Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 128

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128) (التوبة) mp3
هَاتَانِ الْآيَتَانِ ( 128 , 129 ) فِي قَوْل أُبَيّ أَقْرَب الْقُرْآن بِالسَّمَاءِ عَهْدًا . وَفِي قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر : آخِر مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه " [ الْبَقَرَة : 281 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ . فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْل أُبَيّ : أَقْرَب الْقُرْآن بِالسَّمَاءِ عَهْدًا بَعْد قَوْله : " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه " . وَاَللَّه أَعْلَم وَالْخِطَاب لِلْعَرَبِ فِي قَوْل الْجُمْهُور , وَهَذَا عَلَى جِهَة تَعْدِيد النِّعْمَة عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ; إِذْ جَاءَ بِلِسَانِهِمْ وَبِمَا يَفْهَمُونَهُ , وَشَرُفُوا بِهِ غَابِر الْأَيَّام . وَقَالَ الزَّجَّاج : هِيَ مُخَاطَبَة لِجَمِيعِ الْعَالَم وَالْمَعْنَى : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ الْبَشَر ; وَالْأَوَّل أَصْوَب . قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا مِنْ قَبِيلَة مِنْ الْعَرَب إِلَّا وَلَدَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَر الْعَرَب لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيل . وَالْقَوْل الثَّانِي أَوْكَد لِلْحُجَّةِ أَيْ هُوَ بَشَر مِثْلكُمْ لِتَفْهَمُوا عَنْهُ وَتَأْتَمُّوا بِهِ .

" مِنْ أَنْفُسكُمْ " يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ مِنْ صَمِيم الْعَرَب وَخَالِصهَا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى كِنَانَة مِنْ وَلَد إِسْمَاعِيل وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَة وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْش بَنِي هَاشِم وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم ) . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنِّي مِنْ نِكَاح وَلَسْت مِنْ سِفَاح ) . مَعْنَاهُ أَنَّ نَسَبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَكُنْ النَّسْل فِيهِ إِلَّا مِنْ نِكَاح وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًا . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط الْمَكِّيّ مِنْ " أَنْفَسكُمْ " بِفَتْحِ الْفَاء مِنْ النَّفَاسَة ; وَرُوِيَتْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَيْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَشْرَفكُمْ وَأَفْضَلكُمْ مِنْ قَوْلك : شَيْء نَفِيس إِذَا كَانَ مَرْغُوبًا فِيهِ . وَقِيلَ : مِنْ أَنْفُسكُمْ أَيْ أَكْثَركُمْ طَاعَة .



أَيْ يَعِزّ عَلَيْهِ مَشَقَّتكُمْ . وَالْعَنَت : الْمَشَقَّة ; مِنْ قَوْلهمْ : أَكَمَة عَنُوت إِذَا كَانَتْ شَاقَّة مُهْلِكَة . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : أَصْل التَّعَنُّت التَّشْدِيد ; فَإِذَا قَالَتْ الْعَرَب : فُلَان يَتَعَنَّت فُلَانًا وَيُعْنِتهُ فَمُرَادهمْ يُشَدِّد عَلَيْهِ وَيُلْزِمهُ بِمَا يَصْعُب عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي [ الْبَقَرَة ] . " وَمَا " فِي " مَا عَنِتُّمْ " مَصْدَرِيَّة , وَهِيَ اِبْتِدَاء و " عَزِيز " خَبَر مُقَدَّم . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " مَا عَنِتُّمْ " فَاعِلًا بِعَزِيزٍ , و " عَزِيز " صِفَة لِلرَّسُولِ , وَهُوَ أَصْوَب . وَكَذَا " حَرِيص عَلَيْكُمْ " وَكَذَا " رَءُوف رَحِيم " رُفِعَ عَلَى الصِّفَة . قَالَ الْفَرَّاء : وَلَوْ قُرِئَ عَزِيزًا عَلَيْهِ , مَا عَنِتُّمْ حَرِيصًا رَءُوفًا رَحِيمًا , نَصْبًا عَلَى الْحَال جَازَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَأَحْسَن مَا قِيلَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُوَافِق كَلَام الْعَرَب مَا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ قَالَ سَمِعْت عَمْرو بْن عَلِيّ يَقُول : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن دَاوُد الْخُرَيْبِيّ يَقُول فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ " قَالَ : أَنْ تَدْخُلُوا النَّار ,



أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّة . وَقِيلَ : حَرِيص عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا . وَقَالَ : الْفَرَّاء : شَحِيح بِأَنْ تَدْخُلُوا النَّار . وَالْحِرْص عَلَى الشَّيْء : الشُّحّ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيع وَيَتْلَف .


الرَّءُوف : الْمُبَالِغ فِي الرَّأْفَة وَالشَّفَقَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي [ الْبَقَرَة ] مَعْنَى " رَءُوف رَحِيم " مُسْتَوْفًى . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : لَمْ يَجْمَع اللَّه لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاء اِسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ إِلَّا لِلنَّبِيِّ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ قَالَ : " بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم " وَقَالَ : " إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَءُوف رَحِيم " [ الْحَجّ : 65 ] . وَقَالَ عَبْد الْعَزِيز بْن يَحْيَى : نَظْم الْآيَة لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ عَزِيز حَرِيص بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم , عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ لَا يَهُمّهُ إِلَّا شَأْنكُمْ , وَهُوَ الْقَائِم بِالشَّفَاعَةِ لَكُمْ فَلَا تَهْتَمُّوا بِمَا عَنِتُّمْ مَا أَقَمْتُمْ عَلَى سُنَّته ; فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيه إِلَّا دُخُولكُمْ الْجَنَّة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فقه الاستشارة

    فقه الاستشارة: فمن خلال مُعايَشتي للقرآن الكريم، والوقوف مع آياته، والتفكُّر بما فيه من دروس ومعالم، وقفتُ أمام موضوع تكرَّر ذكره في القرآن الكريم، أمرًا وخبرًا وممارسةً، وذلكم هو موضوع المشاورة والشورى. وقد قمتُ بحصر المواضع التي ورد فيها هذا الأمر، ثم تأمَّلتُ فيها، ورجعتُ إلى كلام المُفسِّرين وغيرهم، ومن ثَمَّ رأيتُ أن الموضوع مناسب لأَن يُفرَد برسالة تكون زادًا للدعاة وطلاب العلم، وبخاصة مع الحاجة الماسة لذلك.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337576

    التحميل:

  • شرح الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية

    شرح الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية: قال المصنف - حفظه الله -: «فإنه لا يخفى على كل مسلمٍ ما لدراسة سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - من فائدةٍ عظيمةٍ، وأثرٍ مُباركٍ، وثمارٍ كبيرةٍ تعودُ على المسلم في دُنياه وأُخراه .. وبين أيدينا منظومةٌ نافعةٌ، وأرجوزةٌ طيبةٌ في سيرة نبينا الكريم - عليه الصلاة والسلام -، سلَكَ فيها ناظمُها مسلكَ الاختصار وعدم البسط والإطناب، فهي في مائة بيتٍ فقط، بنَظمٍ سلِسٍ، وأبياتٍ عذبةٍ، مُستوعِبةٍ لكثيرٍ من أمهات وموضوعات سيرة النبي الكريم - صلوات الله وسلامُه عليه -، بعباراتٍ جميلةٍ، وكلماتٍ سهلةٍ، وألفاظٍ واضحةٍ».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344685

    التحميل:

  • الرسول كأنك تراه

    هذا الكتاب يحتوي على أقوال الصحابة ومن رآه في وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - مفصلاً. - وقد وضعنا نسختين: الأولى مناسبة للطباعة - والثانية خفيفة للقراءة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/259316

    التحميل:

  • قواعد وفوائد في تزكية النفس

    قواعد وفوائد في تزكية النفس: ذكر المؤلف في هذا الكُتيِّب 227 فائدة وقاعدة مُتنوعة في السلوك وتزكية النفوس.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287901

    التحميل:

  • إلى التصوف ياعباد الله

    إلى التصوف ياعباد الله: إن التصوف إما أن يكون هو الإسلام أو يكون غيره، فإن كان غيره فلا حاجة لنا به، وإن كان هو الإسلام فحسبنا الإسلام فإنه الذي تعبدنا الله به.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2603

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة