Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 30

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) (التوبة) mp3
قَرَأَ عَاصِم وَالْكِسَائِيّ " عُزَيْرٌ اِبْنُ اللَّه " بِتَنْوِينِ عُزَيْر . وَالْمَعْنَى أَنَّ " ابْن " عَلَى هَذَا خَبَر اِبْتِدَاء عَنْ عُزَيْر , و " عُزَيْر " يَنْصَرِف عَجَمِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامِر " عُزَيْر اِبْن " بِتَرْكِ التَّنْوِين لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ , وَمِنْهُ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد اللَّه الصَّمَد " [ الْإِخْلَاص : 1 - 2 ] . قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَهُوَ كَثِير فِي الشِّعْر . وَأَنْشَدَ الطَّبَرِيّ فِي ذَلِكَ : لَتَجِدنِي بِالْأَمِيرِ بَرَّا وَبِالْقَنَاةِ مِدْعَسًا مِكَرَّا إِذَا غُطَيْف السُّلَمِيّ فَرَّا

" وَقَالَتْ الْيَهُود " هَذَا لَفْظ خَرَجَ عَلَى الْعُمُوم وَمَعْنَاهُ الْخُصُوص , لِأَنَّ لَيْسَ كُلّ الْيَهُود قَالُوا ذَلِكَ . وَهَذَا مِثْل قَوْله تَعَالَى : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس " [ آل عِمْرَان : 173 ] وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كُلّ النَّاس . وَقِيلَ : إِنَّ قَائِل مَا حَكَى عَنْ الْيَهُود سَلَّام بْن مِشْكَم وَنُعْمَان بْن أَبِي أَوْفَى وَشَاس بْن قَيْس وَمَالِك بْن الصَّيْف , قَالُوهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ النَّقَّاش : لَمْ يَبْقَ يَهُودِيّ يَقُولهَا بَلْ اِنْقَرَضُوا فَإِذَا قَالَهَا وَاحِد فَيَتَوَجَّه أَنْ تَلْزَم الْجَمَاعَة شُنْعَة الْمَقَالَة , لِأَجْلِ نَبَاهَة الْقَائِل فِيهِمْ . وَأَقْوَال النُّبَهَاء أَبَدًا مَشْهُورَة فِي النَّاس يُحْتَجّ بِهَا . فَمِنْ هَاهُنَا صَحَّ أَنْ تَقُول الْجَمَاعَة قَوْل نَبِيههَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ الْقَوْل أَنَّ الْيَهُود قَتَلُوا الْأَنْبِيَاء بَعْد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَرَفَعَ اللَّه عَنْهُمْ التَّوْرَاة وَمَحَاهَا مِنْ قُلُوبهمْ , فَخَرَجَ عُزَيْر يَسِيح فِي الْأَرْض , فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ : ( أَيْنَ تَذْهَب ) ؟ قَالَ : أَطْلُب الْعِلْم , فَعَلَّمَهُ التَّوْرَاة كُلّهَا فَجَاءَ عُزَيْر بِالتَّوْرَاةِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَعَلَّمَهُمْ . وَقِيلَ : بَلْ حَفَّظَهَا اللَّهُ عُزَيْرًا كَرَامَة مِنْهُ لَهُ , فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيل : إِنَّ اللَّه قَدْ حَفَّظَنِي التَّوْرَاة , فَجَعَلُوا يَدْرُسُونَهَا مِنْ عِنْده . وَكَانَتْ التَّوْرَاة مَدْفُونَة , كَانَ دَفَنَهَا عُلَمَاؤُهُمْ حِين أَصَابَهُمْ مِنْ الْفِتَن وَالْجَلَاء وَالْمَرَض مَا أَصَابَ وَقَتْل بُخْتَنَصْر إِيَّاهُمْ . ثُمَّ إِنَّ التَّوْرَاة الْمَدْفُونَة وُجِدَتْ فَإِذَا هِيَ مُتَسَاوِيَة لِمَا كَانَ عُزَيْر يُدَرِّس فَضَلُّوا عِنْد ذَلِكَ وَقَالُوا : إِنَّ هَذَا لَمْ يَتَهَيَّأ لِعُزَيْرٍ إِلَّا وَهُوَ اِبْن اللَّه حَكَاهُ الطَّبَرِيّ . وَظَاهِر قَوْل النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيح اِبْن اللَّه , إِنَّمَا أَرَادُوا بُنُوَّة النَّسْل كَمَا قَالَتْ الْعَرَب فِي الْمَلَائِكَة . وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي قَوْل الضَّحَّاك وَالطَّبَرِيّ وَغَيْرهمَا . وَهَذَا أَشْنَع الْكُفْر . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : أَطْبَقَتْ النَّصَارَى عَلَى أَنَّ الْمَسِيح إِلَه وَإِنَّهُ اِبْن إِلَه . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَيُقَال إِنَّ بَعْضهمْ يَعْتَقِدهَا بُنُوَّة حُنُوّ وَرَحْمَة . وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا لَا يَحِلّ أَنْ تُطْلَق الْبُنُوَّة عَلَيْهِ وَهُوَ كُفْر .

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي هَذَا دَلِيل مِنْ قَوْل رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُفْر غَيْره الَّذِي لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِئ بِهِ لَا حَرَج عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْطِق بِهِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِعْظَام لَهُ وَالرَّدّ عَلَيْهِ وَلَوْ شَاءَ رَبّنَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَحَد , فَإِذَا مَكَّنَ مِنْ إِطْلَاق الْأَلْسُن بِهِ فَقَدْ أَذِنَ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ عَلَى مَعْنَى إِنْكَاره بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان وَالرَّدّ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَان .


قِيلَ : مَعْنَاهُ التَّأْكِيد , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ " [ الْبَقَرَة : 79 ] وَقَوْله : " وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ " [ الْأَنْعَام : 38 ] وَقَوْله : " فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّوَر نَفْخَة وَاحِدَة " [ الْحَاقَّة : 13 ] وَمِثْله كَثِير . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْل سَاذَج لَيْسَ فِيهِ بَيَان وَلَا بُرْهَان , وَإِنَّمَا هُوَ قَوْل بِالْفَمِ مُجَرَّد نَفْس دَعْوَى لَا مَعْنَى تَحْته صَحِيح لِأَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه لَمْ يَتَّخِذ صَاحِبَة فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا , فَهُوَ كَذِب وَقَوْل لِسَانِيّ فَقَطْ بِخِلَافِ الْأَقْوَال الصَّحِيحَة الَّتِي تُعَضِّدهَا الْأَدِلَّة وَيَقُوم عَلَيْهَا الْبُرْهَان . قَالَ أَهْل الْمَعَانِي : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه لَمْ يَذْكُر قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْأَفْوَاه وَالْأَلْسُن إِلَّا وَكَانَ قَوْلًا زُورًا , كَقَوْلِهِ : " يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهمْ " [ آل عِمْرَان : 167 ] و " كَبُرَتْ كَلِمَة تَخْرُج مِنْ أَفْوَاههمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا " [ الْكَهْف : 5 ] و " يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهمْ " [ الْفَتْح : 11 ] .



" يُضَاهِئُونَ " يُشَابِهُونَ , وَمِنْهُ قَوْل الْعَرَب : اِمْرَأَة ضَهْيَأ لِلَّتِي لَا تَحِيض أَوْ الَّتِي لَا ثَدْي لَهَا , كَأَنَّهَا أَشْبَهَتْ الرِّجَال . وَلِلْعُلَمَاءِ فِي " قَوْل الَّذِينَ كَفَرُوا " ثَلَاثَة أَقْوَال : [ الْأَوَّل ] قَوْل عَبَدَة الْأَوْثَان : اللَّات وَالْعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى . [ الثَّانِي ] قَوْل الْكَفَرَة : الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه . [ الثَّالِث ] قَوْل أَسْلَافهمْ , فَقَلَّدُوهُمْ فِي الْبَاطِل وَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى الْكُفْر , كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة " [ الزُّخْرُف : 23 ] .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي " ضَهْيَأ " هَلْ يُمَدّ أَوْ لَا , فَقَالَ اِبْن وَلَّاد : اِمْرَأَة ضَهْيَأ , وَهِيَ الَّتِي لَا تَحِيض , مَهْمُوز غَيْر مَمْدُود . وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُدّ وَهُوَ سِيبَوَيْهِ فَيَجْعَلهَا عَلَى فَعَلَاء بِالْمَدِّ , وَالْهَمْزَة فِيهَا زَائِدَة لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ نِسَاء ضُهْي فَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَة . قَالَ أَبُو الْحَسَن قَالَ لِي النَّجِيرَمِيّ : ضَهْيَأَة بِالْمَدِّ وَالْهَاء . جَمَعَ بَيْن عَلَامَتَيْ تَأْنِيث , حَكَاهُ عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فِي النَّوَادِر . وَأَنْشَدَ : ضَهْيَأَة أَوْ عَاقِر جَمَاد اِبْن عَطِيَّة : مَنْ قَالَ " يُضَاهِئُونَ " مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ : اِمْرَأَة ضَهْيَاءَ فَقَوْله خَطَأ , قَالَهُ أَبُو عَلِيّ , لِأَنَّ الْهَمْزَة فِي ( ضَاهَأَ ) أَصْلِيَّة , وَفِي ( ضَهْيَاءَ ) زَائِدَة كَحَمْرَاء .



أَيْ لَعَنَهُمْ اللَّه , يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى , لِأَنَّ الْمَلْعُون كَالْمَقْتُولِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : " قَاتَلَهُمْ اللَّه " هُوَ بِمَعْنَى التَّعَجُّب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن قَتْل فَهُوَ لَعْن , وَمِنْهُ قَوْل أَبَان بْن تَغْلِب : قَاتَلَهَا اللَّه تَلْحَانِي وَقَدْ عَلِمَتْ أَنِّي لِنَفْسِي إِفْسَادِي وَإِصْلَاحِي وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ أَصْل " قَاتَلَ اللَّه " الدُّعَاء , ثُمَّ كَثُرَ فِي اِسْتِعْمَالهمْ حَتَّى قَالُوهُ عَلَى التَّعَجُّب فِي الْخَيْر وَالشَّرّ , وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ الدُّعَاء . وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ : يَا قَاتَلَ اللَّه لَيْلَى كَيْفَ تُعْجِبنِي وَأُخْبِر النَّاس أَنِّي لَا أُبَالِيهَا
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالى

    مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالى: قال المصنف في المقدمة: «فهذه رسالة مختصرة في «مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالى» بيَّنتُ فيها مواقف النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في دعوته إلى الله تعالى قبل الهجرة وبعدها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337969

    التحميل:

  • الدقائق الممتعة

    الدقائق الممتعة : قال المؤلف - أثابه الله -: « فإن من نعم الله - عز وجل - على عباده نعمة القراءة التي يجول بها القارئ في قطوف دانية من العلم والمعرفة، وتجارب الأمم السابقة ونتاج عقول الآخرين. ومن أجمل صنيع القارئ إذا استوى الكتاب بين يديه أن يجمع ما طاب له من تلك الثمار ليرجع إليها متى شاء. وهذه مجموعة منتقاة جمعتها في فترات متباعدة، وبين الحين والآخر أعود لها وأستأنس بما فيها. ورغبة في أن يعم الخير جمعتها في هذا الكتاب إتمامًا للفائدة ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231253

    التحميل:

  • حديث: «عجبًا لأمر المؤمن» دراسة حديثية دعوية نفسية

    حديث: «عجبًا لأمر المؤمن» دراسة حديثية دعوية نفسية: دراسة حديثية تُعالج مشكلات الناس النفسية بدراسة بعض أسبابها الناتجة عن الحالة التي يمر بها الإنسان في حياته الدنيوية، وأثر ذلك على النفس والمجتمع؛ مثل: حالة النعيم والبلاء التي يُبتَلى بها كثيرٌ من الناس؛ وذلك من خلال كلام المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، لتكون علاجًا ودواء للإنسان المُبتَلى بهذين الاختبارين: النعمة والبلاء.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330174

    التحميل:

  • فضائل القرآن الكريم

    فضائل القرآن الكريم : فهذه كلمات نفيسة جمعتها، وأزهار عطيرة اقتطفتها، وفوائد لطيفة اختصرتها من كلام الله تعالى ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام أهل العلم فيما يهم كل مسلم نحو كتاب ربه الذي أنزله على خير خلقه وخاتم أنبيائه لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209192

    التحميل:

  • صلة الأرحام في ضوء الكتاب والسنة

    صلة الأرحام في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «صلة الأرحام» بيَّنت فيها مفهوم صلة الأرحام، لغةً واصطلاحًا، ومفهوم قطيعة الأرحام لغةً واصطلاحًا، ثم ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب صلة الأرحام، وتحريم قطيعة الأرحام».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276147

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة