Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 74

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ۚ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74) (التوبة) mp3
رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْجُلَاس بْن سُوَيْد بْن الصَّامِت , وَوَدِيعَة بْن ثَابِت ; وَقَعُوا فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : وَاَللَّه لَئِنْ كَانَ مُحَمَّد صَادِقًا عَلَى إِخْوَاننَا الَّذِينَ هُمْ سَادَاتنَا وَخِيَارنَا لَنَحْنُ شَرّ مِنْ الْحَمِير . فَقَالَ لَهُ عَامِر بْن قَيْس : أَجَل وَاَللَّه إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِق مُصَدَّق ; وَإِنَّك لَشَرّ مِنْ حِمَار . وَأَخْبَرَ عَامِر بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَجَاءَ الْجُلَاس فَحَلَفَ بِاَللَّهِ عِنْد مِنْبَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَامِرًا لَكَاذِب . وَحَلَفَ عَامِر لَقَدْ قَالَ , وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيّك الصَّادِق شَيْئًا , فَنَزَلَتْ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي سَمِعَهُ عَاصِم بْن عَدِيّ . وَقِيلَ حُذَيْفَة . وَقِيلَ : بَلْ سَمِعَهُ وَلَد اِمْرَأَته وَاسْمه عُمَيْر بْن سَعْد ; فِيمَا قَالَ اِبْن إِسْحَاق . وَقَالَ غَيْره : اِسْمه مُصْعَب . فَهَمَّ الْجُلَاس بِقَتْلِهِ لِئَلَّا يُخْبِر بِخَبَرِهِ ; فَفِيهِ نَزَلَ : " وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا " . قَالَ مُجَاهِد : وَكَانَ الْجُلَاس لَمَّا قَالَ لَهُ صَاحِبه إِنِّي سَأُخْبِرُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِك هَمَّ بِقَتْلِهِ , ثُمَّ لَمْ يَفْعَل , عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ , ذَلِكَ هِيَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ " وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا " . وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , رَأَى رَجُلًا مِنْ غِفَار يَتَقَاتَل مَعَ رَجُل مِنْ جُهَيْنَة , وَكَانَتْ جُهَيْنَة حُلَفَاء الْأَنْصَار , فَعَلَا الْغِفَارِيّ الْجُهَنِيّ . فَقَالَ اِبْن أُبَيّ : يَا بَنِي الْأَوْس وَالْخَزْرَج , اُنْصُرُوا أَخَاكُمْ فَوَاَللَّهِ مَا مَثَلنَا وَمَثَل مُحَمَّد إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل : سَمِّنْ كَلْبَك يَأْكُلك , وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة لِيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . فَأُخْبِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , فَجَاءَهُ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقَوْل ثَالِث أَنَّهُ قَوْل جَمِيع الْمُنَافِقِينَ ; قَالَهُ الْحَسَن . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح ; لِعُمُومِ الْقَوْل وَوُجُود الْمَعْنَى فِيهِ وَفِيهِمْ , وَجُمْلَة ذَلِكَ اِعْتِقَادهمْ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ .


قَالَ النَّقَّاش : تَكْذِيبهمْ بِمَا وَعَدَ اللَّه مِنْ الْفَتْح . وَقِيلَ : " كَلِمَة الْكُفْر " قَوْل الْجُلَاس : إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد حَقًّا لَنَحْنُ أَشَرّ مِنْ الْحَمِير . وَقَوْل عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : كَلِمَة الْكُفْر سَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالطَّعْن فِي الْإِسْلَام .


أَيْ بَعْد الْحُكْم بِإِسْلَامِهِمْ . فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُفَّار , وَفِي قَوْله تَعَالَى : " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا " [ الْمُنَافِقُونَ : 3 ] دَلِيل قَاطِع . وَدَلَّتْ الْآيَة أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْكُفْر يَكُون بِكُلِّ مَا يُنَاقِض التَّصْدِيق وَالْمَعْرِفَة ; وَإِنْ كَانَ الْإِيمَان لَا يَكُون إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه دُون غَيْره مِنْ الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال إِلَّا فِي الصَّلَاة . قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : وَلَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الصَّلَاة عَلَى شَيْء لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ فِي سَائِر الشَّرَائِع ; لِأَنَّهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ قَالُوا : مَنْ عُرِفَ بِالْكُفْرِ ثُمَّ رَأَوْهُ يُصَلِّي الصَّلَاة فِي وَقْتهَا حَتَّى صَلَّى صَلَوَات كَثِيرَة . وَلَمْ يَعْلَمُوا مِنْهُ إِقْرَارًا بِاللِّسَانِ أَنَّهُ يُحْكَم لَهُ بِالْإِيمَانِ , وَلَمْ يَحْكُمُوا لَهُ فِي الصَّوْم وَالزَّكَاة بِمِثْلِ ذَلِكَ .



يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَتْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْعَقَبَة فِي غَزْوَة تَبُوك , وَكَانُوا اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا . قَالَ حُذَيْفَة : سَمَّاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عَدَّهُمْ كُلّهمْ . فَقُلْت : أَلَا تَبْعَث إِلَيْهِمْ فَتَقْتُلهُمْ ؟ فَقَالَ : ( أَكْرَه أَنْ تَقُول الْعَرَب لَمَّا ظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ أَقْبَلَ يَقْتُلهُمْ بَلْ يَكْفِيهِمْ اللَّه بِالدُّبَيْلَةِ ) . قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الدُّبَيْلَة ؟ قَالَ : ( شِهَاب مِنْ جَهَنَّم يَجْعَلهُ عَلَى نِيَاط فُؤَاد أَحَدهمْ حَتَّى تَزْهَق نَفْسه ) . فَكَانَ كَذَلِكَ . خَرَّجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ . وَقِيلَ هَمُّوا بِعَقْدِ التَّاج عَلَى رَأْس اِبْن أُبَيّ لِيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل مُجَاهِد فِي هَذَا .


أَيْ لَيْسَ يَنْقِمُونَ شَيْئًا ; كَمَا قَالَ النَّابِغَة : وَلَا عَيْب فِيهِمْ غَيْر أَنَّ سُيُوفهمْ بِهِنَّ فُلُول مِنْ قِرَاع الْكَتَائِب وَيُقَال : نَقَمَ يَنْقِم , وَنَقِمَ يَنْقَم ; قَالَ الشَّاعِر فِي الْكَسْر : مَا نَقِمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّة إِلَّا أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا وَقَالَ زُهَيْر : يُؤَخَّر فَيُوضَع فِي كِتَاب فَيُدَّخَر لِيَوْمِ الْحِسَاب أَوْ يُعَجَّل فَيَنْقِمَ يُنْشَد بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْحهَا . قَالَ الشَّعْبِيّ : كَانُوا يَطْلُبُونَ دِيَة فَيَقْضِي لَهُمْ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَغْنَوْا . ذَكَرَ عِكْرِمَة أَنَّهَا كَانَتْ اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا . وَيُقَال : إِنَّ الْقَتِيل كَانَ مَوْلَى الْجُلَاس . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : كَانُوا قَبْل قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَنْك مِنْ الْعَيْش , لَا يَرْكَبُونَ الْخَيْل وَلَا يَحُوزُونَ الْغَنِيمَة , فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَغْنَوْا بِالْغَنَائِمِ . وَهَذَا الْمَثَل مَشْهُور : اِتَّقِ شَرّ مَنْ أَحْسَنْت إِلَيْهِ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : قِيلَ لِلْبَجَلِيِّ أَتَجِدُ فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى اِتَّقِ شَرّ مَنْ أَحْسَنْت إِلَيْهِ ؟ قَالَ نَعَمْ , " وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّه وَرَسُوله مِنْ فَضْله " .



رُوِيَ أَنَّ الْجُلَاس قَامَ حِين نَزَلَتْ الْآيَة فَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ . فَدَلَّ هَذَا عَلَى تَوْبَة الْكَافِر الَّذِي يُسِرّ الْكُفْر وَيُظْهِر الْإِيمَان ; وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه الْفُقَهَاء الزِّنْدِيق . وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاء ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ : تُقْبَل تَوْبَته . وَقَالَ مَالِك : تَوْبَة الزِّنْدِيق لَا تُعْرَف ; لِأَنَّهُ كَانَ يُظْهِر الْإِيمَان وَيُسِرّ الْكُفْر , وَلَا يَعْلَم إِيمَانه إِلَّا بِقَوْلِهِ . وَكَذَلِكَ يَفْعَل الْآن فِي كُلّ حِين , يَقُول : أَنَا مُؤْمِن وَهُوَ يُضْمِر خِلَاف مَا يُظْهِر ; فَإِذَا عُثِرَ عَلَيْهِ وَقَالَ : تُبْتُ , لَمْ يَتَغَيَّر حَاله عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ . فَإِذَا جَاءَنَا تَائِبًا مِنْ قِبَل نَفْسه قَبْل أَنْ يُعْثَر عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَته ; وَهُوَ الْمُرَاد بِالْآيَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم .



أَيْ يُعْرِضُوا عَنْ الْإِيمَان وَالتَّوْبَة


فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ , وَفِي الْآخِرَة بِالنَّارِ .


أَيْ مَانِع يَمْنَعهُمْ


أَيْ مُعِين . وَقَدْ تَقَدَّمَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معرفة الله

    معرفة الله: من هو الله؟ أصل الكلمة: لفظ اسم [الله] - جل جلاله - أصلها عربي، استعملها العرب قبل الإسلام والله جل جلاله الإله الأعلى لا شريك له الذي آمن به العرب في فترة الجاهلية قبل الإسلام لكن بعضهم عبد معه آلهة أخرى وآخرون أشركوا الأصنام في عبادته.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370722

    التحميل:

  • ثلاث رسائل للشيخ السعدي

    ثلاث رسائل للشيخ السعدي : يحتوي هذا الكتاب على ثلاث رسائل وهي: الأولى: حكم إجزاء سُبع البدنة والبقرة عن الشاة في الإهداء وغيره. الثانية: نبذة من آداب المعلمين والمتعلمين. الثالثة: نبذة مختصرة إجمالية عن الإسلام والإشارة إلى مهمات محاسنه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205544

    التحميل:

  • الرد على المنطقيين

    الرد على المنطقيين [ نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان ] : كتاب رد فيه شيخ الإسلام على الفلاسفة وأهل المنطق، وبين فيه ضلالهم وجهلهم وفساد قولهم بما لا مزيد عليه، وهو كتاب سهل العبارة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273056

    التحميل:

  • مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف في مقدة كتابه: «فهذه رسالة مختصرة في «مفهوم الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى»، بيَّنتُ فيها مفهوم الحكمة وضوابطها، وأنواعها، وأركانها، ودرجاتها، وطرق اكتسابها، وقد قسمت البحث إلى تمهيد وأربعة مباحث وتحت كل مبحث مطالب، على النحو الآتي: التمهيد: أهمية الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى. المبحث الأول: مفهوم الحكمة: لغةً وشرعًا. المبحث الثاني: أنواع الحكمة. المبحث الثالث: أركان الحكمة. المبحث الرابع: طرق اكتساب الحكمة».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337986

    التحميل:

  • تحذير أهل الآخرة من دار الدنيا الداثرة

    تحذير أهل الآخرة من دار الدنيا الداثرة : في هذا الكتاب بيان حال الدنيا وخطرها على القلوب. والكتاب نسخة مصورة من إصدار دار الصحابة بتحقيق الشيخ مجدي فتحي السيد - حفظه الله -.

    المدقق/المراجع: مجدي فتحي السيد

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117128

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة