Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 92

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (92) (التوبة) mp3
رُوِيَ أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي عِرْبَاض بْن سَارِيَة . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَائِذ بْن عَمْرو . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي مُقَرِّن - وَعَلَى هَذَا جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ - وَكَانُوا سَبْعَة إِخْوَة , كُلّهمْ صَحِبُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة سَبْعَة إِخْوَة غَيْرهمْ , وَهُمْ النُّعْمَان وَمَعْقِل وَعَقِيل وَسُوَيْد وَسِنَان وَسَابِع لَمْ يُسَمَّ بَنُو مُقَرِّن الْمُزَنِيُّونَ سَبْعَة إِخْوَة هَاجَرُوا وَصَحِبُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُشَارِكهُمْ - فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَجَمَاعَة - فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَة غَيْرهمْ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمْ شَهِدُوا الْخَنْدَق كُلّهمْ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي سَبْعَة نَفَر مِنْ بُطُون شَتَّى , وَهُمْ الْبَكَّاءُونَ أَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك لِيَحْمِلهُمْ , فَلَمْ يَجِد مَا يَحْمِلهُمْ عَلَيْهِ ; ف " تَوَلَّوْا وَأَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ " فَسُمُّوا الْبَكَّائِينَ . وَهُمْ سَالِم بْن عُمَيْر مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف وَعُلْبَة بْن زَيْد أَخُو بَنِي حَارِثَة . وَأَبُو لَيْلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب مِنْ بَنِي مَازِن بْن النَّجَّار . وَعَمْرو بْن الْحُمَام مِنْ بَنِي سَلَمَة . وَعَبْد اللَّه بْن الْمُغَفَّل الْمُزَنِيّ , وَقِيلَ : بَلْ هُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمُزَنِيّ . وَهَرَمِيّ بْن عَبْد اللَّه أَخُو بَنِي وَاقِف , وَعِرْبَاض بْن سَارِيَة الْفَزَارِيّ , هَكَذَا سَمَّاهُمْ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب الدُّرَر لَهُ . وَفِيهِمْ اِخْتِلَاف . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : مَعْقِل بْن يَسَار وَصَخْر بْن خَنْسَاء وَعَبْد اللَّه بْن كَعْب الْأَنْصَارِيّ , وَسَالِم بْن عُمَيْر , وَثَعْلَبَة بْن غَنَمَة , وَعَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل وَآخَر . قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , قَدْ نَدَبْتَنَا لِلْخُرُوجِ مَعَك , فَاحْمِلْنَا عَلَى الْخِفَاف الْمَرْفُوعَة وَالنِّعَال الْمَخْصُوفَة نَغْزُ مَعَك . فَقَالَ : " لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ " فَتَوَلَّوْا وَهُمْ يَبْكُونَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلهُمْ عَلَى الدَّوَابّ , وَكَانَ الرَّجُل يَحْتَاج إِلَى بَعِيرَيْنِ , بَعِير يَرْكَبهُ وَبَعِير يَحْمِل مَاءَهُ وَزَادَهُ لِبُعْدِ الطَّرِيق . وَقَالَ الْحَسَن : نَزَلَتْ فِي أَبِي مُوسَى وَأَصْحَابه أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَحْمِلُوهُ , وَوَافَقَ ذَلِكَ مِنْهُ غَضَبًا فَقَالَ : " وَاَللَّه لَا أَحْمِلكُمْ وَلَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ فَتَوَلَّوْا يَبْكُونَ ; فَدَعَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَاهُمْ ذَوْدًا . فَقَالَ أَبُو مُوسَى : أَلَسْت حَلَفْت يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ : ( إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّه لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي ) .

قُلْت : وَهَذَا حَدِيث صَحِيح أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ . وَفِي مُسْلِم : فَدَعَا بِنَا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْد غُرّ الذُّرَى ... ) الْحَدِيث . وَفِي آخِره : ( فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّه ) . وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا وَبَكْر بْن عَبْد اللَّه : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل الْمُزَنِيّ , أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحْمِلهُ . قَالَ الْجُرْجَانِيّ : التَّقْدِير أَيْ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلهُمْ وَقُلْت لَا أَجِد . فَهُوَ مُبْتَدَأ مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله بِغَيْرِ وَاو , وَالْجَوَاب " تَوَلَّوْا " .


الْجُمْلَة فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . " حَزَنًا " مَصْدَر . " أَلَّا يَجِدُوا " نُصِبَ بِأَنْ . وَقَالَ النَّحَّاس : قَالَ الْفَرَّاء يَجُوز أَنْ لَا يَجِدُونَ ; يُجْعَل لَا بِمَعْنَى لَيْسَ . وَهُوَ عِنْد الْبَصْرِيِّينَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ .

وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يَجِد مَا يُنْفِقهُ فِي غَزْوه أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ . وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِذَا كَانَتْ عَادَته الْمَسْأَلَة لَزِمَهُ كَالْحَجِّ وَخَرَجَ عَلَى الْعَادَة لِأَنَّ حَاله إِذَا لَمْ تَتَغَيَّر يَتَوَجَّه الْفَرْض عَلَيْهِ كَتَوَجُّهِهِ عَلَى الْوَاجِد . وَاَللَّه أَعْلَم .

فِي قَوْله تَعَالَى : " وَأَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع " مَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى قَرَائِن الْأَحْوَال . ثُمَّ مِنْهَا مَا يُفِيد الْعِلْم الضَّرُورِيّ , وَمِنْهَا مَا يَحْتَمِل التَّرْدِيد . فَالْأَوَّل كَمَنْ يَمُرّ عَلَى دَار قَدْ عَلَا فِيهَا النَّعْي وَخُمِشَتْ الْخُدُود وَحُلِقَتْ الشُّعُور وَسُلِقَتْ الْأَصْوَات وَخُرِقَتْ الْجُيُوب وَنَادَوْا عَلَى صَاحِب الدَّار بِالثُّبُورِ ; فَيَعْلَم أَنَّهُ قَدْ مَاتَ . وَأَمَّا الثَّانِي فَكَدُمُوعِ الْأَيْتَام عَلَى أَبْوَاب الْحُكَّام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِخْوَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام : " وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ " [ يُوسُف : 16 ] . وَهُمْ الْكَاذِبُونَ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ : " وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصه بِدَمٍ كَذِب " [ يُوسُف : 18 ] . وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهَا قَرَائِن يُسْتَدَلّ بِهَا فِي الْغَالِب فَتُبْنَى عَلَيْهَا الشَّهَادَات بِنَاء عَلَى ظَوَاهِر الْأَحْوَال وَغَالِبهَا . وَقَالَ الشَّاعِر : إِذَا اِشْتَبَكَتْ دُمُوع فِي خُدُود تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي " يُوسُف " مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مفاتيح الخير

    مفاتيح الخير: إن من أنفع أبواب العلم وأكثرها خيرًا على المسلم معرفةُ مفاتيح الخير من مفاتيح الشر; ومعرفة ما يحصل به النفع مما يحصل به الضر; فإن الله - سبحانه وتعالى - جعل لكل خيرٍ مفتاحًا وبابًا يُدخل منه إليه; وجعل لكل شرٍّ مفتاحًا وبابًا يُدخَل منه إليه; وفي هذه الرسالة بيان هذه المفاتيح للخير.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316782

    التحميل:

  • لماذا ندرس السيرة؟

    لماذا ندرس السيرة؟: قال المؤلف - حفظه الله -: «إن السيرة النبوية لا تُدرس من أجل المتعة في التنقل بين أحداثها أو قصصها، ولا من أجل المعرفة التاريخية لحقبة زمنية من التاريخ مضَت، ولا محبةً وعشقًا في دراسة سير العظماء والأبطال، ذلك النوع من الدراسة السطحية إن أصبح مقصدًا لغير المسلم من دراسة السيرة، فإن للمسلم مقاصد شتى من دراستها». وذكر ثلاثة مقاصد لدراسة السيرة النبوية، ثم تعرَّض لخصائص وميزات السيرة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333175

    التحميل:

  • بحوث ندوة الدعوة في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله

    بحوث ندوة الدعوة في عهد الملك عبد العزيز - رحمه الله - نظمت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في عام 1420 ندوة علمية تحت عنوان " الدعوة في عهد الملك عبد العزيز " انعقدت في الرياض في 23/ 2/1420 هـ، واستمرت خمسة أيام قدمت فيها بحوث قيمة استعرضت صفات الملك عبد العزيز - رحمه الله - التي كانت من الأسباب الرئيسية - بعد توفيق الله تعالى - في نجاحه في تأسيس الحكم على قواعد الإسلام، وتحدثت عن منهجه في الدعوة إلى الله، والأساليب التي اتخذها في هذا المضمار، وفي هذا الكتاب جمع لها. قدم له معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ - حفظه الله تعالى -، وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والمشرف العام على مركز البحوث والدراسات الإسلامية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111036

    التحميل:

  • تطريز رياض الصالحين

    تطريز رياض الصالحين : إن كتاب رياض الصالحين من الكتب الشريفة النافعة، فقد جمع بين دفتيه جوامع الكلم من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآيات كتاب الله العزيز، جعله مصنفه مشتملاً على ما يكون طريقاً لصاحبه إلى الآخرة، ومحصِّلاً لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعاً للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السائرين إلى الله: من أحاديث الزهد وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك مما يهذب سلوك الإنسان. وقد صدر أبواب الكتاب بآيات قرآنية، مع ضبط ما يحتاج إلى ضبط من ألفاظ الأحاديث أو شرح معنى خفي من ألفاظه، فجاء كتاب جامعاً في بابه، لذلك اهتم العلماء به شرحاً وتحقيقاً وتعليقاً، واهتم به العامة قراءة وتدبراً وتطبيقاً، حتى أنك لا ترى بيتاً ولا مكتبة ولا مسجداً في مشارق الأرض ومغاربها إلا وتجد فيها هذا الكتاب. وهذا الكتاب الذي بين يدينا هو واحد من تلك الجهود حول هذا الكتاب المبارك، فقد قام الشيخ فيصل - رحمه الله - بالتعليق على كتاب رياض الصالحين بتعليقات مختصرة مركزاً في تعليقاته على ذكر الفوائد المستنبطة من الحديث وقد يستشهد على الحديث بذكر آية، أو حديث أو أثر عن صحابي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2585

    التحميل:

  • تمشي على استحياء

    تمشي على استحياء : فإن مما تجملت به المرأة عموماً وابنة الإسلام خصوصاً الحياء؛ فما أجمل أن يزدان الخُلق الطيب بالحياء ! وما أجمل أن يأخذ الحياء بمجامع حركات وسكون تلك الفتاة المصون والمرأة الماجدة ! . ومن تأمل أحوال نساء اليوم, يتعجب من زهدهن في هذه المنْقَبَة المحمودة والصفة المرغوبة. وحرصاً على بقاء ما تفلَّت من أيدي الأخوات , جمعت مادة في الحياء مرغبة للمسلمة , ومحفزة للمؤمنة في أن تسلك سلوك الحياء وتلتزمه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208984

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة