Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 77

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) (التوبة) mp3
مَفْعُولَانِ أَيْ أَعْقَبَهُمْ اللَّه تَعَالَى نِفَاقًا فِي قُلُوبهمْ . وَقِيلَ : أَيْ أَعْقَبَهُمْ الْبُخْل نِفَاقًا ; وَلِهَذَا قَالَ : " بَخِلُوا بِهِ " .

" نِفَاقًا " النِّفَاق إِذَا كَانَ فِي الْقَلْب فَهُوَ الْكُفْر . فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْأَعْمَال فَهُوَ مَعْصِيَة . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْبَع مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنْ النِّفَاق حَتَّى يَدَعهَا . إِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْبَقَرَة ] اِشْتِقَاق هَذِهِ الْكَلِمَة , فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث ; فَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ يُحَدِّث بِحَدِيثٍ يَعْلَم أَنَّهُ كَذِب , وَيَعْهَد عَهْدًا لَا يَعْتَقِد الْوَفَاء بِهِ , وَيَنْتَظِر الْأَمَانَة لِلْخِيَانَةِ فِيهَا . وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثٍ ضَعِيف الْإِسْنَاد , وَأَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَقِيَ أَبَا بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا خَارِجَيْنِ مِنْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا ثَقِيلَانِ فَقَالَ عَلِيّ : مَا لِي أَرَاكُمَا ثَقِيلَيْنِ ؟ قَالَا حَدِيثًا سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خِلَال الْمُنَافِقِينَ ( إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ) فَقَالَ عَلِيّ : أَفَلَا سَأَلْتُمَاهُ ؟ فَقَالَا : هِبْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَكِنِّي سَأَسْأَلُهُ ; فَدَخَلَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , خَرَجَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَهُمَا ثَقِيلَانِ , ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَالَاهُ , فَقَالَ : ( قَدْ حَدَّثْتهمَا وَلَمْ أَضَعهُ عَلَى الْوَضْع الَّذِي وَضَعَاهُ وَلَكِنَّ الْمُنَافِق إِذَا حَدَّثَ وَهُوَ يُحَدِّث نَفْسه أَنَّهُ يَكْذِب وَإِذَا وَعَدَ وَهُوَ يُحَدِّث نَفْسه أَنَّهُ يُخْلِف وَإِذَا اُؤْتُمِنَ وَهُوَ يُحَدِّث نَفْسه أَنَّهُ يَخُون ) اِبْن الْعَرَبِيّ : قَدْ قَامَ الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنَّ مُتَعَمِّد هَذِهِ الْخِصَال لَا يَكُون كَافِرًا , وَإِنَّمَا يَكُون كَافِرًا بِاعْتِقَادٍ يَعُود إِلَى الْجَهْل بِاَللَّهِ وَصِفَاته أَوْ تَكْذِيب لَهُ تَعَالَى اللَّه وَتَقَدَّسَ عَنْ اِعْتِقَاد الْجَاهِلِينَ وَعَنْ زَيْغ الزَّائِغِينَ . وَقَالَتْ طَائِفَة : ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْمُنَافِقِينَ زَمَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَتَعَلَّقُوا بِمَا رَوَاهُ مُقَاتِل بْن حَيَّان عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس قَالَا : أَتَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاس مِنْ أَصْحَابه فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّك قُلْت ( ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُؤْمِن إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنْهُنَّ فَفِيهِ ثُلُث النِّفَاق ) فَظَنَنَّا أَنَّا لَمْ نَسْلَم مِنْهُنَّ أَوْ مِنْ بَعْضهنَّ وَلَمْ يَسْلَم مِنْهُنَّ كَثِير مِنْ النَّاس ; قَالَ : فَضَحِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : ( مَا لَكُمْ وَلَهُنَّ إِنَّمَا خَصَّصْت بِهِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَمَا خَصَّهُمْ اللَّه فِي كِتَابه أَمَّا قَوْلِي إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " إِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ ... " [ الْمُنَافِقُونَ : 1 ] - الْآيَة - ( أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ ) ؟ قُلْنَا : لَا . قَالَ : ( لَا عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرَآء وَأَمَّا قَوْلِي إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيَّ " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْله ... " - الْآيَات الثَّلَاث - ( أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ ) ؟ قُلْنَا لَا , وَاَللَّه لَوْ عَاهَدْنَا اللَّه عَلَى شَيْء أَوْفَيْنَا بِهِ . قَالَ : ( لَا عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرَآء وَأَمَّا قَوْلِي وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيَّ " إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة عَلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال ... " [ الْأَحْزَاب : 72 ] - الْآيَة - ( فَكُلّ إِنْسَان مُؤْتَمَن عَلَى دِينه فَالْمُؤْمِن يَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَالْمُنَافِق لَا يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا فِي الْعَلَانِيَة أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ ) ؟ قُلْنَا لَا قَالَ : ( لَا عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرَآء ) . وَإِلَى هَذَا صَارَ كَثِير مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة . قَالَتْ طَائِفَة : هَذَا فِيمَنْ كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَال . وَيَظْهَر مِنْ مَذْهَب الْبُخَارِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ هَذِهِ الْخِلَال الذَّمِيمَة مُنَافِق مَنْ اِتَّصَفَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَوْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْمَعَاصِي مَا كَانَ بِهَا كَافِرًا مَا لَمْ يُؤَثِّر فِي الِاعْتِقَاد . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِنَّ إِخْوَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام عَاهَدُوا أَبَاهُمْ فَأَخْلَفُوهُ , وَحَدَّثُوهُ فَكَذَبُوهُ , وَائْتَمَنَهُمْ عَلَى يُوسُف فَخَانُوهُ وَمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ . قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الْخِلَال إِخْوَة يُوسُف وَلَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ بَلْ كَانُوا أَنْبِيَاء . وَقَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ : النِّفَاق نِفَاقَان , نِفَاق الْكَذِب وَنِفَاق الْعَمَل ; فَأَمَّا نِفَاق الْكَذِب فَكَانَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَّا نِفَاق الْعَمَل فَلَا يَنْقَطِع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ حُذَيْفَة أَنَّ النِّفَاق كَانَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَّا الْيَوْم فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْر بَعْد الْإِيمَان .



فِي مَوْضِع خَفْض ; أَيْ يَلْقَوْنَ بُخْلهمْ , أَيْ جَزَاء بُخْلهمْ ; كَمَا يُقَال : أَنْتَ تَلْقَى غَدًا عَمَلك . وَقِيلَ : " إِلَى يَوْم يَلْقَوْنَهُ " أَيْ يَلْقَوْنَ اللَّه . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ مَاتَ مُنَافِقًا . وَهُوَ يَبْعُد أَنْ يَكُون الْمُنَزَّل فِيهِ ثَعْلَبَة أَوْ حَاطِب ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَر : ( وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّه اِطَّلَعَ عَلَى أَهْل بَدْر فَقَالَ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ ) وَثَعْلَبَة وَحَاطِب مِمَّنْ حَضَرَ بَدْرًا وَشَهِدَهَا .



كَذِبهمْ نَقْضهمْ الْعَهْد وَتَرْكهمْ الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمُوهُ مِنْ ذَلِكَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإمتحان الأكبر ونتيجته

    الإمتحان الأكبر ونتيجته : هذه الرسالة تذكر بالحساب في الدار الآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209118

    التحميل:

  • سنبلة قلم [ أوراق أدبية نشرت في المجلات الإسلامية ]

    سنبلة قلم : قال المؤلف - أثابه الله -: « فقد يسر الله - عز وجل - أن كتبت مقالات متفرقة في عدد المجلات الإسلامية كالدعوة والأسرة والشقائق، وغيرها. ورغب بعض الأخوة أن أجمعها في مكان واحد، خاصة أنها مقالات ليست مختصة بوقت معين، فاستعنت بالله وجمعتها بدون حذف أو إضافة. سائلاً الله - عز وجل - أن يجعل أعمالنا صوابًا خالصة لوجهه الكريم ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229629

    التحميل:

  • اليهود نشأة وتاريخا

    اليهود نشأة وتاريخا : فإن اليهود - كما هو معلوم - هم قتلة الأنبياء! ورسالتهم التي يعيشون من أجلها هي تدمير أخلاق جميع البشر‍! خصوصا المرأة وهذا واضح في جميع المؤتمرات التي عقدت لبحث حقوق المرأة! وبين اليهود صراع خفي وجلي، وكبريات المصائب والأحداث العالمية تحركها أصابع اليهود الخفية. ولهم مع الدعوة النبوية مواقف لا تخفى على أحد وقد أجمع العقلاء على أنهم أصل الإرهاب ومصدره. وأنماط التفكير عندهم فيها خبث ودهاء ومكر وخديعة والتواء ولف ودوران!! كل ذلك تراه مفصلا في أبحاث هذا الكتاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191604

    التحميل:

  • كتاب الصفدية

    كتاب الصفدية : هذا الكتاب يجيب عن التساؤل هل معجزات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم قوى نفسانية؟

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272837

    التحميل:

  • الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة

    الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة: هذه رسائل شخصية بحتة، كتبها الشيخ المربي العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي إلى تلميذه صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل - رحمهما الله -، تارةً يُوجِّه نصيحةً أبويَّةً حانيةً لمناسبةٍ تستدعي ذلك، وتارةً يُجمِل له أخبار بلدِه عنيزة مع بعض الأخبار الأخرى، وتارةً يُجيبُه عن أسئلةٍ واستفسارات. - قام بإخراج الرسائل: هيثم بن جواد الحداد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371022

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة