Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 36

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) (التوبة) mp3
جَمْع شَهْر . فَإِذَا قَالَ الرَّجُل لِأَخِيهِ : لَا أُكَلِّمك الشُّهُور , وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّمهُ حَوْلًا , قَالَهُ بَعْض الْعُلَمَاء . وَقِيلَ : لَا يُكَلِّمهُ أَبَدًا . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَرَى إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّة أَنْ يَقْتَضِي ذَلِكَ ثَلَاثَة أَشْهُر لِأَنَّهُ أَقَلّ الْجَمْع الَّذِي يَقْتَضِيه صِيغَة فُعُول فِي جَمْع فَعْل .


أَيْ فِي حُكْم اللَّه وَفِيمَا كَتَبَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ .


أُعْرِبَتْ " اِثْنَا عَشَر شَهْرًا " دُون نَظَائِرهَا , لِأَنَّ فِيهَا حَرْف الْإِعْرَاب وَدَلِيله . وَقَرَأَ الْعَامَّة " عَشَر " بِفَتْحِ الْعَيْن وَالشِّين . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " عَشْر " بِجَزْمِ الشِّين .


يُرِيد اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَأَعَادَهُ بَعْد أَنْ قَالَ " عِنْد اللَّه " لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَشْيَاء يُوصَف بِأَنَّهُ عِنْد اللَّه , وَلَا يُقَال إِنَّهُ مَكْتُوب فِي كِتَاب اللَّه , كَقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة " [ لُقْمَان : 34 ] .


إِنَّمَا قَالَ " يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض " لِيُبَيِّن أَنَّ قَضَاءَهُ وَقَدَره كَانَ قَبْل ذَلِكَ , وَأَنَّهُ سُبْحَانه وَضَعَ هَذِهِ الشُّهُور وَسَمَّاهَا بِأَسْمَائِهَا عَلَى مَا رَتَّبَهَا عَلَيْهِ يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فِي كُتُبه الْمُنَزَّلَة . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ عِدَّة الشُّهُور عِنْد اللَّه اِثْنَا عَشَر شَهْرًا " . وَحُكْمهَا بَاقٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُزِلْهَا عَنْ تَرْتِيبهَا تَغْيِير الْمُشْرِكِينَ لِأَسْمَائِهَا , وَتَقْدِيم الْمُقَدَّم فِي الِاسْم مِنْهَا . وَالْمَقْصُود مِنْ ذَلِكَ اِتِّبَاع أَمْر اللَّه فِيهَا وَرَفْض مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ تَأْخِير أَسْمَاء الشُّهُور وَتَقْدِيمهَا , وَتَعْلِيق الْأَحْكَام عَلَى الْأَسْمَاء الَّتِي رَتَّبُوهَا عَلَيْهِ , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي خُطْبَته فِي حَجَّة الْوَدَاع : ( أَيّهَا النَّاس إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض . .. ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ جَعْل الْمُحَرَّم صَفَرًا وَصَفَر مُحَرَّمًا لَيْسَ يَتَغَيَّر بِهِ مَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى . وَالْعَامِل فِي " يَوْم " الْمَصْدَر الَّذِي هُوَ " فِي كِتَاب اللَّه " وَلَيْسَ يَعْنِي بِهِ وَاحِد الْكُتُب , لِأَنَّ الْأَعْيَان لَا تَعْمَل فِي الظُّرُوف . وَالتَّقْدِير : فِيمَا كَتَبَ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض . و " عِنْد " مُتَعَلِّق بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْعِدَّة , وَهُوَ الْعَامِل فِيهِ . و " فِي " مِنْ قَوْله : " فِي كِتَاب اللَّه " مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ , هُوَ صِفَة لِقَوْلِهِ : " اِثْنَا عَشَر " . وَالتَّقْدِير : اِثْنَا عَشَر شَهْرًا مَعْدُودَة أَوْ مَكْتُوبَة فِي كِتَاب اللَّه . وَلَا يَجُوز أَنْ تَتَعَلَّق بِعِدَّةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِقَة بَيْن الصِّلَة وَالْمَوْصُول بِخَبَرِ إِنَّ .

هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِب تَعْلِيق الْأَحْكَام مِنْ الْعِبَادَات وَغَيْرهَا إِنَّمَا يَكُون بِالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ الَّتِي تَعْرِفهَا الْعَرَب , دُون الشُّهُور الَّتِي تَعْتَبِرهَا الْعَجَم وَالرُّوم وَالْقِبْط وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى اِثْنَيْ عَشَر شَهْرًا , لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَة الْأَعْدَاد , مِنْهَا مَا يَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ وَمِنْهَا مَا يَنْقُص , وَشُهُور الْعَرَب لَا تَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا يَنْقُص , وَاَلَّذِي يَنْقُص لَيْسَ يَتَعَيَّن لَهُ شَهْر , وَإِنَّمَا تَفَاوُتهَا فِي النُّقْصَان وَالتَّمَام عَلَى حَسَب اِخْتِلَاف سَيْر الْقَمَر فِي الْبُرُوج .



الْأَشْهُر الْحُرُم الْمَذْكُورَة فِي هَذِهِ الْآيَة ذُو الْقِعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب الَّذِي بَيْن جُمَادَى الْآخِرَة وَشَعْبَان , وَهُوَ رَجَب مُضَر , وَقِيلَ لَهُ رَجَب مُضَر لِأَنَّ رَبِيعَة بْن نِزَار كَانُوا يُحَرِّمُونَ شَهْر رَمَضَان وَيُسَمُّونَهُ رَجَبًا . وَكَانَتْ مُضَر تُحَرِّم رَجَبًا نَفْسه , فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : ( الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان ) وَرَفَعَ مَا وَقَعَ فِي اِسْمه مِنْ الِاخْتِلَال بِالْبَيَانِ . وَكَانَتْ الْعَرَب أَيْضًا تُسَمِّيه مُنْصِل الْأَسِنَّة , رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيّ - وَاسْمه عِمْرَان بْن مِلْحَان وَقِيلَ عِمْرَان بْن تَيْم - قَالَ : كُنَّا نَعْبُد الْحَجَر , فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ خَيْر مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَر , فَإِذَا لَمْ نَجِد حَجَرًا جَمَعْنَا حَثْوَة مِنْ تُرَاب ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاءِ فَحَلَبْنَا عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْر رَجَب قُلْنَا مُنْصِل الْأَسِنَّة , فَلَمْ نَدَع رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَة وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَة إِلَّا نَزَعْنَاهَا فَأَلْقَيْنَاهُ .


أَيْ الْحِسَاب الصَّحِيح وَالْعَدَد الْمُسْتَوْفَى . وَرَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : " ذَلِكَ الدِّين " أَيْ ذَلِكَ الْقَضَاء . مُقَاتِل : الْحَقّ . اِبْن عَطِيَّة : وَالْأَصْوَب عِنْدِي أَنْ يَكُون الدِّين هَاهُنَا عَلَى أَشْهَر وُجُوهه , أَيْ ذَلِكَ الشَّرْع وَالطَّاعَة . " الْقَيِّم " أَيْ الْقَائِم الْمُسْتَقِيم , مِنْ قَامَ يَقُوم . بِمَنْزِلَةِ سَيِّد , مَنْ سَادَ يَسُود . أَصْله قَيُّوم .



عَلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس رَاجِعٌ إِلَى جَمِيع الشُّهُور . وَعَلَى قَوْل بَعْضهمْ إِلَى الْأَشْهُر الْحُرُم خَاصَّة , لِأَنَّهُ إِلَيْهَا أَقْرَب وَلَهَا مَزِيَّة فِي تَعْظِيم الظُّلْم , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَا رَفَث وَلَا فُسُوق وَلَا جِدَال فِي الْحَجّ " [ الْبَقَرَة : 197 ] لَا أَنَّ الظُّلْم فِي غَيْر هَذِهِ الْأَيَّام جَائِز عَلَى مَا نُبَيِّنهُ . ثُمَّ قِيلَ : فِي الظُّلْم قَوْلَانِ : أَحَدهمَا لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ بِالْقِتَالِ , ثُمَّ نُسِخَ بِإِبَاحَةِ الْقِتَال فِي جَمِيع الشُّهُور , قَالَهُ قَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالزُّهْرِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : حَلَفَ بِاَللَّهِ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ مَا يَحِلّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَم وَلَا فِي الْأَشْهُر الْحُرُم إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهَا , وَمَا نُسِخَتْ . وَالصَّحِيح الْأَوَّل , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا هَوَازِن بِحُنَيْنٍ وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ , وَحَاصَرَهُمْ فِي شَوَّال وَبَعْض ذِي الْقِعْدَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْبَقَرَة . الثَّانِي - لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ بِارْتِكَابِ الذُّنُوب , لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه إِذَا عَظَّمَ شَيْئًا مِنْ جِهَة وَاحِدَة صَارَتْ لَهُ حُرْمَة وَاحِدَة وَإِذَا عَظَّمَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَات صَارَتْ حُرْمَته مُتَعَدِّدَة فَيُضَاعَف فِيهِ الْعِقَاب بِالْعَمَلِ السَّيِّئ كَمَا يُضَاعَف الثَّوَاب بِالْعَمَلِ الصَّالِح . فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّه فِي الشَّهْر الْحَرَام فِي الْبَلَد الْحَرَام لَيْسَ ثَوَابه ثَوَاب مَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْر الْحَلَال فِي الْبَلَد الْحَرَام . وَمَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْر الْحَلَال فِي الْبَلَد الْحَرَام لَيْسَ ثَوَابه ثَوَاب مَنْ أَطَاعَهُ فِي شَهْر حَلَال فِي بَلَد حَلَال . وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا نِسَاء النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة يُضَاعَف لَهَا الْعَذَاب ضِعْفَيْنِ " [ الْأَحْزَاب : 30 ] .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَنْ قَتَلَ فِي الشَّهْر الْحَرَام خَطَأ , هَلْ تُغَلَّظ عَلَيْهِ الدِّيَة أَمْ لَا , فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : الْقَتْل فِي الشَّهْر الْحَرَام تُغَلَّظ فِيهِ الدِّيَة فِيمَا بَلَغَنَا وَفِي الْحَرَم فَتُجْعَل دِيَة وَثُلُثًا . وَيُزَاد فِي شَبَه الْعَمْد فِي أَسْنَان الْإِبِل . قَالَ الشَّافِعِيّ : تُغَلَّظ الدِّيَة فِي النَّفْس وَفِي الْجِرَاح فِي الشَّهْر الْحَرَام وَفِي الْبَلَد الْحَرَام وَذَوِي الرَّحِم . وَرُوِيَ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه وَابْن شِهَاب وَأَبَان بْن عُثْمَان : مَنْ قَتَلَ فِي الشَّهْر الْحَرَام أَوْ فِي الْحَرَم زِيدَ عَلَى دِيَته مِثْل ثُلُثهَا . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان أَيْضًا . وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَابْن أَبِي لَيْلَى : الْقَتْل فِي الْحِلّ وَالْحَرَم سَوَاء , وَفِي الشَّهْر الْحَرَام وَغَيْره سَوَاء , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ . وَهُوَ الصَّحِيح , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ الدِّيَات وَلَمْ يَذْكُر فِيهَا الْحَرَم وَلَا الشَّهْر الْحَرَام . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ قَتَلَ خَطَأ فِي الشَّهْر الْحَرَام وَغَيْره سَوَاء . فَالْقِيَاس أَنْ تَكُون الدِّيَة كَذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

خَصَّ اللَّه تَعَالَى الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر الْحُرُم بِالذِّكْرِ , وَنَهَى عَنْ الظُّلْم فِيهَا تَشْرِيفًا لَهَا وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي كُلّ الزَّمَان . كَمَا قَالَ : " فَلَا رَفَث وَلَا فُسُوق وَلَا جِدَال فِي الْحَجّ " [ الْبَقَرَة : 197 ] عَلَى هَذَا أَكْثَر أَهْل التَّأْوِيل . أَيْ لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر أَنْفُسكُمْ . وَرَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ " فِي الِاثْنَيْ عَشَر . وَرَوَى قَيْس بْن مُسْلِم عَنْ الْحَسَن عَنْ مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة قَالَ : فِيهِنَّ كُلّهنَّ . فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل : لِمَ قَالَ فِيهِنَّ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب يَقُولُونَ لِمَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى الْعَشَرَة : هُنَّ وَهَؤُلَاءِ فَإِذَا جَاوَزُوا الْعَشَرَة قَالُوا : هِيَ وَهَذِهِ , إِرَادَة أَنْ تُعْرَف تَسْمِيَة الْقَلِيل مِنْ الْكَثِير . وَرُوِيَ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَتَعَجَّب مِنْ فِعْل الْعَرَب هَذَا . وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَا دُون الْعَشَرَة مِنْ اللَّيَالِي : خَلَوْنَ . وَفِيمَا فَوْقهَا خَلَتْ . لَا يُقَال : كَيْفَ جَعَلَ بَعْض الْأَزْمِنَة أَعْظَم حُرْمَة مِنْ بَعْض , فَإِنَّا نَقُول : لِلْبَارِئ تَعَالَى أَنْ يَفْعَل مَا يَشَاء , وَيَخُصّ بِالْفَضِيلَةِ مَا يَشَاء , لَيْسَ لِعَمَلِهِ عِلَّة وَلَا عَلَيْهِ حَجْر , بَلْ يَفْعَل مَا يُرِيد بِحِكْمَتِهِ , وَقَدْ تَظْهَر فِيهِ الْحِكْمَة وَقَدْ تَخْفَى .




" قَاتِلُوا " أَمْر بِالْقِتَالِ . و " كَافَّة " مَعْنَاهُ جَمِيعًا , وَهُوَ مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال . أَيْ مُحِيطِينَ بِهِمْ وَمُجْتَمَعِينَ . قَالَ الزَّجَّاج : مِثْل هَذَا مِنْ الْمَصَادِر عَافَاهُ اللَّه عَافِيَة وَعَاقَبَهُ عَاقِبَة . وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع , وَكَذَا عَامَّة وَخَاصَّة . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : كَانَ الْغَرَض بِهَذِهِ الْآيَة قَدْ تَوَجَّهَ عَلَى الْأَعْيَان ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَجُعِلَ فَرْض كِفَايَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَمْ يُعْلَم قَطُّ مِنْ شَرْع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَلْزَمَ الْأُمَّة جَمِيعًا النَّفْر , وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة الْحَضّ عَلَى قِتَالهمْ وَالتَّحَزُّب عَلَيْهِمْ وَجَمَعَ الْكَلِمَة ثُمَّ قَيَّدَهَا بِقَوْلِهِ : " كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة " فَبِحَسَبِ قِتَالهمْ وَاجْتِمَاعهمْ لَنَا يَكُون فَرْض اِجْتِمَاعنَا لَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الحركة الوهابية

    الحركة الوهابية: لقد واجهت هذه الدعوة المباركة: إمامها وعلماؤها وقادتها ودولتها، وأتباعها وأنصارها ومؤيدوها حيثما كانوا - ولا تزال تواجه - أصنافًا من الخصوم، وأنواعًا من التحديات والمفتريات والدعايات المضادة والخصومات بالباطل، وفي هذا الكتاب رد الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - على مقال للدكتور محمد البهي، أنتقد فيه الوهابية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2731

    التحميل:

  • إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب

    قال المؤلف: أما بعد: فهذه رسالة في «إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب، والتبرج، والسفور، وخلوة الأجنبي بالمرأة، وسفر المرأة بدون محرم، والاختلاط»، وقد قسمتها إلى مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: الحجاب. المبحث الثاني: التبرج. المبحث الثالث: السفور. المبحث الرابع: الخلوة بالمرأة. المبحث الخامس: سفر المرأة بدون محرم. المبحث السادس: شبه دعاة السفور، والرد عليها. المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في الحجاب والسفور. المبحث الثامن: الاختلاط.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364920

    التحميل:

  • قالوا عن الإسلام

    قالوا عن الإسلام : هذا الكتاب يقدم مجموعة من الشهادات المنصفة في حق الإسلام، وقرآنه الكريم ونبيه العظيم، وتاريخه وحضارته ورجاله، وهذه الشهادات صدرت عن أعلام معظمهم من غير المسلمين، فيهم السياسي والأديب والشاعر والعالم، والعسكري، والرجل والمرأة. - يتضمن الكتاب مدخلاً وسبعة فصول، تتفاوت في مساحاتها استناداً إلى حجم المادة المرصودة في كل فصل. حيث يتحدث الفصل الأول عما قيل في (القرآن الكريم)، ويتحدث ثانيها عن (رسول الله صلى الله عليه وسلم): الشخصية والسيرة والحديث والسنة، بينما يتجه ثالثها، وهو أكبرها حجمًا إلى (الإسلام) بكافة جوانبه العقيدية والتشريعية والتعبدية والأخلاقية والسلوكية. أما الفصل الرابع الذي يتميز باتساع رقعته، أسوة بالذي سبقه، فينتقل للحديث عن معطيات الإسلام التاريخية بصدد اثنتين من أهم المسائل: الانتشار ومعاملة غير المسلمين. وهما مسألتان مرتبطتان أشد الارتباط، متداخلتان كنسيج واحد ولذا تم تناولها في إطار فصل واحد. وأما الفصل الخامس الذي يميز هو الآخر باتساعه، فيقف عند المعطيات الحضارية، محاولاً قدر الإمكان تجاوز التفاصيل والجزئيات، مركزًا على الشهادات ذات الطابع الاستنتاجي والتقييمي، وبخاصة تلك التي تتحدث عن أبعاد الدور العالمي الذي لعبته حضارة الإسلام في مجرى التاريخ. أما الفصلان الأخيران الأصغر حجمًا فيعالج أحدهما بعض ما قيل بصدد جانب مهم من النسيج الاجتماعي للإسلام والمجتمع الإسلامي: المرأة والأسرة، ويتناول ثانيهما نماذج من الشهادات التي قيلت عن واقع الإسلام الراهن ومستقبله القريب والبعيد.

    الناشر: الندوة العالمية للشباب الإسلامي http://www.wamy.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/303696

    التحميل:

  • اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث [ جملة ما حكاه عنهم أبو الحسن الأشعري وقرره في مقالاته ]

    اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث : فقد انتسب إلى أبي الحسن الأشعري في هذا العصر كثير من المسلمين، وأطلقوا على أنفسهم الأشاعرة نسبة إليه، وادعوا أنهم ملتزمون بما هو عليه في الاعتقاد وخاصة في مسائل الصفات، والحق أنهم لم يأخذوا بالعقيدة التي اعتنقها إمامهم في نهاية حياته كما في كتاب (الإبانة) و (المقالات)، ومن العجيب أنهم زعموا أن الإمام أبا الحسن الأشعري ألف كتابه (الإبانة) مداراة للحنابلة وتقية، وخوفا منهم على نفسه. وفي هذا الكتاب تحقيق لعقيدة الأشعري - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116962

    التحميل:

  • النوم حكم وأحكام وسنن وآداب

    في هذه الرسالة بين بعض حكم وأحكام وسنن وآداب النوم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233544

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة