Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 60

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) (التوبة) mp3
خَصَّ اللَّه سُبْحَانه بَعْض النَّاس بِالْأَمْوَالِ دُون بَعْض نِعْمَة مِنْهُ عَلَيْهِمْ , وَجَعَلَ شُكْر ذَلِكَ مِنْهُمْ إِخْرَاج سَهْم يُؤَدُّونَهُ إِلَى مَنْ لَا مَال لَهُ , نِيَابَة عَنْهُ سُبْحَانه فِيمَا ضَمِنَهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض إِلَّا عَلَى اللَّه رِزْقهَا " [ هُود : 6 ] .

" لِلْفُقَرَاءِ " تَبْيِين لِمَصَارِف الصَّدَقَات وَالْمَحَلّ , حَتَّى لَا تَخْرُج عَنْهُمْ . ثُمَّ الِاخْتِيَار إِلَى مَنْ يُقْسَم , هَذَا قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا . كَمَا يُقَال : السَّرْج لِلدَّابَّةِ وَالْبَاب لِلدَّارِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : اللَّام لَام التَّمْلِيك , كَقَوْلِك : الْمَال لِزَيْدٍ وَعَمْرو وَبَكْر , فَلَا بُدّ مِنْ التَّسْوِيَة بَيْن الْمَذْكُورِينَ . قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه : وَهَذَا كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَصْنَافٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ . وَاحْتَجُّوا بِلَفْظَةِ " إِنَّمَا " وَأَنَّهَا تَقْتَضِي الْحَصْر فِي وُقُوف الصَّدَقَات عَلَى الثَّمَانِيَة الْأَصْنَاف وَعَضَّدُوا هَذَا بِحَدِيثِ زِيَاد بْن الْحَارِث الصُّدَائِيّ قَالَ : أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْعَث إِلَى قَوْمِي جَيْشًا فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه اِحْبِسْ جَيْشك فَأَنَا لَك بِإِسْلَامِهِمْ وَطَاعَتهمْ , وَكَتَبْت إِلَى قَوْمِي فَجَاءَ إِسْلَامهمْ وَطَاعَتهمْ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَخَا صُدَاء الْمُطَاع فِي قَوْمه ) . قَالَ : قُلْت بَلْ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ وَهَدَاهُمْ , قَالَ : ثُمَّ جَاءَهُ رَجُل يَسْأَلهُ عَنْ الصَّدَقَات , فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه لَمْ يَرْضَ فِي الصَّدَقَات بِحُكْمِ نَبِيّ وَلَا غَيْره حَتَّى جَزَّأَهَا ثَمَانِيَة أَجْزَاء فَإِنْ كُنْت مِنْ أَهْل تِلْكَ الْأَجْزَاء أَعْطَيْتُك ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ . وَحُكِيَ عَنْ زَيْن الْعَابِدِينَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ قَدْر مَا يُدْفَع مِنْ الزَّكَاة وَمَا تَقَع بِهِ الْكِفَايَة لِهَذِهِ الْأَصْنَاف , وَجَعَلَهُ حَقًّا لِجَمِيعِهِمْ , فَمَنْ مَنَعَهُمْ ذَلِكَ فَهُوَ الظَّالِم لَهُمْ رِزْقهمْ . وَتَمَسَّكَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لَكُمْ " [ الْبَقَرَة : 271 ] . وَالصَّدَقَة مَتَى أُطْلِقَتْ فِي الْقُرْآن فَهِيَ صَدَقَة الْفَرْض . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُمِرْتُ أَنْ آخُذ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ ) . وَهَذَا نَصّ فِي ذِكْر أَحَد الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة قُرْآنًا وَسُنَّة , وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة . وَقَالَ بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ جَمَاعَة . قَالُوا : جَائِز أَنْ يَدْفَعهَا إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِيَة , وَإِلَى أَيّ صِنْف مِنْهَا دُفِعَتْ جَازَ . رَوَى الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش عَنْ حُذَيْفَة فِي قَوْله : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " قَالَ : إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه هَذِهِ الصَّدَقَات لِتَعْرِف وَأَيّ صِنْف مِنْهَا أَعْطَيْت أَجْزَأَك . وَرَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " قَالَ : فِي أَيّهَا وَضَعْت أَجْزَأَ عَنْك . وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم وَغَيْرهمَا . قَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ : حَتَّى اِدَّعَى مَالِك الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ .

قُلْت : يُرِيد إِجْمَاع الصَّحَابَة , فَإِنَّهُ لَا يُعْلَم لَهُمْ مُخَالِف مِنْهُمْ عَلَى مَا قَالَ أَبُو عُمَر , وَاَللَّه أَعْلَم . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاَلَّذِي جَعَلْنَاهُ فَيْصَلًا بَيْننَا وَبَيْنهمْ أَنَّ الْأُمَّة اِتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ كُلّ صِنْف حَظّه لَمْ يَجِب تَعْمِيمه , فَكَذَلِكَ تَعْمِيم الْأَصْنَاف مِثْله . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَاخْتَلَفَ عُلَمَاء اللُّغَة وَأَهْل الْفِقْه فِي الْفَرْق بَيْن الْفَقِير وَالْمِسْكِين عَلَى تِسْعَة أَقْوَال : فَذَهَبَ يَعْقُوب بْن السِّكِّيت وَالْقُتَبِيّ وَيُونُس بْن حَبِيب إِلَى أَنَّ الْفَقِير أَحْسَن حَالًا مِنْ الْمِسْكِين . قَالُوا : الْفَقِير هُوَ الَّذِي لَهُ بَعْض مَا يَكْفِيه وَيُقِيمهُ , وَالْمِسْكِين الَّذِي لَا شَيْء لَهُ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرَّاعِي : ش أَمَّا الْفَقِير الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَته و وَفْق الْعِيَال فَلَمْ يُتْرَك لَهُ سَبَد ش وَذَهَبَ إِلَى هَذَا قَوْم مِنْ أَهْل اللُّغَة وَالْحَدِيث مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة وَالْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب , وَالْوَفْق مِنْ الْمُوَافَقَة بَيْن الشَّيْئَيْنِ كَالِالْتِحَامِ , يُقَال : حَلُوبَته وَفْق عِيَاله أَيْ لَهَا لَبَن قَدْر كِفَايَتهمْ لَا فَضْل فِيهِ , عَنْ الْجَوْهَرِيّ . وَقَالَ آخَرُونَ بِالْعَكْسِ , فَجَعَلُوا الْمِسْكِين أَحْسَن حَالًا مِنْ الْفَقِير . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِين يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْر " [ الْكَهْف : 79 ] . فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَة مِنْ سُفُن الْبَحْر . وَرُبَّمَا سَاوَتْ جُمْلَة مِنْ الْمَال . وَعَضَّدُوهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْر . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا " . فَلَوْ كَانَ الْمِسْكِين أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْفَقِير لَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ , إِذْ يَسْتَحِيل أَنْ يَتَعَوَّذ مِنْ الْفَقْر ثُمَّ يَسْأَل مَا هُوَ أَسْوَأ حَالًا مِنْهُ , وَقَدْ اِسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ وَقَبَضَهُ وَلَهُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ , وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَمَام الْكِفَايَة , وَلِذَلِكَ رَهَنَ دِرْعه . قَالُوا : وَأَمَّا بَيْت الرَّاعِي فَلَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الْفَقِير كَانَتْ لَهُ حَلُوبَة فِي حَال . قَالُوا : وَالْفَقِير مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب الْمَفْقُور الَّذِي نُزِعَتْ فِقَره مِنْ ظَهْره مِنْ شِدَّة الْفَقْر فَلَا حَال أَشَدّ مِنْ هَذِهِ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ " لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض " [ الْبَقَرَة : 273 ] . وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الشَّاعِر : لَمَّا رَأَى لُبَد النُّسُور تَطَايَرَتْ رَفَعَ الْقَوَادِم كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَل أَيْ لَمْ يُطِقْ الطَّيَرَان فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اِنْقَطَعَ صُلْبه وَلَصِقَ بِالْأَرْضِ . ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْأَصْمَعِيّ وَغَيْره , وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَنْ الْكُوفِيِّينَ . وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَأَكْثَر أَصْحَابه . وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل آخَر : أَنَّ الْفَقِير وَالْمِسْكِين سَوَاء , لَا فَرْق بَيْنهمَا فِي الْمَعْنَى وَإِنْ اِفْتَرَقَا فِي الِاسْم , وَهُوَ الْقَوْل الثَّالِث . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ اِبْن الْقَاسِم وَسَائِر أَصْحَاب مَالِك , وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُف .

قُلْت : ظَاهِر اللَّفْظ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِين غَيْر الْفَقِير , وَأَنَّهُمَا صِنْفَانِ , إِلَّا أَنَّ أَحَد الصِّنْفَيْنِ أَشَدّ حَاجَة مِنْ الْآخَر , فَمِنْ هَذَا الْوَجْه يَقْرَب قَوْل مَنْ جَعَلَهُمَا صِنْفًا وَاحِدًا , وَاَللَّه أَعْلَم . وَلَا حُجَّة فِي قَوْل مَنْ اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمَّا السَّفِينَة فَكَانَتْ لِمَسَاكِين " [ الْكَهْف : 79 ] لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون مُسْتَأْجَرَة لَهُمْ , كَمَا يُقَال : هَذِهِ دَار فُلَان إِذَا كَانَ سَاكِنهَا وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي وَصْف أَهْل النَّار : " وَلَهُمْ مَقَامِع مِنْ حَدِيد " [ الْحَجّ : 21 ] فَأَضَافَهَا إِلَيْهِمْ . وَقَالَ تَعَالَى : " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ " [ النِّسَاء : 5 ] . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَال ... ) وَهُوَ كَثِير جِدًّا يُضَاف الشَّيْء إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ . وَمِنْهُ قَوْلهمْ : بَاب الدَّار . وَجُلّ الدَّابَّة , وَسَرْج الْفَرَس , وَشَبَهه . وَيَجُوز أَنْ يُسَمُّوا مَسَاكِين عَلَى جِهَة الرَّحْمَة وَالِاسْتِعْطَاف , كَمَا يُقَال لِمَنْ اُمْتُحِنَ بِنَكْبَةٍ أَوْ دُفِعَ إِلَى بَلِيَّة مِسْكِين . وَفِي الْحَدِيث ( مَسَاكِين أَهْل النَّار ) وَقَالَ الشَّاعِر : مَسَاكِين أَهْل الْحُبّ حَتَّى قُبُورهمْ عَلَيْهَا تُرَاب الذُّلّ بَيْن الْمَقَابِر وَأَمَّا مَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ) الْحَدِيث . رَوَاهُ أَنَس , فَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى هَاهُنَا : التَّوَاضُع لِلَّهِ الَّذِي لَا جَبَرُوت فِيهِ وَلَا نَخْوَة , وَلَا كِبْر وَلَا بَطَر , وَلَا تَكَبُّر وَلَا أَشَر . وَلَقَدْ أَحْسَن أَبُو الْعَتَاهِيَة حَيْثُ قَالَ : إِذَا أَرَدْت شَرِيف الْقَوْم كُلّهمْ فَانْظُرْ إِلَى مَلِك فِي زِيّ مِسْكِين ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللَّه رَغْبَته وَذَاكَ يَصْلُح لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ وَلَيْسَ بِالسَّائِلِ , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَرِهَ السُّؤَال وَنَهَى عَنْهُ , وَقَالَ فِي اِمْرَأَة سَوْدَاء أَبَتْ أَنْ تَزُول لَهُ عَنْ الطَّرِيق : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا جَبَّارَة ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَحُصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْض " [ الْبَقَرَة : 273 ] فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُون لَهُمْ شَيْء . وَاَللَّه أَعْلَم . وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَاب مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَنَّهُمَا سَوَاء حَسَن . وَيَقْرَب مِنْهُ مَا قَالَهُ مَالِك فِي كِتَاب اِبْن سَحْنُون , قَالَ : الْفَقِير الْمُحْتَاج الْمُتَعَفِّف , وَالْمِسْكِين السَّائِل , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَهُ الزُّهْرِيّ , وَاخْتَارَهُ اِبْن شَعْبَان وَهُوَ الْقَوْل الرَّابِع . وَقَوْل خَامِس : قَالَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة : الْفَقِير الَّذِي لَهُ الْمَسْكَن وَالْخَادِم إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ . وَالْمِسْكِين الَّذِي لَا مَال لَهُ .

قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل عَكْس مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ : أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : أَلَك اِمْرَأَة تَأْوِي إِلَيْهَا ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : أَلَك مَسْكَن تَسْكُنهُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ : فَأَنْتَ مِنْ الْأَغْنِيَاء . قَالَ : فَإِنَّ لِي خَادِمًا قَالَ : فَأَنْتَ مِنْ الْمُلُوك . وَقَوْل سَادِس : رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْفُقَرَاء مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , وَالْمَسَاكِين مِنْ الْأَعْرَاب الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا وَقَالَهُ الضَّحَّاك . وَقَوْل سَابِع : وَهُوَ أَنَّ الْمِسْكِين الَّذِي يَخْشَع وَيَسْتَكِنّ وَإِنْ لَمْ يَسْأَل . وَالْفَقِير الَّذِي يَتَحَمَّل وَيَقْبَل الشَّيْء سِرًّا وَلَا يَخْشَع , قَالَهُ عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن . وَقَوْل ثَامِن قَالَهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالزُّهْرِيّ - الْمَسَاكِين الطَّوَّافُونَ , وَالْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ . وَقَوْل تَاسِع قَالَهُ عِكْرِمَة أَيْضًا - أَنَّ الْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ , وَالْمَسَاكِين فُقَرَاء أَهْل الْكِتَاب . وَسَيَأْتِي .

وَهِيَ فَائِدَة الْخِلَاف فِي الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين , هَلْ هُمَا صِنْف وَاحِد أَوْ أَكْثَر تَظْهَر فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَاله لِفُلَانٍ وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين , فَمَنْ قَالَ هُمَا صِنْف وَاحِد قَالَ : يَكُون لِفُلَانٍ نِصْف الثُّلُث وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين نِصْف الثُّلُث الثَّانِي . وَمَنْ قَالَ هُمَا صِنْفَانِ يَقْسِم الثُّلُث بَيْنهمْ أَثْلَاثًا .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حَدّ الْفَقْر الَّذِي يَجُوز مَعَهُ الْأَخْذ - بَعْد إِجْمَاع أَكْثَر مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم - أَنَّ مَنْ لَهُ دَارًا وَخَادِمًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ مِنْ الزَّكَاة , وَلِلْمُعْطِي أَنْ يُعْطِيه . وَكَانَ مَالِك يَقُول : إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَن الدَّار وَالْخَادِم فَضْلَة عَمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُمَا جَازَ لَهُ الْأَخْذ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ , ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر . وَبِقَوْلِ مَالِك قَالَ النَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : مَنْ مَعَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا أَوْ مِائَتَا دِرْهَم فَلَا يَأْخُذ مِنْ الزَّكَاة . فَاعْتَبَرَ النِّصَاب لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أُمِرْت أَنْ آخُذ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ ) . وَهَذَا وَاضِح , وَرَوَاهُ الْمُغِيرَة عَنْ مَالِك . وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَغَيْرهمْ : لَا يَأْخُذ مَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قَدْرهَا مِنْ الذَّهَب , وَلَا يُعْطِي مِنْهَا أَكْثَر مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا إِلَّا أَنْ يَكُون غَارِمًا , قَالَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق . وَحُجَّة هَذَا الْقَوْل مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِرَجُلٍ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ) . فِي إِسْنَاده عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق ضَعِيف , وَعَنْهُ بَكْر بْن خُنَيْس ضَعِيف أَيْضًا . وَرَوَاهُ حَكِيم بْن جُبَيْر عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه , وَقَالَ : ( خَمْسُونَ دِرْهَمًا ) وَحَكِيم بْن جُبَيْر ضَعِيف تَرَكَهُ شُعْبَة وَغَيْره , قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رَحِمَهُ اللَّه . وَقَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا الْحَدِيث يَدُور عَلَى حَكِيم بْن جُبَيْر وَهُوَ مَتْرُوك . وَعَنْ عَلِيّ وَعَبْد اللَّه قَالَا : لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِمَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتهَا مِنْ الذَّهَب , ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : لَا يَأْخُذ مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَنْ مَالِك . وَحُجَّة هَذَا الْقَوْل مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ سَأَلَ النَّاس وَهُوَ غَنِيّ جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَفِي وَجْهه كُدُوح وَخُدُوش ) . فَقِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا غِنَاؤُهُ ؟ قَالَ : ( أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ) . وَفِي حَدِيث مَالِك عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي أَسَد فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّة أَوْ عَدْلهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا وَالْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ) . وَالْمَشْهُور عَنْ مَالِك مَا رَوَاهُ اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ : هَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاة مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ أَبُو عُمَر : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَوَّل قَوِيًّا عَلَى الِاكْتِسَاب حَسَن التَّصَرُّف . وَالثَّانِي ضَعِيفًا عَنْ الِاكْتِسَاب , أَوْ مَنْ لَهُ عِيَال . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر . مَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْكَسْب وَالتَّحَرُّف مَعَ قُوَّة الْبَدَن وَحُسْن التَّصَرُّف حَتَّى يُغْنِيه ذَلِكَ عَنْ النَّاس فَالصَّدَقَة عَلَيْهِ حَرَام . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّة سَوِيّ ) رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَرَوَى جَابِر قَالَ : جَاءَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَة فَرَكِبَهُ النَّاس , فَقَالَ : ( إِنَّهَا لَا تَصْلُح لِغَنِيٍّ وَلَا لِصَحِيحٍ وَلَا لِعَامِلٍ ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَهُوَ يَقْسِم الصَّدَقَة فَسَأَلَاهُ مِنْهَا , فَرَفَعَ فِينَا النَّظَر وَخَفَضَهُ , فَرَآنَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ : ( إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِب ) . وَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ غَنِيًّا بِكَسْبِهِ كَغِنَى غَيْره بِمَالِهِ فَصَارَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا غَنِيًّا عَنْ الْمَسْأَلَة . وَقَالَهُ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد , وَحَكَاهُ عَنْ الْمَذْهَب . وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّل عَلَيْهِ , فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِيهَا الْفُقَرَاء وَوُقُوفهَا عَلَى الزَّمِن بَاطِل . قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه : إِذَا كَانَ الرَّجُل قَوِيًّا مُحْتَاجًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْده شَيْء فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَجْزَأَ عَنْ الْمُتَصَدِّق عِنْد أَهْل الْعِلْم . وَوَجْه الْحَدِيث عِنْد بَعْض أَهْل الْعِلْم عَلَى الْمَسْأَلَة . وَقَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَالظَّاهِر يَقْتَضِي جَوَاز ذَلِكَ , لِأَنَّهُ فَقِير مَعَ قُوَّته وَصِحَّة بَدَنه . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن : مَنْ لَا يَكُون لَهُ مَا يَكْفِيه وَيُقِيمهُ سَنَة فَإِنَّهُ يُعْطَى الزَّكَاة . وَحُجَّته مَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب عَنْ مَالِك بْن أَوْس بْن الْحَدَثَانِ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدَّخِر مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْهِ قُوت سَنَة , ثُمَّ يَجْعَل مَا سِوَى ذَلِكَ فِي الْكُرَاع وَالسِّلَاح مَعَ قَوْله تَعَالَى : " وَوَجَدَك عَائِلًا فَأَغْنَى " [ الضُّحَى : 8 ] . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : لِكُلِّ وَاحِد أَنْ يَأْخُذ مِنْ الصَّدَقَة فِيمَا لَا بُدّ لَهُ مِنْهُ . وَقَالَ قَوْم : مَنْ عِنْده عَشَاء لَيْلَة فَهُوَ غَنِيّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَة عَنْ ظَهْر غِنًى اِسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضْف جَهَنَّم ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَمَا ظَهْر الْغِنَى ؟ قَالَ : ( عَشَاء لَيْلَة ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : فِي إِسْنَاده عَمْرو بْن خَالِد وَهُوَ مَتْرُوك . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ سَهْل بْن الْحَنْظَلِيَّة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِ : ( مَنْ سَأَلَ وَعِنْده مَا يُغْنِيه فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِر مِنْ النَّار ) . وَقَالَ النُّفَيْلِيّ فِي مَوْضِع آخَر ( مِنْ جَمْر جَهَنَّم ) . فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا يُغْنِيه ؟ وَقَالَ النُّفَيْلِيّ فِي مَوْضِع آخَر : وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا تَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَة ؟ قَالَ : ( قَدْر مَا يُغَدِّيه وَيُعَشِّيه ) . وَقَالَ النُّفَيْلِيّ فِي مَوْضِع آخَر : ( أَنْ يَكُون لَهُ شِبَع يَوْم وَلَيْلَة أَوْ لَيْلَة وَيَوْم ) .

قُلْت : فَهَذَا مَا جَاءَ فِي بَيَان الْفَقْر الَّذِي يَجُوز مَعَهُ الْأَخْذ . وَمُطْلَق لَفْظ الْفُقَرَاء لَا يَقْتَضِي الِاخْتِصَاص بِالْمُسْلِمِينَ دُون أَهْل الذِّمَّة , وَلَكِنْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَار فِي أَنَّ الصَّدَقَات تُؤْخَذ مِنْ أَغْنِيَاء الْمُسْلِمِينَ فَتُرَدّ فِي فُقَرَائِهِمْ . وَقَالَ عِكْرِمَة : الْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ , وَالْمَسَاكِين فُقَرَاء أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْعَبْسِيّ : رَأَى عُمَر بْن الْخَطَّاب ذِمِّيًّا مَكْفُوفًا مَطْرُوحًا عَلَى بَاب الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ عُمَر : مَا لَك ؟ قَالَ : اسْتَكْرُونِي فِي هَذِهِ الْجِزْيَة , حَتَّى إِذَا كُفَّ بَصَرِي تَرَكُونِي وَلَيْسَ لِي أَحَد يَعُود عَلَيَّ بِشَيْءٍ . فَقَالَ عُمَر : مَا أُنْصِفْت إِذًا , فَأَمَرَ لَهُ بِقُوتِهِ وَمَا يُصْلِحهُ . ثُمَّ قَالَ : ( هَذَا مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " الْآيَة . وَهُمْ زَمْنَى أَهْل الْكِتَاب ) وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين " الْآيَة , وَقَابَلَ الْجُمْلَة بِالْجُمْلَةِ وَهِيَ جُمْلَة الصَّدَقَة بِجُمْلَةِ الْمَصْرِف بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ , فَقَالَ لِمُعَاذٍ حِين أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَن : ( أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّه اِفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة تُؤْخَذ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدّ فِي فُقَرَائِهِمْ ) . فَاخْتَصَّ أَهْل كُلّ بَلَد بِزَكَاةِ بَلَده . وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ زِيَادًا أَوْ بَعْض الْأُمَرَاء بَعَثَ عِمْرَان بْن حُصَيْن عَلَى الصَّدَقَة , فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِعِمْرَان : أَيْنَ الْمَال ؟ قَالَ : وَلِلْمَالِ أَرْسَلَتْنِي أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذهَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعهَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدِّق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ الصَّدَقَة مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا فَكُنْت غُلَامًا يَتِيمًا فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدِيث اِبْن أَبِي جُحَيْفَة حَدِيث حَسَن .

اِعْلَمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " لِلْفُقَرَاءِ " مُطْلَق لَيْسَ فِيهِ شَرْط وَتَقْيِيد , بَلْ فِيهِ دَلَالَة عَلَى جَوَاز الصَّرْف إِلَى جُمْلَة الْفُقَرَاء كَانُوا مِنْ بَنِي هَاشِم أَوْ غَيْرهمْ , إِلَّا أَنَّ السُّنَّة وَرَدَتْ بِاعْتِبَارِ شُرُوط : مِنْهَا أَلَّا يَكُونُوا مِنْ بَنِي هَاشِم وَأَلَّا يَكُونُوا مِمَّنْ تَلْزَم الْمُتَصَدِّقَ نَفَقَتُهُ . وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ . وَشَرْط ثَالِث أَلَّا يَكُون قَوِيًّا عَلَى الِاكْتِسَاب , لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( لَا تَحِلّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّة سَوِيّ ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ . وَلَا خِلَاف بَيْن عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لَا تَحِلّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا لِبَنِي هَاشِم وَلَا لِمَوَالِيهِمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُف جَوَاز صَرْف صَدَقَة الْهَاشِمِيّ لِلْهَاشِمِيِّ , حَكَاهُ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ . وَشَذَّ بَعْض أَهْل الْعِلْم فَقَالَ : إِنَّ مَوَالِي بَنِي هَاشِم لَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ شَيْء مِنْ الصَّدَقَات . وَهَذَا خِلَاف الثَّابِت عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ قَالَ لِأَبِي رَافِع مَوْلَاهُ : ( وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ )

وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاء فِي نَقْل الزَّكَاة عَنْ مَوْضِعهَا عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال [ الْأَوَّل ] لَا تُنْقَل , قَالَهُ سَحْنُون وَابْن الْقَاسِم , وَهُوَ الصَّحِيح لِمَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ اِبْن الْقَاسِم أَيْضًا : وَإِنْ نُقِلَ بَعْضهَا لِضَرُورَةٍ رَأَيْته صَوَابًا . وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُون أَنَّهُ قَالَ : وَلَوْ بَلَغَ الْإِمَام أَنَّ بِبَعْضِ الْبِلَاد حَاجَة شَدِيدَة جَازَ لَهُ نَقْل بَعْض الصَّدَقَة الْمُسْتَحَقَّة لِغَيْرِهِ إِلَيْهِ , فَإِنَّ الْحَاجَة إِذَا نَزَلَتْ وَجَبَ تَقْدِيمهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ ( وَالْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِم لَا يُسْلِمهُ وَلَا يَظْلِمهُ ) . [ وَالْقَوْل الثَّانِي ] تُنْقَل . وَقَالَهُ مَالِك أَيْضًا . وَحُجَّة هَذَا الْقَوْل مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ لِأَهْلِ الْيَمَن : ايتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيس آخُذهُ مِنْكُمْ مَكَان الذُّرَة وَالشَّعِير فِي الصَّدَقَة فَإِنَّهُ أَيْسَر عَلَيْكُمْ وَأَنْفَع لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْره . وَالْخَمِيس لَفْظ مُشْتَرَك , وَهُوَ هُنَا الثَّوْب طُوله خَمْس أَذْرُع . وَيُقَال : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّل مَنْ عَمِلَهُ الْخِمْس مَلِك مِنْ مُلُوك الْيَمَن , ذَكَرَهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل وَالْجَوْهَرِيّ أَيْضًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيلَانِ : أَحَدهمَا : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَقْل الزَّكَاة مِنْ الْيَمَن إِلَى الْمَدِينَة , فَيَتَوَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِسْمَتهَا . وَيَعْضُد هَذَا قَوْله تَعَالَى : " إِنَّمَا الصَّدَقَات لِلْفُقَرَاءِ " وَلَمْ يَفْصِل بَيْن فَقِير بَلَد وَفَقِير آخَر . وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّانِي : أَخْذ الْقِيمَة فِي الزَّكَاة . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي إِخْرَاج الْقِيَم فِي الزَّكَاة , فَأَجَازَ ذَلِكَ مَرَّة وَمَنَعَ مِنْهُ أُخْرَى , فَوَجْه الْجَوَاز - وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة - هَذَا الْحَدِيث . وَثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ بَلَغَتْ عِنْده مِنْ الْإِبِل صَدَقَة الْجَذَعَة وَلَيْسَتْ عِنْده جَذَعَة وَعِنْده حِقَّة فَإِنَّهُ تُؤْخَذ مِنْهُ وَمَا اسْتَيْسَرْنَا مِنْ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ... ) . الْحَدِيث . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَال هَذَا الْيَوْم ) يَعْنِي يَوْم الْفِطْر . وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُغْنَوْا بِمَا يَسُدّ حَاجَتهمْ , فَأَيّ شَيْء سَدَّ حَاجَتهمْ جَازَ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " [ التَّوْبَة : 103 ] وَلَمْ يَخُصّ شَيْئًا مِنْ شَيْء . وَلَا يَدْفَع عِنْد أَبِي حَنِيفَة سُكْنَى دَار بَدَل الزَّكَاة , مِثْل أَنْ يَجِب عَلَيْهِ خَمْسَة دَرَاهِم فَأَسْكَنَ فِيهَا فَقِيرًا شَهْرًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوز . قَالَ : لِأَنَّ السُّكْنَى لَيْسَ بِمَالٍ . وَوَجْه قَوْله : لَا تَجْزِي الْقِيَم - وَهُوَ ظَاهِر الْمَذْهَب - فَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( فِي خَمْس مِنْ الْإِبِل شَاة وَفِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة ) فَنَصَّ عَلَى الشَّاة , فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا لَمْ يَأْتِ بِمَأْمُورٍ بِهِ , وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فَالْأَمْر بَاقٍ عَلَيْهِ . [ الْقَوْل الثَّالِث ] وَهُوَ أَنَّ سَهْم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين يُقْسَم فِي الْمَوْضِع , وَسَائِر السِّهَام تُنْقَل بِاجْتِهَادِ الْإِمَام . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَهَلْ الْمُعْتَبَر مَكَان الْمَال وَقْت تَمَام الْحَوْل فَتُفَرَّق الصَّدَقَة فِيهِ , أَوْ مَكَان الْمَالِك إِذْ هُوَ الْمُخَاطَب , قَوْلَانِ . وَاخْتَارَ الثَّانِي أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن خُوَيْز مِنْدَاد فِي أَحْكَامه قَالَ : لِأَنَّ الْإِنْسَان هُوَ الْمُخَاطَب بِإِخْرَاجِهَا فَصَارَ الْمَال تَبَعًا لَهُ , فَيَجِب أَنْ يَكُون الْحُكْم فِيهِ بِحَيْثُ الْمُخَاطَب . كَابْنِ السَّبِيل فَإِنَّهُ يَكُون غَنِيًّا فِي بَلَده فَقِيرًا فِي بَلَد آخَر , فَيَكُون الْحُكْم لَهُ حَيْثُ هُوَ .

مَسْأَلَة : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِيمَنْ أَعْطَى فَقِيرًا مُسْلِمًا فَانْكَشَفَ فِي ثَانِي حَال أَنَّهُ أَعْطَى عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ غَنِيًّا , فَقَالَ مَرَّة : تَجْزِيه وَمَرَّة لَا تَجْزِيه . وَجْه الْجَوَاز - وَهُوَ الْأَصَحّ - مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قَالَ رَجُل لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَة بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّق اللَّيْلَة عَلَى زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى زَانِيَة لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَد غَنِيّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّق عَلَى غَنِيّ قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى غَنِيّ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَد سَارِق فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّق عَلَى سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد عَلَى زَانِيَة وَعَلَى غَنِيّ وَعَلَى سَارِق فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتك فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَة فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يَعْتَبِر فَيُنْفِق مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّه وَلَعَلَّ السَّارِق يَسْتَعِفّ بِهَا عَنْ سَرِقَته ) . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَخْرَجَ زَكَاة مَاله فَأَعْطَاهَا أَبَاهُ , فَلَمَّا أَصْبَحَ عَلِمَ بِذَلِكَ , فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : ( قَدْ كُتِبَ لَك أَجْر زَكَاتك وَأَجْر صِلَة الرَّحِم فَلَك أَجْرَانِ ) . وَمِنْ جِهَة الْمَعْنَى أَنَّهُ سَوَّغَ لَهُ الِاجْتِهَاد فِي الْمُعْطَى , فَإِذَا اجْتَهَدَ وَأَعْطَى مَنْ يَظُنّهُ مِنْ أَهْلهَا فَقَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ . وَوَجْه قَوْله : لَا يَجْزِي . أَنَّهُ لَمْ يَضَعهَا فِي مُسْتَحَقّهَا , فَأَشْبَهَ الْعَمْد , وَلِأَنَّ الْعَمْد وَالْخَطَأ فِي ضَمَان الْأَمْوَال وَاحِد فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَن مَا أَتْلَفَ عَلَى الْمَسَاكِين حَتَّى يُوصِلهُ إِلَيْهِمْ .

فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاة عِنْد مَحِلّهَا فَهَلَكَتْ مِنْ غَيْر تَفْرِيط لَمْ يَضْمَن , لِأَنَّهُ وَكِيل لِلْفُقَرَاءِ . فَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْد ذَلِكَ بِمُدَّةٍ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ , لِتَأْخِيرِهَا عَنْ مَحَلّهَا فَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ فَلِذَلِكَ ضَمِنَ وَاَللَّه أَعْلَم .

وَإِذَا كَانَ الْإِمَام يَعْدِل فِي الْأَخْذ وَالصَّرْف لَمْ يَسُغْ لِلْمَالِكِ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّرْف بِنَفْسِهِ فِي النَّاضّ وَلَا فِي غَيْره . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ زَكَاة النَّاضّ عَلَى أَرْبَابه . وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُون : ذَلِكَ إِذَا كَانَ الصَّرْف لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين خَاصَّة , فَإِنْ اُحْتِيجَ إِلَى صَرْفهَا لِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَصْنَاف فَلَا يُفَرِّق عَلَيْهِمْ إِلَّا الْإِمَام . وَفُرُوع هَذَا الْبَاب كَثِيرَة , هَذِهِ أُمَّهَاتهَا .



يَعْنِي السُّعَاة وَالْجُبَاة الَّذِينَ يَبْعَثهُمْ الْإِمَام لِتَحْصِيلِ الزَّكَاة بِالتَّوْكِيلِ عَلَى ذَلِكَ . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ قَالَ : اِسْتَعْمَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْد عَلَى صَدَقَات بَنِي سُلَيْم يُدْعَى اِبْن اللُّتْبِيَّة , فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمِقْدَار الَّذِي يَأْخُذُونَهُ عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : قَالَ مُجَاهِد وَالشَّافِعِيّ : هُوَ الثُّمُن . اِبْن عُمَر وَمَالك : يُعْطَوْنَ قَدْر عَمَلهمْ مِنْ الْأُجْرَة , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه . قَالُوا : لِأَنَّهُ عَطَّلَ نَفْسه لِمَصْلَحَةِ الْفُقَرَاء , فَكَانَتْ كِفَايَته وَكِفَايَة أَعْوَانه فِي مَالهمْ , كَالْمَرْأَةِ لَمَّا عَطَّلَتْ نَفْسهَا لِحَقِّ الزَّوْج كَانَتْ نَفَقَتهَا وَنَفَقَة أَتْبَاعهَا مِنْ خَادِم أَوْ خَادِمَيْنِ عَلَى زَوْجهَا . وَلَا تُقَدَّر بِالثَّمَنِ , بَلْ تُعْتَبَر الْكِفَايَة ثَمَنًا كَانَ أَوْ أَكْثَر , كَرِزْقِ الْقَاضِي . وَلَا تُعْتَبَر كِفَايَة الْأَعْوَان فِي زَمَاننَا لِأَنَّهُ إِسْرَاف مَحْض . الْقَوْل الثَّالِث - يُعْطَوْنَ مِنْ بَيْت الْمَال . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا قَوْل صَحِيح عَنْ مَالِك بْن أَنَس مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي أُوَيْس وَدَاوُد بْن سَعِيد بْن زنبوعة , وَهُوَ ضَعِيف دَلِيلًا , فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ أَخْبَرَ بِسَهْمِهِمْ فِيهَا نَصًّا فَكَيْفَ يُخْلَفُونَ عَنْهُ اِسْتِقْرَاء وَسَبْرًا . وَالصَّحِيح الِاجْتِهَاد فِي قَدْر الْأُجْرَة , لِأَنَّ الْبَيَان فِي تَعْدِيد الْأَصْنَاف إِنَّمَا كَانَ لِلْمَحَلِّ لَا لِلْمُسْتَحَقِّ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَامِل إِذَا كَانَ هَاشِمِيًّا , فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَة لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ الصَّدَقَة لَا تَحِلّ لِآلِ مُحَمَّد إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخ النَّاس ) . وَهَذِهِ صَدَقَة مِنْ وَجْه , لِأَنَّهَا جُزْء مِنْ الصَّدَقَة فَتَلْحَق بِالصَّدَقَةِ مِنْ كُلّ وَجْه كَرَامَة وَتَنْزِيهًا لِقَرَابَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسَالَة النَّاس . وَأَجَازَ عَمَله مَالِك وَالشَّافِعِيّ , وَيُعْطَى أَجْر عِمَالَته , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مُصَدِّقًا , وَبَعَثَهُ عَامِلًا إِلَى الْيَمَن عَلَى الزَّكَاة , وَوَلَّى جَمَاعَة مِنْ بَنِي هَاشِم وَوَلَّى الْخُلَفَاء بَعْده كَذَلِكَ . وَلِأَنَّهُ أَجِير عَلَى عَمَل مُبَاح فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِي فِيهِ الْهَاشِمِيّ وَغَيْره اِعْتِبَارًا بِسَائِرِ الصِّنَاعَات . قَالَتْ الْحَنَفِيَّة : حَدِيث عَلِيّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ فَرَضَ لَهُ مِنْ الصَّدَقَة , فَإِنْ فَرَضَ لَهُ مِنْ غَيْرهَا جَازَ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك .

وَدَلَّ قَوْله تَعَالَى : " وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا " عَلَى أَنَّ كُلّ مَا كَانَ مِنْ فُرُوض الْكِفَايَات كَالسَّاعِي وَالْكَاتِب وَالْقَسَّام وَالْعَاشِر وَغَيْرهمْ فَالْقَائِم بِهِ يَجُوز لَهُ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ . وَمِنْ ذَلِكَ الْإِمَامَة , فَإِنَّ الصَّلَاة وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَجِّهَة عَلَى جَمِيع الْخَلْق فَإِنَّ تَقَدُّم بَعْضهمْ بِهِمْ مِنْ فُرُوض الْكِفَايَات , فَلَا جَرَمَ يَجُوز أَخْذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا . وَهَذَا أَصْل الْبَاب , وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( مَا تَرَكْت بَعْد نَفَقَة نِسَائِي وَمُؤْنَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة ) قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ .




لَا ذِكْر لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبهمْ فِي التَّنْزِيل فِي غَيْر قَسْم الصَّدَقَات , وَهُمْ قَوْم كَانُوا فِي صَدْر الْإِسْلَام مِمَّنْ يُظْهِر الْإِسْلَام , يَتَأَلَّفُونَ بِدَفْعِ سَهْم مِنْ الصَّدَقَة إِلَيْهِمْ لِضَعْفِ يَقِينهمْ . قَالَ الزُّهْرِيّ : الْمُؤَلَّفَة مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا . وَقَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ : اُخْتُلِفَ فِي صِفَتهمْ , فَقِيلَ : هُمْ صِنْف مِنْ الْكُفَّار يُعْطَوْنَ لِيَتَأَلَّفُوا عَلَى الْإِسْلَام , وَكَانُوا لَا يُسْلِمُونَ بِالْقَهْرِ وَالسَّيْف , وَلَكِنْ يُسْلِمُونَ بِالْعَطَاءِ وَالْإِحْسَان . وَقِيلَ : هُمْ قَوْم أَسْلَمُوا فِي الظَّاهِر وَلَمْ تَسْتَيْقِن قُلُوبهمْ , فَيُعْطَوْنَ لِيَتَمَكَّن الْإِسْلَام فِي صُدُورهمْ . وَقِيلَ : هُمْ قَوْم مِنْ عُظَمَاء الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ أَتْبَاع يُعْطَوْنَ لِيَتَأَلَّفُوا أَتْبَاعهمْ عَلَى الْإِسْلَام . قَالَ : وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة وَالْقَصْد بِجَمِيعِهَا الْإِعْطَاء لِمَنْ لَا يَتَمَكَّن إِسْلَامه حَقِيقَة إِلَّا بِالْعَطَاءِ , فَكَأَنَّهُ ضَرْب مِنْ الْجِهَاد .

وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَة أَصْنَاف : صِنْف يَرْجِع بِإِقَامَةِ الْبُرْهَان . وَصِنْف بِالْقَهْرِ . وَصِنْف بِالْإِحْسَانِ . وَالْإِمَام النَّاظِر لِلْمُسْلِمِينَ يَسْتَعْمِل مَعَ كُلّ صِنْف مَا يَرَاهُ سَبَبًا لِنَجَاتِهِ وَتَخْلِيصه مِنْ الْكُفْر . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَنَس , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْنِي لِلْأَنْصَارِ - : ( فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْد بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفهُمْ ... ) الْحَدِيث . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : أَعْطَاهُمْ يَتَأَلَّفهُمْ وَيَتَأَلَّف بِهِمْ قَوْمهمْ . وَكَانُوا أَشْرَافًا , فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى اِبْنه مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى حَكِيم بْن حِزَام مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى الْحَارِث بْن هِشَام مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى سُهَيْل بْن عَمْرو مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى حُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى مِائَة بَعِير , وَأَعْطَى صَفْوَان بْن أُمَيَّة مِائَة بَعِير . وَكَذَلِكَ أَعْطَى مَالِك بْن عَوْف وَالْعَلَاء بْن جَارِيَة . قَالَ : فَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب الْمِئِين . وَأَعْطَى رِجَالًا مِنْ قُرَيْش دُون الْمِائَة مِنْهُمْ مَخْرَمَة بْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ وَعُمَيْر بْن وَهْب الْجُمَحِيّ , وَهِشَام بْن عَمْرو الْعَامِرِيّ . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَهَؤُلَاءِ لَا أَعْرِف مَا أَعْطَاهُمْ . وَأَعْطَى سَعِيد بْن يَرْبُوع خَمْسِينَ بَعِيرًا , وَأَعْطَى عَبَّاس بْن مِرْدَاس السُّلَمِيّ أَبَاعِر قَلِيلَة فَسَخِطَهَا . فَقَالَ فِي ذَلِكَ : كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتهَا بِكَرِّي عَلَى الْمُهْر فِي الْأَجْرَع وَإِيقَاظِي الْقَوْم أَنْ يَرْقُدُوا إِذَا هَجَعَ النَّاس لَمْ أَهْجَع فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْب الْعُبَيْد بَيْن عُيَيْنَة وَالْأَقْرَع وَقَدْ كُنْت فِي الْحَرْب ذَا تُدْرَإٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أَمْنَع إِلَّا أَفَائِل أُعْطِيتهَا عَدِيد قَوَائِمه الْأَرْبَع وَمَا كَانَ حِصْن وَلَا حَابِس يَفُوقَانِ مِرْدَاس فِي الْمَجْمَع وَمَا كُنْت دُون اِمْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَع الْيَوْم لَا يُرْفَع فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِذْهَبُوا فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانه ) فَأَعْطَوْهُ حَتَّى رَضِيَ , فَكَانَ ذَلِكَ قَطْع لِسَانه . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ النُّضَيْر بْن الْحَارِث بْن عَلْقَمَة بْن كِلْدَة , أَخُو النَّضْر بْن الْحَارِث الْمَقْتُول بِبَدْرٍ صَبْرًا . وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّهُ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة , فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَمُحَال أَنْ يَكُون مِنْ الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْض الْحَبَشَة فَهُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِمَّنْ رَسَخَ الْإِيمَان فِي قَلْبه وَقَاتَلَ دُونه , وَلَيْسَ مِمَّنْ يُؤَلَّف عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَاسْتَعْمَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِك بْن عَوْف بْن سَعْد بْن يَرْبُوع النَّصْرِيّ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمه مِنْ قَبَائِل قَيْس , وَأَمَرَهُ بِمُغَاوَرَةِ ثَقِيف فَفَعَلَ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ , وَحَسُنَ إِسْلَامه وَإِسْلَام الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ , حَاشَا عُيَيْنَة بْن حِصْن فَلَمْ يَزَلْ مَغْمُورًا عَلَيْهِ . وَسَائِر الْمُؤَلَّفَة مُتَفَاضِلُونَ , مِنْهُمْ الْخَيِّر الْفَاضِل الْمُجْتَمَع عَلَى فَضْله , كَالْحَارِثِ بْن هِشَام , وَحَكِيم بْن حِزَام , وَعِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل , وَسُهَيْل بْن عَمْرو , وَمِنْهُمْ دُون هَؤُلَاءِ . وَقَدْ فَضَّلَ اللَّه النَّبِيِّينَ وَسَائِر عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض وَهُوَ أَعْلَم بِهِمْ . قَالَ مَالِك : بَلَغَنِي أَنَّ حَكِيم بْن حِزَام أَخْرَجَ مَا كَانَ أَعْطَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ فَتَصَدَّقَ بِهِ بَعْد ذَلِكَ .

قُلْت : حَكِيم بْن حِزَام وَحُوَيْطِب بْن عَبْد الْعُزَّى عَاشَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة سِتِّينَ فِي الْإِسْلَام وَسِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة . وَسَمِعْت الْإِمَام شَيْخنَا الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد عَبْد الْعَظِيم يَقُول : شَخْصَانِ مِنْ الصَّحَابَة عَاشَا فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سَنَة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سَنَة , وَمَاتَا بِالْمَدِينَةِ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ , أَحَدهمَا حَكِيم بْن حِزَام , وَكَانَ مَوْلِده فِي جَوْف الْكَعْبَة قَبْل عَام الْفِيل بِثَلَاث عَشْرَة سَنَة . وَالثَّانِي حَسَّان بْن ثَابِت بْن الْمُنْذِر بْن حَرَام الْأَنْصَارِيّ . وَذَكَرَ هَذَا أَيْضًا أَبُو عُمَر وَعُثْمَان الشَّهْرُزُورِيّ فِي كِتَاب مَعْرِفَة أَنْوَاع عِلْم الْحَدِيث لَهُ , وَلَمْ يَذْكُرَا غَيْرهمَا . وَحُوَيْطِب ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ فِي كِتَاب الْوَفَا فِي شَرَف الْمُصْطَفَى . وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب الصَّحَابَة أَنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَام وَهُوَ اِبْن سِتِّينَ سَنَة , وَمَاتَ وَهُوَ اِبْن مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة . وَذَكَرَ أَيْضًا حَمْنَن بْن عَوْف أَخُو عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , أَنَّهُ عَاشَ فِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سَنَة وَفِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سَنَة . وَقَدْ عُدَّ فِي الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ مُعَاوِيَة وَأَبُوهُ أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب . أَمَّا مُعَاوِيَة فَبَعِيد أَنْ يَكُون مِنْهُمْ , فَكَيْفَ يَكُون مِنْهُمْ وَقَدْ اِئْتَمَنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَحْي اللَّه وَقِرَاءَته وَخَلَطَهُ بِنَفْسِهِ . وَأَمَّا حَاله فِي أَيَّام أَبِي بَكْر فَأَشْهَر مِنْ هَذَا وَأَظْهَر . وَأَمَّا أَبُوهُ فَلَا كَلَام فِيهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ . وَفِي عَدَدهمْ اِخْتِلَاف , وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلّهمْ مُؤْمِن وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَافِر عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم وَأَحْكَم .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي بَقَائِهِمْ , فَقَالَ عُمَر وَالْحَسَن وَالشَّعْبِيّ وَغَيْرهمْ : اِنْقَطَعَ هَذَا الصِّنْف بِعِزِّ الْإِسْلَام وَظُهُوره . وَهَذَا مَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَاب الرَّأْي . قَالَ بَعْض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة : لَمَّا أَعَزَّ اللَّه الْإِسْلَام وَأَهْله وَقَطَعَ دَابِر الْكَافِرِين
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • خطب الجمعة ومسؤوليات الخطباء

    خطب الجمعة ومسؤوليات الخطباء : دراسة من إعداد مجلس الدعوة والإرشاد، وقد جاءت تلك الدراسة على محورين: المحور الأول: عن الخطبة، حيث بين: الغرض منها، وصفة الخطبة وسياقها، وقواعد إعداد الخطبة. المحور الثاني: عن الخطيب ومسؤولياته، شمل: صفات الخطيب، ومسؤولياته وواجباته، والأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142653

    التحميل:

  • الفصول في اختصار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الفصول في اختصار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم : إن حاجة الأمة إلى معرفة سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - والاقتباس من مشكاة النبوة فوق كل حاجة، بل إن ضرورتها إلى ذلك فوق كل ضرورة، وستظل السيرة العطرة الرصيد التاريخي والمنهل الحضاري، والمنهج العلمي والعملي الذي تستمد منه الأجيال المتلاحقة، من ورثة ميراث النبوة وحملة مشاعل الهداية زاد مسيرها، وأصول امتدادها، وعناصر بقائها، فكل من يرجو الله واليوم الآخر يجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوته، والمصطفى - عليه الصلاة والسلام - أسوته: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }. وفي هذا الكتاب بين الحافظ ابن كثير - رحمه الله - مايهم المسلم معرفته من سيرة سيدنا ونبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2459

    التحميل:

  • ملخص فقه العمرة

    يحتوي ملخص فقه العمرة على أغلب المسائل التي يحتاج إليها المعتمر.

    الناشر: موقع الدرر السنية http://www.dorar.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364379

    التحميل:

  • المنظار في بيان كثير من الأخطاء الشائعة

    المنظار في بيان كثير من الأخطاء الشائعة : هذه الرسالة تحتوي على نصائح وتنبيهات على مخالفات للشريعة، شاع غشيانها، وكثر الجهل بحكمها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/167482

    التحميل:

  • إبطال التنديد باختصار شرح كتاب التوحيد

    إبطال التنديد باختصار شرح كتاب التوحيد : يعتبر كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من عُمَدِ كتب الاعتقاد في باب توحيد الإلهية في عصره وما بعده إلى عصرنا الحديث, حيث لقي رواجاً وقبولاً كبيراً, وانتفع به مالا يحصيه إلا الله كثرة في العالم أجمع, ومازال العلماء له شارحين ومبينين ومعلمين. وقد كان من بين أفضل شروحه, شرح حفيد المؤلف سليمان بن عبد الله له, إلا إنه لم يتم في كتابه الشهير بـ "تيسير العزيز الحميد " وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا "إبطال التنديد" قام المؤلف - يرحمه الله - بالتعليق على كتاب التوحيد, مكثراً في نقولاته, وعزوه من شرح حفيد المؤلف المذكور قريباً، مع بعض الزيادات. وقد انتهى الشيخ حمد بن عتيق من تأليف هذا الكتاب في اليوم السابع من شهر شوال سنة 1255هـ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291873

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة