Muslim Library

تفسير السعدي - سورة التوبة - الآية 117

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (117) (التوبة) mp3
يخبر تعالى, أنه من لطفه وإحسانه " تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ " صلى الله عليه وسلم, " وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ " فغفر لهم الزلات, ووفر لهم الحسنات, ورقاهم إلى أعلى الدرجات, وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات, ولهذا قال: " الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ " أي: خرجوا معه لقتال الأعداء, في غزوة " تبوك " وكانت في حر شديد, وضيق من الزاد والركوب, وكثرة عدد مما يدعو إلى التخلف.
فاستعانوا اللّه تعالى, وقاموا بذلك " مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ " أي: تنقلب قلوبهم, ويميلوا إلى الدعة والسكون, ولكن اللّه ثبتهم, وأيدهم وقواهم.
وزَيْغُ القلب, هو: انحرافه عن الصراط المستقيم.
فإن كان الانحراف في أصل الدين, كان كفرا.
وإن كان في شرائعه, كان بحسب تلك الشريعة, التي زاغ عنها.
إما قصر عن فعلها, أو فعلها على غير الوجه الشرعي.
وقوله " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " أي: قبل توبتهم " إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " .
" وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
ومن رأفته ورحمته, أن مَنَّ عليهم بالتوبة, وقبلها منهم, وثبتهم عليها.
وكذلك لقد تاب " وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا " عن الخروج مع المسلمين, في تلك الغزوة, وهم " كعب بن مالك " وصاحباه, وقصتهم مشهورة معروفة, في الصحاح والسنن.
" حَتَّى إِذَا " حزنوا حزنا عظيما, و " ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ " أي: على سعتها ورحبها " وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ " التي هي أحب إليهم من كل شيء.
فضاق عليهم الفضاء الواسع, والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منهم.
وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج, بلغ من الشدة والمشقة, ما لا يمكن التعبير عنه.
وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء.
" وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ " أي: تيقنوا, وعرفوا بحالهم, أنه لا ينجي من الشدائد, ويلجأ إليه, إلا اللّه وحده لا شريك له.
فانقطع تعلقهم بالمخلوقين, وتعلقوا باللّه ربهم, وفروا منه إليه.
فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة.
" ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " أي أذن في توبتهم, ووفقهم لها " لِيَتُوبُوا " لتقع منهم, فيتوب اللّه عليهم.
" إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ " أي: كثير التوبة والعفو, والغفران عن الزلات والنقصان.
" الرَّحِيمِ " وصفه الرحمة العظيمة, التي لا تزال تنزل على العباد, في كل وقت وحين, في جميع اللحظات, ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية.
وفي هذه الآيات, دليل على أن توبة اللّه على العبد, أجل الغايات, وأعلى النهايات, فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده, وامتن عليهم بها, حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها: ومنها: لطف الله بهم, وتثبيتهم في إيمانهم, عند الشدائد, والنوازل المزعجة.
ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس, لها فضل ومزية, ليست لغيرها.
وكلما عظمت المشقة, عظم الأجر.
ومنها: أن توبة اللّه على عبده, بحسب ندمه وأسفه الشديد.
وأن من لا يبالي بالذنب, ولا يحرج إذا فعله, فإن توبته مدخولة, وإن زعم أنها مقبولة.
ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة, إذا تعلق القلب بالله تعالى, تعلقا تاما, وانقطع عن المخلوقين.
ومنها: أن من لطف اللّه بالثلاثة, أن وسمهم بوسم, ليس بعار عليهم فقال: " خُلِّفُوا " إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم, أو خلفوا عن من بث في قبول عذرهم, أو في رده, وأنهم لم يكن تخلفهم, رغبة عن الخير, ولهذا لم يقل " تخلفوا " .
ومنها: أن اللّه تعالى, من عليهم بالصدق, ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " الآية.
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أمطر الخير مطرا

    أمطر الخير مطرًا: قال المصنف - حفظه الله -: «لا شك أن المسلم الذي رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً يسعى إلى التقرب إلى الله عز وجل بالأعمال المشروعة في كل وقت وحين، فيمطر الخير مطرًا، والله - عز وجل - هو المنبت. يحتسب الأجر والمثوبة في كل حركة وسكنة، فالعمر قصير، والأيام محدودة، والأنفاس معدودة، والآجال مكتوبة. أدعو الله - عز وجل -، أن تكون حبات الخير متتالية؛ لتجري منها أودية الأجر والمثوبة، لتصب في روضات الجنات برحمة الله وعفوه، ومنٍّه وكرمه».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229611

    التحميل:

  • كيف نساعد أطفالنا على صيام رمضان؟

    كيف نساعد أطفالنا على صيام رمضان؟: إن الصوم مسؤولية جسمية لما يتطلَّبه من جهد ومشقة وصبر وقوة إرادة، وهو فريضة يُثاب فاعلها، ويُعاقب تاركها، ولا ينبغي أن ندَع أطفالنا حتى يُباغتهم الصوم دون أن يستعِدُّوا له؛ بل الواجب إعدادهم حتى يترقَّبوه بشوقٍ وشغَف، فكيف نجعل من لحظاتِ الصيام سعادة في قلوب أولادنا؟ وكيف نُصيِّر رمضان عُرسًا ينتظره أبناؤنا؟! وقد أعددنا في هذا الكتيب دليلاً علميًّا عمليًّا للتعامل التربوي الناجح مع هذه القضية المهمة في حياتنا، جمعناه من أقوال العلماء والأطباء والمهتمين بالتربية آمِلين أن يكون سبيلاً مباركًا لتربية أبنائنا على هذه العبادة العظيمة، وصولاً بهم إلى الصلاح المأمول والأمل المنشود.

    الناشر: دار طويق للنشر والتوزيع www.dartwaiq.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344714

    التحميل:

  • هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

    هذا الكتاب يوقفنا على صفحات مشرقة من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيخبرنا عن حال إمام الهدى - صلى الله عليه وسلم - في فرحه بمقدم هذا الشهر الكريم، وتهيئه له، وكيف كان حاله - صلى الله عليه وسلم - فيه مع ربه الجليل تعبدا، ورقا، واجتهادا، ومداومة، مع قيامه بحق زوجاته الكريمات عشرة، وإحسانا، وتعليما، وإرشادا. إضافة إلى مهمته الكبرى مع أمة بأكملها . .؛ يعلم جاهلها، ويرشد عالمها، ويصلح حالها، ويقوم شأنها، . . لا يميل به واجب عن واجب، ولا يشغله جانب عن جانب. إنه الكمال البشري الذي يشع نورًا؛ فيرسم الأسوة، ويضع معالم القدوة، ويقيم الحجة على الخلق علماء ودعاة وعامة. فما أمس حاجتنا إلى التنعم في ظلال سيرته - صلى الله عليه وسلم -، والعيش مع أخباره، والتعرف على أحواله، وترسم هديه - صلى الله عليه وسلم - وطريقته.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231270

    التحميل:

  • رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة

    رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة: في هذه المرحلة من الضعف التي تمرُّ بها أمتُنا المسلمة، اجترأ مَن لا خَلاقَ لهم من أعدائنا على نفث سُموم غِلِّهم وحِقدهم بنشر الأكاذيب والأباطيل على الإسلام ونبي المسلمين. وهذا البحث الذي بين يديك - أيها القارئ الكريم - هو ردُّ تلك الأباطيل وبيانُ زيفِها وفسادها، وبخاصَّة فِرية العنف والإرهاب والغِلظة، التي افتُرِيَ بها على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، واعتمَدَ الباحثُ على الاستدلال بالحُجَج العقلية والتاريخية والمادية المحسوسة؛ ليكونَ ذلك أدعَى إلى قبول الحق والإذعان لبدَهيَّاته.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341375

    التحميل:

  • من السيرة النبوية

    من السيرة النبوية : اشتملت هذه الرسالة على ذكر نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أعلى الأنساب وأشرفها، وعلى ذكر أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - وفسر هذا الخلق العظيم بالتخلق بأخلاق القرآن والتأدب بآدابه والعمل به في جميع المجالات كما تضمنت لمحات من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209206

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة