Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 97

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) (التوبة) mp3
لَمَّا ذَكَرَ جَلَّ وَعَزَّ أَحْوَال الْمُنَافِقِينَ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرَ مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهَا وَنَائِيًا عَنْهَا مِنْ الْأَعْرَاب ; فَقَالَ كُفْرهمْ أَشَدّ . قَالَ قَتَادَة : لِأَنَّهُمْ أَبْعَد عَنْ مَعْرِفَة السُّنَن . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ أَقْسَى قَلْبًا وَأَجْفَى قَوْلًا وَأَغْلَظ طَبْعًا وَأَبْعَد عَنْ سَمَاع التَّنْزِيل .

وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ وَدَلَّ عَلَى نَقْصهمْ وَحَطّهمْ عَنْ الْمَرْتَبَة الْكَامِلَة عَنْ سِوَاهُمْ تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَام ثَلَاثَة : أَوَّلهَا : لَا حَقّ لَهُمْ فِي الْفَيْء وَالْغَنِيمَة ; كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث بُرَيْدَة , وَفِيهِ : ( ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل مِنْ دَارهمْ إِلَى دَار الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْم اللَّه الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُون لَهُمْ فِي الْغَنِيمَة وَالْفَيْء شَيْء إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ) . وَثَانِيهَا : إِسْقَاط شَهَادَة أَهْل الْبَادِيَة عَنْ الْحَاضِرَة ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحَقُّق التُّهْمَة . وَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَة قَالَ : لِأَنَّهَا لَا تُرَاعَى كُلّ تُهْمَة , وَالْمُسْلِمُونَ كُلّهمْ عِنْده عَلَى الْعَدَالَة . وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيّ إِذَا كَانَ عَدْلًا مَرْضِيًّا ; وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي [ الْبَقَرَة ] . وَقَدْ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى الْأَعْرَاب هُنَا أَوْصَافًا ثَلَاثَة : أَحَدهَا : بِالْكُفْرِ وَالنِّفَاق . وَالثَّانِي : بِأَنَّهُ يَتَّخِذ مَا يُنْفِق مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّص بِكُمْ الدَّوَائِر . وَالثَّالِث : بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَيَتَّخِذ مَا يُنْفِق قُرُبَات عِنْد اللَّه وَصَلَوَات الرَّسُول ; فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته فَبَعِيد أَلَّا تُقْبَل شَهَادَته فَيُلْحَق بِالثَّانِي وَالْأَوَّل , وَذَلِكَ بَاطِل . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي هَذَا فِي [ النِّسَاء ] . وَثَالِثهَا : أَنَّ إِمَامَتهمْ بِأَهْلِ الْحَاضِرَة مَمْنُوعَة لِجَهْلِهِمْ بِالسُّنَّةِ وَتَرْكهمْ الْجُمْعَة . وَكَرِهَ أَبُو مِجْلَز إِمَامَة الْأَعْرَابِيّ . وَقَالَ مَالِك : لَا يَؤُمّ وَإِنْ كَانَ أَقْرَأهُمْ . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَصْحَاب الرَّأْي : الصَّلَاة خَلْف الْأَعْرَابِيّ جَائِزَة . وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر إِذَا أَقَامَ حُدُود الصَّلَاة . قَوْله تَعَالَى : " أَشَدّ " أَصْله أَشْدَد ; وَقَدْ تَقَدَّمَ . " كُفْرًا " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان . " وَنِفَاقًا " عُطِفَ عَلَيْهِ .

وَالْعَرَب : جِيل مِنْ النَّاس , وَالنِّسْبَة إِلَيْهِمْ عَرَبِيّ بَيِّن الْعُرُوبَة , وَهُمْ أَهْل الْأَمْصَار . وَالْأَعْرَاب مِنْهُمْ سُكَّان الْبَادِيَة خَاصَّة . وَجَاءَ فِي الشِّعْر الْفَصِيح أَعَارِيب . وَالنِّسْبَة إِلَى الْأَعْرَاب أَعْرَابِيّ لِأَنَّهُ لَا وَاحِد لَهُ , وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جَمْعًا لِلْعَرَبِ كَمَا كَانَ الْأَنْبَاط جَمْعًا لِنَبَطٍ ; وَإِنَّمَا الْعَرَب اِسْم جِنْس . وَالْعَرَب الْعَارِبَة هُمْ الْخُلَّص مِنْهُمْ , وَأُخِذَ مِنْ لَفْظه وَأُكِّدَ بِهِ ; كَقَوْلِك : لَيْل لَائِل . وَرُبَّمَا قَالُوا : الْعَرَب الْعَرْبَاء . وَتَعَرَّبَ أَيْ تَشَبَّهَ بِالْعَرَبِ . وَتَعَرَّبَ بَعْد هِجْرَته أَيْ صَارَ أَعْرَابِيًّا . وَالْعَرَب الْمُسْتَعْرِبَة هُمْ الَّذِينَ لَيْسُوا بِخُلَّصٍ , وَكَذَلِكَ الْمُتَعَرِّبَة , وَالْعَرَبِيَّة هِيَ هَذِهِ اللُّغَة . وَيَعْرُب بْن قَحْطَان أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ , وَهُوَ أَبُو الْيَمَن كُلّهمْ . وَالْعَرَب وَالْعُرْب وَاحِد ; مِثْل الْعَجَم وَالْعُجْم . وَالْعُرَيْب تَصْغِير الْعَرَب ; قَالَ الشَّاعِر : وَمَكْن الضِّبَاب طَعَام الْعُرَيْب وَلَا تَشْتَهِيه نُفُوس الْعَجَم إِنَّمَا صَغَّرَهُمْ تَعْظِيمًا ; كَمَا قَالَ : أَنَا جُذَيْلهَا الْمُحَكَّك , وَعُذَيْقهَا الْمُرَجَّب كُلّه عَنْ الْجَوْهَرِيّ . وَحَكَى الْقُشَيْرِيّ وَجَمْع الْعَرَبِيّ الْعَرَب , وَجَمْع الْأَعْرَابِيّ أَعْرَاب وَأَعَارِيب . وَالْأَعْرَابِيّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا عَرَبِيّ فَرِحَ , وَالْعَرَبِيّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا أَعْرَابِيّ غَضِبَ . وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار عَرَب لَا أَعْرَاب . وَسُمِّيَتْ الْعَرَب عَرَبًا لِأَنَّ وَلَد إِسْمَاعِيل نَشَئُوا مِنْ عَرَبَة وَهِيَ مِنْ تِهَامَة فَنُسِبُوا إِلَيْهَا . وَأَقَامَتْ قُرَيْش بِعَرَبَة وَهِيَ مَكَّة , وَانْتَشَرَ سَائِر الْعَرَب فِي جَزِيرَتهَا .


وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي حَقّهمْ : " وَأَجْدَر " أَيْ أَخْلَق . " وَأَجْدَر " عَطْف عَلَى أَشَدّ , وَمَعْنَاهُ أَخْلَق ; يُقَال : فُلَان جَدِير بِكَذَا أَيْ خَلِيق بِهِ , وَأَنْتَ جَدِير أَنْ تَفْعَل كَذَا , وَالْجَمْع جُدَرَاء وَجَدِيرُونَ . وَأَصْله مِنْ جُدُر الْحَائِط وَهُوَ رَفْعه بِالْبِنَاءِ . فَقَوْله : هُوَ أَجْدَر بِكَذَا أَيْ أَقْرَب إِلَيْهِ وَأَحَقّ بِهِ .


" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِحَذْفِ الْبَاء ; تَقُول : أَنْتَ جَدِير بِأَنْ تَفْعَل وَأَنْ تَفْعَل ; فَإِذَا حُذِفَتْ الْبَاء لَمْ يَصْلُح إِلَّا ب " أَنْ " وَإِنْ أَتَيْت بِالْبَاءِ صَلُحَ ب " أَنْ " وَغَيْره ; تَقُول : أَنْتَ جَدِير أَنْ تَقُوم , وَجَدِير بِالْقِيَامِ . وَلَوْ قُلْت : أَنْتَ جَدِير الْقِيَام كَانَ خَطَأ . وَإِنَّمَا صَلُحَ مَعَ " أَنْ " لِأَنَّ أَنْ يَدُلّ عَلَى الِاسْتِقْبَال فَكَأَنَّهَا عِوَض مِنْ الْمَحْذُوف . و " أَلَّا يَعْلَمُوا " أَيْ بِأَلَّا يَعْلَمُوا .



أَيْ فَرَائِض الشَّرْع . وَقِيلَ : حُجَج اللَّه فِي الرُّبُوبِيَّة وَبَعْثَة الرُّسُل لِقِلَّةِ نَظَرهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإيمان بالله

    الإيمان بالله : هذا الكتاب يدور حول المباحث الآتية: معنى الإيمان بالله. ماذا يتضمن الإيمان بالله ؟ الأدلة على وحدانية الله. ثمرات الإيمان بالله. ما ضد الإيمان بالله ؟ معنى الإلحاد. أسباب الإلحاد. كيف دخل الإلحاد بلاد المسلمين ؟ الآثار المترتبة على الإلحاد.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172694

    التحميل:

  • البراهين الموضحات في نظم كشف الشبهات

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد نظمها الشيخ محمد الطيب الأنصاري المتوفي سنة (1363هـ) - رحمه الله تعالى - بإشارة من الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ المتوفي سنة (1378هـ) - رحمه الله تعالى -، وقد طبع هذا النظم سنة (1357هـ) في مطبعة المدينة المنورة باسم " البراهين الموضحات نظم الشيخ محمد الطيب الأنصاري لكشف الشبهات " وأعيد نشره سنة (1413هـ) في دار لينة للنشر والتوزيع بالمدينة المنورة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/295354

    التحميل:

  • العشق [ حقيقته .. خطره .. أسبابه .. علاجه ]

    فإن العشق مسلكٌ خَطِر، وموْطِئٌ زَلِقٌ، وبَحْرٌ لُجِّيٌّ، وعالم العشاق مليء بالآلام والآمال، محفوف بالمخاطر والأهوال. هذا وإن البلاء بهذا الداء قدْ عمَّ وطم; ذلك أن محركاته كثيرة، والدواعي إليه متنوعة متشعبة; فلا غرو أن يكثر ضحاياه، والمبتلون به; فحق علينا - إذاً - أن نرحم أهل هذا البلاء، ومن الرحمة بهم إراءتُهم هذا البلاءَ على حقيقته، والبحث في سبل علاجه والوقاية منه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172681

    التحميل:

  • الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم

    الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: في هذا الكتاب بيان معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحُكمها، وكيفيتها، وفضلها، وفضل زيارة قبره ومسجده - عليه الصلاة والسلام -، وذكر آداب دخول المسجد كما وردت في كتب السنن.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385233

    التحميل:

  • مسند أحمد بن حنبل

    مسند أحمد: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى المعلومة من مسند الإمام أحمد بن حنبل، والذي يعد أضخم كتاب حديثي مسند جمع السنة المطهرة، مع رسوخ مؤلفه في السنة المطهرة وعلو أسانيده، وشدة حرصه في انتخابه. والمسند هو: الكتاب الذي روى مؤلفه فيه أحاديث كل صحابي على حدة. وقد بدأت عناية أهل العلم بتأليف المسانيد في أوائل عصر تدوين السنة في أواخر القرن الثاني الهجري، وكانت بداية تأليف الإمام أحمد لمسنده بعد عودته من رحلته إلى الإمام عبد الرزاق الصنعاني في اليمن - ت211هـ - قاله ابنه عبد الله. وعدد أحاديثه ثلاثون ألفاً قاله ابن المُنادى، وهذا باطراح المكرر وزيادات ابنه عبد الله؛ لأنه معها يصل إلى أربعين ألفاً. قال ابن عساكر: "يبلغ عدد أحاديثه ثلاثين ألفاً سوى المعاد وغير ما ألحق به ابنه عبد الله من عالي الإسناد "، وقال الحسيني: "وجملة أحاديثه أربعون ألفاً بالمكرر مما رواه عنه ابنه الحافظ أبو عبد الرحمن: عبد الله، وفيه من زياداته "

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140685

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة