Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 91

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91) (التوبة) mp3
قَوْله تَعَالَى : " لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء " الْآيَة . أَصْل فِي سُقُوط التَّكْلِيف عَنْ الْعَاجِز ; فَكُلّ مَنْ عَجَزَ عَنْ شَيْء سَقَطَ عَنْهُ , فَتَارَة إِلَى بَدَل هُوَ فِعْل , وَتَارَة إِلَى بَدَل هُوَ غُرْم , وَلَا فَرْق بَيْن الْعَجْز مِنْ جِهَة الْقُوَّة أَوْ الْعَجْز مِنْ جِهَة الْمَال ; وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى : " لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا " [ الْبَقَرَة : 286 ] وَقَوْله : " لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَج وَلَا عَلَى الْأَعْرَج حَرَج وَلَا عَلَى الْمَرِيض حَرَج " [ النُّور : 61 ] . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ ) . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : ( حَبَسَهُمْ الْعُذْر ) . فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرهَا أَنَّهُ لَا حَرَج عَلَى الْمَعْذُورِينَ , وَهُمْ قَوْم عُرِفَ عُذْرهمْ كَأَرْبَابِ الزَّمَانَة وَالْهَرَم وَالْعَمَى وَالْعَرَج , وَأَقْوَام لَمْ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ; فَقَالَ : لَيْسَ عَلَى هَؤُلَاءِ حَرَج .



إِذَا عَرَفُوا الْحَقّ وَأَحَبُّوا أَوْلِيَاءَهُ وَأَبْغَضُوا أَعْدَاءَهُ قَالَ الْعُلَمَاء : فَعَذَرَ الْحَقّ سُبْحَانه أَصْحَاب الْأَعْذَار , وَمَا صَبَرَتْ الْقُلُوب ; فَخَرَجَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم إِلَى أُحُد وَطَلَبَ أَنْ يُعْطَى اللِّوَاء فَأَخَذَهُ مُصْعَب بْن عُمَيْر , فَجَاءَ رَجُل مِنْ الْكُفَّار فَضَرَبَ يَده الَّتِي فِيهَا اللِّوَاء فَقَطَعَهَا , فَأَمْسَكَهُ بِالْيَدِ الْأُخْرَى فَضَرَبَ الْيَد الْأُخْرَى فَأَمْسَكَهُ بِصَدْرِهِ وَقَرَأَ " وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُل " [ آل عِمْرَان : 144 ] . هَذِهِ عَزَائِم الْقَوْم . وَالْحَقّ يَقُول : " لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَج " [ النُّور : 61 ] وَهُوَ فِي الْأَوَّل . " وَلَا عَلَى الْأَعْرَج حَرَج " [ النُّور : 61 ] وَعَمْرو بْن الْجَمُوح مِنْ نُقَبَاء الْأَنْصَار أَعْرَج وَهُوَ فِي أَوَّل الْجَيْش . قَالَ لَهُ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه قَدْ عَذَرَك ) فَقَالَ : وَاَللَّه لَأَحْفِرَنَّ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّة ; إِلَى أَمْثَالهمْ حَسْب مَا تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ ذِكْرهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُل يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْن الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ .

قَوْله تَعَالَى : " إِذَا نَصَحُوا " النُّصْح إِخْلَاص الْعَمَل مِنْ الْغِشّ . وَمِنْهُ التَّوْبَة النَّصُوح . قَالَ نَفْطَوَيْهِ : نَصَحَ الشَّيْء إِذَا خَلَصَ . وَنَصَحَ لَهُ الْقَوْل أَيْ أَخْلَصَهُ لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ تَمِيم الدَّارِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الدِّين النَّصِيحَة ) ثَلَاثًا . قُلْنَا لِمَنْ ؟ قَالَ : ( لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتهمْ "

قَالَ الْعُلَمَاء : النَّصِيحَة لِلَّهِ إِخْلَاص الِاعْتِقَاد فِي الْوَحْدَانِيَّة , وَوَصْفه بِصِفَاتِ الْأُلُوهِيَّة , وَتَنْزِيهه عَنْ النَّقَائِص وَالرَّغْبَة فِي مَحَابّه وَالْبُعْد مِنْ مَسَاخِطه . وَالنَّصِيحَة لِرَسُولِهِ : التَّصْدِيق بِنُبُوَّتِهِ , وَالْتِزَام طَاعَته فِي أَمْره وَنَهْيه , وَمُوَالَاة مَنْ وَالَاهُ وَمُعَادَاة مَنْ عَادَاهُ , وَتَوْقِيره , وَمَحَبَّته وَمَحَبَّة آل بَيْته , وَتَعْظِيمه وَتَعْظِيم سُنَّته , وَإِحْيَاؤُهَا بَعْد مَوْته بِالْبَحْثِ عَنْهَا , وَالتَّفَقُّه فِيهَا وَالذَّبّ عَنْهَا وَنَشْرهَا وَالدُّعَاء إِلَيْهَا , وَالتَّخَلُّق بِأَخْلَاقِهِ الْكَرِيمَة صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَذَا النُّصْح لِكِتَابِ اللَّه : قِرَاءَته وَالتَّفَقُّه فِيهِ , وَالذَّبّ عَنْهُ وَتَعْلِيمه وَإِكْرَامه وَالتَّخَلُّق بِهِ . وَالنُّصْح لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ : تَرْك الْخُرُوج عَلَيْهِمْ , وَإِرْشَادهمْ إِلَى الْحَقّ وَتَنْبِيههمْ فِيمَا أَغْفَلُوهُ مِنْ أُمُور الْمُسْلِمِينَ , وَلُزُوم طَاعَتهمْ وَالْقِيَام بِوَاجِبِ حَقّهمْ . وَالنُّصْح لِلْعَامَّةِ : تَرْك مُعَادَاتهمْ , وَإِرْشَادهمْ وَحُبّ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ , وَالدُّعَاء لِجَمِيعِهِمْ وَإِرَادَة الْخَيْر لِكَافَّتِهِمْ . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح ( مَثَل الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهمْ وَتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفهمْ مَثَل الْجَسَد إِذَا اِشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِر الْجَسَد بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) .


" مِنْ سَبِيل " فِي مَوْضِع رَفْع اِسْم " مَا " أَيْ مِنْ طَرِيق إِلَى الْعُقُوبَة . وَهَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي رَفْع الْعِقَاب عَنْ كُلّ مُحْسِن . وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الَّذِي يَقْتَصّ مِنْ قَاطِع يَده فَيُفْضِي ذَلِكَ فِي السِّرَايَة إِلَى إِتْلَاف نَفْسه : إِنَّهُ لَا دِيَة لَهُ ; لِأَنَّهُ مُحْسِن فِي اِقْتِصَاصه مِنْ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تَلْزَمهُ الدِّيَة . وَكَذَلِكَ إِذَا صَالَ فَحْل عَلَى رَجُل فَقَتَلَهُ فِي دَفْعه عَنْ نَفْسه فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تَلْزَمهُ لِمَالِكِهِ الْقِيمَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي مَسَائِل الشَّرِيعَة كُلّهَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مختصر تفسير ابن كثير [ عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير ]

    مختصر تفسير ابن كثير [ عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير ] : هذا مختصر تفسير ابن كثير للشيخ أحمد شاكر، وقد حافظ المختصر على ميزات الأصل، وهي: تفسير القرآن بالقرآن، وجمع الآيات التي تدل على المعنى المراد من الآية المفسرة أو تؤيده أو تقويه، ثم التفسير بالسنة الصحيحة، ثم ذِكْرُ كثير من أقوال السلف في تفسير الآي. وحذف أسانيد الأحاديث مكتفياً بذكر الصحابي وتخريج ابن كثير له، كما حذف كل حديث ضعيف أو معلول – في تقديره طبعاً –، وحذف المكرر من أقوال الصحابة والتابعين اكتفاء ببعضها، وحذف الأخبار الإسرائيلية وما أشبهها، وما أطال به المؤلف من الأبحاث الكلامية والفروع الفقهية، والمناقشات اللغوية واللفظية مما لا يتصل بتفسير الآية اتصالاً وثيقاً. واقتصر في الأحاديث الطويلة والأحداث التاريخية المطولة على موضع الشاهد منها. وقد حافظ المختصر على آراء الحافظ المؤلف وترجيحاته في تفسير الآيات، مجتهداً في إبقاء كلامه بحروفه ما استطاع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141382

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الرضا ]

    الرضا عمل قلبي من أرفع أعمال القلوب وأعظمها شأناً; وقد يبلغ العبد بهذا العمل منزلة تسبق منازل من أتعب بدنه وجوارحه في العمل; مع أن عمله أقل من عملهم. يقول ابن القيم: ( طريق الرضا والمحبة تُسيّر العبد وهو مستلق على فراشه; فيصبح أمام الركب بمراحل ).

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340020

    التحميل:

  • فضل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    بيان فضل دعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من نشر التوحيد والدعوة إليه، وقمع الشرك والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2499

    التحميل:

  • شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة

    شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة مجردة عن البدع والخرافات التي ألصقت بها وهي ليست منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314829

    التحميل:

  • بحوث في أصول التفسير ومناهجه

    بحوث في أصول التفسير ومناهجه: هذا الكتاب عرَّف فيه المصنف - حفظه الله - التفسير وبيَّن مكانته وفضله، ومتى نشأ علم التفسير وما هي المراحل التي مرَّ بها، وذكر اختلاف المُفسِّرين وأصحابه، وأساليب التفسير وطرقه ومناهجه، ثم عرَّج على إعراب القرآن الكريم وبيان غريبه، ثم أشار إلى قواعد مهمة يحتاج إليها المُفسِّر، وختمَ حديثَه بذكر أهم المصنفات في التفسير ومناهجه.

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364178

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة