Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 36

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) (التوبة) mp3
جَمْع شَهْر . فَإِذَا قَالَ الرَّجُل لِأَخِيهِ : لَا أُكَلِّمك الشُّهُور , وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّمهُ حَوْلًا , قَالَهُ بَعْض الْعُلَمَاء . وَقِيلَ : لَا يُكَلِّمهُ أَبَدًا . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَرَى إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّة أَنْ يَقْتَضِي ذَلِكَ ثَلَاثَة أَشْهُر لِأَنَّهُ أَقَلّ الْجَمْع الَّذِي يَقْتَضِيه صِيغَة فُعُول فِي جَمْع فَعْل .


أَيْ فِي حُكْم اللَّه وَفِيمَا كَتَبَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ .


أُعْرِبَتْ " اِثْنَا عَشَر شَهْرًا " دُون نَظَائِرهَا , لِأَنَّ فِيهَا حَرْف الْإِعْرَاب وَدَلِيله . وَقَرَأَ الْعَامَّة " عَشَر " بِفَتْحِ الْعَيْن وَالشِّين . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " عَشْر " بِجَزْمِ الشِّين .


يُرِيد اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَأَعَادَهُ بَعْد أَنْ قَالَ " عِنْد اللَّه " لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَشْيَاء يُوصَف بِأَنَّهُ عِنْد اللَّه , وَلَا يُقَال إِنَّهُ مَكْتُوب فِي كِتَاب اللَّه , كَقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة " [ لُقْمَان : 34 ] .


إِنَّمَا قَالَ " يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض " لِيُبَيِّن أَنَّ قَضَاءَهُ وَقَدَره كَانَ قَبْل ذَلِكَ , وَأَنَّهُ سُبْحَانه وَضَعَ هَذِهِ الشُّهُور وَسَمَّاهَا بِأَسْمَائِهَا عَلَى مَا رَتَّبَهَا عَلَيْهِ يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فِي كُتُبه الْمُنَزَّلَة . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ عِدَّة الشُّهُور عِنْد اللَّه اِثْنَا عَشَر شَهْرًا " . وَحُكْمهَا بَاقٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُزِلْهَا عَنْ تَرْتِيبهَا تَغْيِير الْمُشْرِكِينَ لِأَسْمَائِهَا , وَتَقْدِيم الْمُقَدَّم فِي الِاسْم مِنْهَا . وَالْمَقْصُود مِنْ ذَلِكَ اِتِّبَاع أَمْر اللَّه فِيهَا وَرَفْض مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ تَأْخِير أَسْمَاء الشُّهُور وَتَقْدِيمهَا , وَتَعْلِيق الْأَحْكَام عَلَى الْأَسْمَاء الَّتِي رَتَّبُوهَا عَلَيْهِ , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي خُطْبَته فِي حَجَّة الْوَدَاع : ( أَيّهَا النَّاس إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض . .. ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ جَعْل الْمُحَرَّم صَفَرًا وَصَفَر مُحَرَّمًا لَيْسَ يَتَغَيَّر بِهِ مَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى . وَالْعَامِل فِي " يَوْم " الْمَصْدَر الَّذِي هُوَ " فِي كِتَاب اللَّه " وَلَيْسَ يَعْنِي بِهِ وَاحِد الْكُتُب , لِأَنَّ الْأَعْيَان لَا تَعْمَل فِي الظُّرُوف . وَالتَّقْدِير : فِيمَا كَتَبَ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض . و " عِنْد " مُتَعَلِّق بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْعِدَّة , وَهُوَ الْعَامِل فِيهِ . و " فِي " مِنْ قَوْله : " فِي كِتَاب اللَّه " مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ , هُوَ صِفَة لِقَوْلِهِ : " اِثْنَا عَشَر " . وَالتَّقْدِير : اِثْنَا عَشَر شَهْرًا مَعْدُودَة أَوْ مَكْتُوبَة فِي كِتَاب اللَّه . وَلَا يَجُوز أَنْ تَتَعَلَّق بِعِدَّةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِقَة بَيْن الصِّلَة وَالْمَوْصُول بِخَبَرِ إِنَّ .

هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِب تَعْلِيق الْأَحْكَام مِنْ الْعِبَادَات وَغَيْرهَا إِنَّمَا يَكُون بِالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ الَّتِي تَعْرِفهَا الْعَرَب , دُون الشُّهُور الَّتِي تَعْتَبِرهَا الْعَجَم وَالرُّوم وَالْقِبْط وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى اِثْنَيْ عَشَر شَهْرًا , لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَة الْأَعْدَاد , مِنْهَا مَا يَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ وَمِنْهَا مَا يَنْقُص , وَشُهُور الْعَرَب لَا تَزِيد عَلَى ثَلَاثِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا يَنْقُص , وَاَلَّذِي يَنْقُص لَيْسَ يَتَعَيَّن لَهُ شَهْر , وَإِنَّمَا تَفَاوُتهَا فِي النُّقْصَان وَالتَّمَام عَلَى حَسَب اِخْتِلَاف سَيْر الْقَمَر فِي الْبُرُوج .



الْأَشْهُر الْحُرُم الْمَذْكُورَة فِي هَذِهِ الْآيَة ذُو الْقِعْدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب الَّذِي بَيْن جُمَادَى الْآخِرَة وَشَعْبَان , وَهُوَ رَجَب مُضَر , وَقِيلَ لَهُ رَجَب مُضَر لِأَنَّ رَبِيعَة بْن نِزَار كَانُوا يُحَرِّمُونَ شَهْر رَمَضَان وَيُسَمُّونَهُ رَجَبًا . وَكَانَتْ مُضَر تُحَرِّم رَجَبًا نَفْسه , فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : ( الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان ) وَرَفَعَ مَا وَقَعَ فِي اِسْمه مِنْ الِاخْتِلَال بِالْبَيَانِ . وَكَانَتْ الْعَرَب أَيْضًا تُسَمِّيه مُنْصِل الْأَسِنَّة , رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيّ - وَاسْمه عِمْرَان بْن مِلْحَان وَقِيلَ عِمْرَان بْن تَيْم - قَالَ : كُنَّا نَعْبُد الْحَجَر , فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ خَيْر مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَر , فَإِذَا لَمْ نَجِد حَجَرًا جَمَعْنَا حَثْوَة مِنْ تُرَاب ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاءِ فَحَلَبْنَا عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْر رَجَب قُلْنَا مُنْصِل الْأَسِنَّة , فَلَمْ نَدَع رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَة وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَة إِلَّا نَزَعْنَاهَا فَأَلْقَيْنَاهُ .


أَيْ الْحِسَاب الصَّحِيح وَالْعَدَد الْمُسْتَوْفَى . وَرَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : " ذَلِكَ الدِّين " أَيْ ذَلِكَ الْقَضَاء . مُقَاتِل : الْحَقّ . اِبْن عَطِيَّة : وَالْأَصْوَب عِنْدِي أَنْ يَكُون الدِّين هَاهُنَا عَلَى أَشْهَر وُجُوهه , أَيْ ذَلِكَ الشَّرْع وَالطَّاعَة . " الْقَيِّم " أَيْ الْقَائِم الْمُسْتَقِيم , مِنْ قَامَ يَقُوم . بِمَنْزِلَةِ سَيِّد , مَنْ سَادَ يَسُود . أَصْله قَيُّوم .



عَلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس رَاجِعٌ إِلَى جَمِيع الشُّهُور . وَعَلَى قَوْل بَعْضهمْ إِلَى الْأَشْهُر الْحُرُم خَاصَّة , لِأَنَّهُ إِلَيْهَا أَقْرَب وَلَهَا مَزِيَّة فِي تَعْظِيم الظُّلْم , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَا رَفَث وَلَا فُسُوق وَلَا جِدَال فِي الْحَجّ " [ الْبَقَرَة : 197 ] لَا أَنَّ الظُّلْم فِي غَيْر هَذِهِ الْأَيَّام جَائِز عَلَى مَا نُبَيِّنهُ . ثُمَّ قِيلَ : فِي الظُّلْم قَوْلَانِ : أَحَدهمَا لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ بِالْقِتَالِ , ثُمَّ نُسِخَ بِإِبَاحَةِ الْقِتَال فِي جَمِيع الشُّهُور , قَالَهُ قَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالزُّهْرِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : حَلَفَ بِاَللَّهِ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ مَا يَحِلّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَم وَلَا فِي الْأَشْهُر الْحُرُم إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهَا , وَمَا نُسِخَتْ . وَالصَّحِيح الْأَوَّل , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا هَوَازِن بِحُنَيْنٍ وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ , وَحَاصَرَهُمْ فِي شَوَّال وَبَعْض ذِي الْقِعْدَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْبَقَرَة . الثَّانِي - لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ بِارْتِكَابِ الذُّنُوب , لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه إِذَا عَظَّمَ شَيْئًا مِنْ جِهَة وَاحِدَة صَارَتْ لَهُ حُرْمَة وَاحِدَة وَإِذَا عَظَّمَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَات صَارَتْ حُرْمَته مُتَعَدِّدَة فَيُضَاعَف فِيهِ الْعِقَاب بِالْعَمَلِ السَّيِّئ كَمَا يُضَاعَف الثَّوَاب بِالْعَمَلِ الصَّالِح . فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّه فِي الشَّهْر الْحَرَام فِي الْبَلَد الْحَرَام لَيْسَ ثَوَابه ثَوَاب مَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْر الْحَلَال فِي الْبَلَد الْحَرَام . وَمَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْر الْحَلَال فِي الْبَلَد الْحَرَام لَيْسَ ثَوَابه ثَوَاب مَنْ أَطَاعَهُ فِي شَهْر حَلَال فِي بَلَد حَلَال . وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا نِسَاء النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة يُضَاعَف لَهَا الْعَذَاب ضِعْفَيْنِ " [ الْأَحْزَاب : 30 ] .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَنْ قَتَلَ فِي الشَّهْر الْحَرَام خَطَأ , هَلْ تُغَلَّظ عَلَيْهِ الدِّيَة أَمْ لَا , فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : الْقَتْل فِي الشَّهْر الْحَرَام تُغَلَّظ فِيهِ الدِّيَة فِيمَا بَلَغَنَا وَفِي الْحَرَم فَتُجْعَل دِيَة وَثُلُثًا . وَيُزَاد فِي شَبَه الْعَمْد فِي أَسْنَان الْإِبِل . قَالَ الشَّافِعِيّ : تُغَلَّظ الدِّيَة فِي النَّفْس وَفِي الْجِرَاح فِي الشَّهْر الْحَرَام وَفِي الْبَلَد الْحَرَام وَذَوِي الرَّحِم . وَرُوِيَ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه وَابْن شِهَاب وَأَبَان بْن عُثْمَان : مَنْ قَتَلَ فِي الشَّهْر الْحَرَام أَوْ فِي الْحَرَم زِيدَ عَلَى دِيَته مِثْل ثُلُثهَا . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان أَيْضًا . وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَابْن أَبِي لَيْلَى : الْقَتْل فِي الْحِلّ وَالْحَرَم سَوَاء , وَفِي الشَّهْر الْحَرَام وَغَيْره سَوَاء , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ . وَهُوَ الصَّحِيح , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ الدِّيَات وَلَمْ يَذْكُر فِيهَا الْحَرَم وَلَا الشَّهْر الْحَرَام . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْكَفَّارَة عَلَى مَنْ قَتَلَ خَطَأ فِي الشَّهْر الْحَرَام وَغَيْره سَوَاء . فَالْقِيَاس أَنْ تَكُون الدِّيَة كَذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

خَصَّ اللَّه تَعَالَى الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر الْحُرُم بِالذِّكْرِ , وَنَهَى عَنْ الظُّلْم فِيهَا تَشْرِيفًا لَهَا وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي كُلّ الزَّمَان . كَمَا قَالَ : " فَلَا رَفَث وَلَا فُسُوق وَلَا جِدَال فِي الْحَجّ " [ الْبَقَرَة : 197 ] عَلَى هَذَا أَكْثَر أَهْل التَّأْوِيل . أَيْ لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر أَنْفُسكُمْ . وَرَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ يُوسُف بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسكُمْ " فِي الِاثْنَيْ عَشَر . وَرَوَى قَيْس بْن مُسْلِم عَنْ الْحَسَن عَنْ مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة قَالَ : فِيهِنَّ كُلّهنَّ . فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل : لِمَ قَالَ فِيهِنَّ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب يَقُولُونَ لِمَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى الْعَشَرَة : هُنَّ وَهَؤُلَاءِ فَإِذَا جَاوَزُوا الْعَشَرَة قَالُوا : هِيَ وَهَذِهِ , إِرَادَة أَنْ تُعْرَف تَسْمِيَة الْقَلِيل مِنْ الْكَثِير . وَرُوِيَ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَتَعَجَّب مِنْ فِعْل الْعَرَب هَذَا . وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَا دُون الْعَشَرَة مِنْ اللَّيَالِي : خَلَوْنَ . وَفِيمَا فَوْقهَا خَلَتْ . لَا يُقَال : كَيْفَ جَعَلَ بَعْض الْأَزْمِنَة أَعْظَم حُرْمَة مِنْ بَعْض , فَإِنَّا نَقُول : لِلْبَارِئ تَعَالَى أَنْ يَفْعَل مَا يَشَاء , وَيَخُصّ بِالْفَضِيلَةِ مَا يَشَاء , لَيْسَ لِعَمَلِهِ عِلَّة وَلَا عَلَيْهِ حَجْر , بَلْ يَفْعَل مَا يُرِيد بِحِكْمَتِهِ , وَقَدْ تَظْهَر فِيهِ الْحِكْمَة وَقَدْ تَخْفَى .




" قَاتِلُوا " أَمْر بِالْقِتَالِ . و " كَافَّة " مَعْنَاهُ جَمِيعًا , وَهُوَ مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال . أَيْ مُحِيطِينَ بِهِمْ وَمُجْتَمَعِينَ . قَالَ الزَّجَّاج : مِثْل هَذَا مِنْ الْمَصَادِر عَافَاهُ اللَّه عَافِيَة وَعَاقَبَهُ عَاقِبَة . وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع , وَكَذَا عَامَّة وَخَاصَّة . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : كَانَ الْغَرَض بِهَذِهِ الْآيَة قَدْ تَوَجَّهَ عَلَى الْأَعْيَان ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَجُعِلَ فَرْض كِفَايَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَمْ يُعْلَم قَطُّ مِنْ شَرْع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَلْزَمَ الْأُمَّة جَمِيعًا النَّفْر , وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة الْحَضّ عَلَى قِتَالهمْ وَالتَّحَزُّب عَلَيْهِمْ وَجَمَعَ الْكَلِمَة ثُمَّ قَيَّدَهَا بِقَوْلِهِ : " كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة " فَبِحَسَبِ قِتَالهمْ وَاجْتِمَاعهمْ لَنَا يَكُون فَرْض اِجْتِمَاعنَا لَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إجابة النداء في ضوء الكتاب العزيز والسنة المطهرة

    إجابة النداء في ضوء الكتاب العزيز والسنة المطهرة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة لطيفة في: «إجابة النداء» حرَّرتُها تذكرةً لي، ولمن شاء الله من عباده المؤمنين، بيَّنتُ فيها باختصار: فضائل النداء، وفضائل إجابة الأذان بالقول، وأنواعها، وفوائدها، وآدابها، وأحكامها، ووجوب إجابة النداء بالفعل».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193640

    التحميل:

  • رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج

    رسالتان في فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج : عالج فيها قضية عقدية مهمة، من أشراط الساعة، وعلامات النبوة، عظَّم النبي صلّى الله عليه وسلّم شأنها، وحذَّر أمته من خطرها، ألا وهي «فتنة المسيح الدجال». - تحقيق وتعليق : الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي - أثابه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205543

    التحميل:

  • التفكر في ملكوت السماوات والأرض وقدرة الله تعالى

    التفكر في ملكوت السماوات والأرض وقدرة الله تعالى : رسالة مختصرة تحتوي على معنى التفكر، الآثار وأقوال العلماء الواردة في التفكر، بعض فوائد التفكر، طريق التفكر وكيف يتحقق؟ بيان ثمرة التفكر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66756

    التحميل:

  • رسالة رمضان

    رسالة رمضان: عبارة عن دراسة عامة شاملة لركن عظيم من أركان الإسلام: ألا وهو صوم رمضان المعظم، فهي دراسة علمية تتبع جزئيات هذه العبادة وكلياتها، فلا تغفل ناحية من نواحيها الحكمية والعلمية، بل تتناولها بإسلوب سهل، وعبارة مبسطة واضحة، تدركها العقول على تفاوتها، وتتناولها الأفهام على أختلافها بحيث يتصفحها المسلم - ومهما كانت ثقافته - فيعرف عن هذه العبادة ما ينبغي أن يعرفه كل مسلم عنها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2608

    التحميل:

  • اتخاذ القرآن الكريم أساسا لشؤون الحياة والحكم في المملكة العربية السعودية

    قال المؤلف - حفظه الله -: فهذا بحث عن: " اتخاذ القرآن الكريم أساسًا لشؤون الحياة والحكم في المملكة العربية السعودية " كتبته بناء على طلب كريم من اللجنة التحضيرية لندوة " عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه "، في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، في المدينة المنورة، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، حاولت فيه إبراز المعالم الكبرى لمسيرة المملكة الإسلامية، وخصصت منهج السلف بمزيد عناية وإبراز ولا سيما من الناحية التطبيقية والممارسة والتبني. أرجو أن يكون محققًا للمقصود وافيًا بالمطلوب، سائلًا الله العلي القدير أن يزيدنا بدينه تمسكًا، وأن يوفقنا لصالح العلم والعمل إنه سميع مجيب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110563

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة