة . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ وَرَاءَنَا عَقَبَةً , أَنْجَى النَّاس مِنْهَا أَخَفُّهُمْ حِمْلًا . وَقِيلَ : النَّار نَفْسهَا هِيَ الْعَقَبَة . فَرَوَى أَبُو رَجَاء عَنْ الْحَسَن قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ مَا مِنْ مُسْلِم يُعْتِق رَقَبَة إِلَّا كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنْ النَّار . وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِكُلِّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : [ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه بِكُلِّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنْ النَّار , حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ ] . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : [ أَيُّمَا اِمْرِئٍ مُسْلِم أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِمًا , كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّار , يُجْزِي كُلّ عُضْو مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ , وَأَيّمَا اِمْرَأَة مُسْلِمَة أَعْتَقَتْ اِمْرَأَة مُسْلِمَة , كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّار , يُجْزِي كُلّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا ] . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب . وَقِيلَ : الْعَقَبَة خَلَاصه مِنْ هَوْل الْعَرْض . وَقَالَ قَتَادَة وَكَعْب : هِيَ نَار دُون الْجِسْر . وَقَالَ الْحَسَن : هِيَ وَاَللَّه عَقَبَة شَدِيدَة : مُجَاهَدَة الْإِنْسَان نَفْسه وَهَوَاهُ وَعَدُوّهُ الشَّيْطَان . وَأَنْشَدَ بَعْضهمْ : إِنِّي بُلِيت بِأَرْبَعٍ يَرْمِينَنِي بِالنَّبْلِ قَدْ نَصَبُوا عَلَيَّ شِرَاكَا إِبْلِيس وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى مِنْ أَيْنَ أَرْجُو بَيْنَهُنَّ فِكَاكَا يَا رَبّ سَاعِدْنِي بِعَفْوٍ إِنَّنِي أَصْبَحْت لَا أَرْجُو لَهُنَّ سِوَاكَا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نور الإسلام وظلمات الكفر في ضوء الكتاب والسنة

    نور الإسلام وظلمات الكفر في ضوء الكتاب والسنة: رسالة في بيان مفهوم الإسلام ومراتبه وثمراته ومحاسنه ونواقضه، وبيان معنى الكفر ومفهومه وأنواعه، وخطورة التكفير وأصول المكفرات، وآثار الكفر وأضراره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1944

    التحميل:

  • مسؤولية الدول الإسلامية عن الدعوة ونموذج المملكة العربية السعودية

    قال المؤلف - حفظه الله -: لقد رغب إليَّ المركز أن أحاضر في موضوع ذي أهمية بالغة في حياة المسلمين بعامة، وفي عصرنا الحاضر بخاصة: " مسؤولية الدول الإسلامية عن الدعوة ونموذج المملكة العربية السعودية ". وهو موضوع متشعب وواسع، لا يكفي للوفاء به الوقت المخصص للمحاضرة. ومن هنا، فإن تناول موضوعاته سيكون موجزًا، أقدم فيه ما أراه أهم من غيره. وذلك من خلال محاور خمسة: الأول: الدعوة إلى الله، وأمانة تبليغها، والحاجة الماسة إليها في هذا العصر. الثاني: الدين والأمة والدولة في التصور الإسلامي. الثالث: الدولة والدعوة في التاريخ الإسلامي. الرابع: الدولة والدعوة في البلاد الإسلامية في العصر الحديث. الخامس: الدولة والدعوة في المملكة العربية السعودية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110571

    التحميل:

  • سجود السهو في ضوء الكتاب والسنة

    سجود السهو في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة بيَّن فيها المؤلف المواضع التي سجد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوضح أن سجود السهو يكون قبل السلام في مواضع وبعده في مواضع أخرى ، مع بيان أسباب سجود السهو.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1939

    التحميل:

  • تذكير الغافل بفضل النوافل

    تذكير الغافل بفضل النوافل : تشمل هذه الرسالة على ما يلي: 1- الحث على الصلاة النافلة وفضلها. 2- وجوب صلاة العيدين. 3- صلاة ودعاء الاستخارة. 4- الأمر بصلاة الكسوف وصفتها. 5- استحباب صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها. 6- أحكام الجنائز. 7- أحكام الصلاة على الميت. 8- الأعمال المشروعة للمسلم في اليوم والليلة. 9- ما يستحب من الصيام. 10- فضل الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209179

    التحميل:

  • صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

    صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان : رد على مفتريات أحمد زيني دحلان المتوفى سنة 1304هـ، وقد صحح هذه الطبعة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين - أثابه الله - وعرف بالكتاب الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله -، وعلق عليه الشيخ إسماعيل الأنصاري - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172277

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة