Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 53

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) (التوبة) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل [ الْأُولَى ] قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ فِي الْجَدّ بْن قَيْس إِذْ قَالَ اِئْذَنْ لِي فِي الْقُعُود وَهَذَا مَالِي أُعِينك بِهِ . وَلَفْظ " أَنْفِقُوا " أَمْر , وَمَعْنَاهُ الشَّرْط وَالْجَزَاء . وَهَكَذَا تَسْتَعْمِل الْعَرَب فِي مِثْل هَذَا تَأْتِي بِأَوْ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَة لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّة إِنْ تَقَلَّت وَالْمَعْنَى إِنْ أَسَأْت أَوْ أَحْسَنْت فَنَحْنُ عَلَى مَا تَعْرِفِينَ . وَمَعْنَى الْآيَة : إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُقْبَل مِنْكُمْ . [ الثَّانِيَة ] ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ وَعَزَّ لِمَ لَا يُقْبَل مِنْهُمْ فَقَالَ : " وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَل مِنْهُمْ نَفَقَاتهمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ " [ التَّوْبَة : 54 ] فَكَانَ فِي هَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى أَنَّ أَفْعَال الْكَافِر إِذَا كَانَتْ بِرًّا كَصِلَةِ الْقَرَابَة وَجَبْر الْكَسِير وَإِغَاثَة الْمَلْهُوف لَا يُثَاب عَلَيْهَا وَلَا يَنْتَفِع بِهَا فِي الْآخِرَة , بَيْد أَنَّهُ يُطْعَم بِهَا فِي الدُّنْيَا . دَلِيله مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه , اِبْن جُدْعَان كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يَصِل الرَّحِم وَيُطْعِم الْمِسْكِين فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعه ؟ قَالَ : ( لَا يَنْفَعهُ , إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين ) . وَرُوِيَ عَنْ أَنَس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مُؤْمِنًا حَسَنَة يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَة وَأَمَّا الْكَافِر فَيُطْعَم بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ لِلَّهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَة لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَة يُجْزَى بِهَا ) . وَهَذَا نَصّ . ثُمَّ قِيلَ : هَلْ بِحُكْمِ هَذَا الْوَعْد الصَّادِق لَا بُدّ أَنْ يُطْعَم الْكَافِر وَيُعْطَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ ذَلِكَ مُقَيَّد بِمَشِيئَةِ اللَّه الْمَذْكُورَة فِي قَوْله : " عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَنْ نُرِيد " [ الْإِسْرَاء : 18 ] وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْلَيْنِ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَتَسْمِيَة مَا يَصْدُر عَنْ الْكَافِر حَسَنَة إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ ظَنّ الْكَافِر , وَإِلَّا فَلَا يَصِحّ مِنْهُ قُرْبَة , لِعَدَمِ شَرْطهَا الْمُصَحِّح لَهَا وَهُوَ الْإِيمَان . أَوْ سُمِّيَتْ حَسَنَة لِأَنَّهَا تُشْبِه صُورَة حَسَنَة الْمُؤْمِن ظَاهِرًا . قَوْلَانِ أَيْضًا . [ الثَّالِثَة ] فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ حَكِيم بْن حِزَام أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْ رَسُول اللَّه , أَرَأَيْت أُمُورًا كُنْت أَتَحَنَّث بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ صَدَقَة أَوْ عَتَاقَة أَوْ صِلَة رَحِم أَفِيهَا أَجْر ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْر ) قُلْنَا قَوْله : ( أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْر ) مُخَالِف ظَاهِره لِلْأُصُولِ , لِأَنَّ الْكَافِر لَا يَصِحّ مِنْهُ التَّقَرُّب لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُون مُثَابًا عَلَى طَاعَته , لِأَنَّ مِنْ شَرْط الْمُتَقَرِّب أَنْ يَكُون عَارِفًا بِالْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ , فَإِذَا عَدِمَ الشَّرْط اِنْتَفَى صِحَّة الْمَشْرُوط . فَكَانَ الْمَعْنَى فِي الْحَدِيث : إِنَّك اِكْتَسَبَتْ طِبَاعًا جَمِيلَة فِي الْجَاهِلِيَّة أَكْسَبَتْك عَادَة جَمِيلَة فِي الْإِسْلَام . وَذَلِكَ أَنَّ حَكِيمًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَاشَ مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة , سِتِّينَ فِي الْإِسْلَام وَسِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّة مِائَة رَقَبَة وَحَمَلَ عَلَى مِائَة بَعِير ؟ وَكَذَلِكَ فَعَلَ فِي الْإِسْلَام . وَهَذَا وَاضِح . وَقَدْ قِيلَ : لَا يَبْعُد فِي كَرَم اللَّه أَنْ يُثِيبهُ عَلَى فِعْله ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ , كَمَا يُسْقِط عَنْهُ مَا اِرْتَكَبَهُ فِي حَال كُفْره مِنْ الْآثَام . وَإِنَّمَا لَا يُثَاب مَنْ لَمْ يُسْلِم وَلَا تَابَ , وَمَاتَ كَافِرًا . وَهَذَا ظَاهِر الْحَدِيث . وَهُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه . وَلَيْسَ عَدَم شَرْط الْإِيمَان فِي عَدَم ثَوَاب مَا يَفْعَلهُ مِنْ الْخَيْر ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ مُسْلِمًا بِشَرْطٍ عَقْلِيّ لَا يَتَبَدَّل , وَاَللَّه أَكْرَم مِنْ أَنْ يُضِيع عَمَله إِذَا حَسُنَ إِسْلَامه . وَقَدْ تَأَوَّلَ الْحَرْبِيّ الْحَدِيث عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ : ( أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت ) , أَيْ مَا تَقَدَّمَ لَك مِنْ خَيْر عَمِلْته فَذَلِكَ لَك . كَمَا تَقُول : أَسْلَمْت عَلَى أَلْف دِرْهَم , أَيْ عَلَى أَنْ أَحْرَزَهَا لِنَفْسِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم . [ الرَّابِعَة ] فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ الْعَبَّاس قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَبَا طَالِب كَانَ يَحُوطك وَيَنْصُرك , فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ وَجَدْته فِي غَمَرَات مِنْ النَّار فَأَخْرَجْته إِلَى ضَحْضَاح ) . قِيلَ لَهُ : لَا يَبْعُد أَنْ يُخَفَّف عَنْ الْكَافِر بَعْض الْعَذَاب بِمَا عَمِلَ مِنْ الْخَيْر , لَكِنْ مَعَ اِنْضِمَام شَفَاعَة , كَمَا جَاءَ فِي أَبِي طَالِب . فَأَمَّا غَيْره فَقَدْ أَخْبَرَ التَّنْزِيل بِقَوْلِهِ : " فَمَا تَنْفَعهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ " [ الْمُدَّثِّر : 48 ] . وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ الْكَافِرِينَ : " فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيق حَمِيم " [ الشُّعَرَاء : 100 , 101 ] وَقَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ عِنْده عَمّه أَبُو طَالِب فَقَالَ : ( لَعَلَّهُ تَنْفَعهُ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة فَيُجْعَل فِي ضَحْضَاح مِنْ النَّار يَبْلُغ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغه ) . مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار ) .



أَيْ كَافِرِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رحماء بينهم [ التراحم بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم ]

    رحماء بينهم التراحم بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم: إن البحث عن أسباب الافتراق في الأمة وعلاجها مطلبٌ شرعي، و هي قضية كُبرى، ولها آثارها التي عصفت بالأمة، و سيقتصر البحث عن الرحمة بين أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من آل البيت - عليهم السلام - وسائر الناس، فمع ما جرى بينهم من حروب إلا أنهم رحماء بينهم، و هذه حقيقة وإن تجاهلها القصاصون، وسكت عنها رواة الأخبار، فستبقى تلك الحقيقة ناصعة بيضاء تردّ على أكثر أصحاب الأخبار أساطيرهم وخيالاتهم، التي استغلها أصحاب الأهواء والأطماع السياسية، والأعداءُ لتحقيق مصالحهم وتأصيل الافتراق والاختلاف في هذه الأمة .

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/74652

    التحميل:

  • مفتاح دعوة الرسل

    مفتاح دعوة الرسل: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن تربية النفوس وتزكيتها أمر مهم غفل عنه أمة من الناس، ومع انتشار الخير وكثرة من يسلك طريق الاستقامة إلا أن البعض يروم الصواب ولا يجده وينشد الجادة ويتيه عنها، وقد انبرى لهم الشيطان فاتخذ هؤلاء مطية ومركبًا يسير بهم في لجة الرياء والسمعة والعجب. ولخطورة الأمر وعظمه وردت الجم وأدليت بدلوي ونزعت نزعًا لا أدعي كماله وحسبي منه اجتهاد مقصر ومحبة الخير لي وللمسلمين. وهذا هو الجزء «السابع عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟!» تحت عنوان: «مفتاح دعوة الرسل»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229615

    التحميل:

  • معالم تربوية من سيرة الإمام ابن باز رحمه الله

    معالم تربوية من سيرة الإمام ابن باز رحمه الله: هذه معالم تربوية في سيرة الشيخ ابن باز رحمه الله مُجتزأة من شريط للشيخ محمد الدحيم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1935

    التحميل:

  • شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة

    شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة مجردة عن البدع والخرافات التي ألصقت بها وهي ليست منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314829

    التحميل:

  • الروض المربع شرح زاد المستقنع

    الروض المربع : يحتوي على شرح المتن الحنبلي المشهور زاد المستقنع لأبي النجا موسى الحجاوي.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141396

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة