Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 119

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) (التوبة) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " هَذَا الْأَمْر بِالْكَوْنِ مَعَ أَهْل الصِّدْق حَسَن بَعْد قِصَّة الثَّلَاثَة حِين نَفَعَهُمْ الصِّدْق وَذَهَبَ بِهِمْ عَنْ مَنَازِل الْمُنَافِقِينَ . قَالَ مُطَرِّف : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس يَقُول : قَلَّمَا كَانَ رَجُل صَادِقًا لَا يَكْذِب إِلَّا مُتِّعَ بِعَقْلِهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مَا يُصِيب غَيْره مِنْ الْهَرَم وَالْخَرَف .

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد هُنَا بِالْمُؤْمِنِينَ وَالصَّادِقِينَ عَلَى أَقْوَال ; فَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ ; أَيْ اِتَّقُوا مُخَالَفَة أَمْر اللَّه . " وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " أَيْ مَعَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ . أَيْ كُونُوا 8 عَلَى مَذْهَب الصَّادِقِينَ وَسَبِيلهمْ . وَقِيلَ : هُمْ الْأَنْبِيَاء ; أَيْ كُونُوا مَعَهُمْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة فِي الْجَنَّة . وَقِيلَ : هُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ - الْآيَة إِلَى قَوْله - أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا " [ الْبَقَرَة : 177 ] . وَقِيلَ : هُمْ الْمُوفُونَ بِمَا عَاهَدُوا ; وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " رِجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ " وَقِيلَ : هُمْ الْمُهَاجِرُونَ ; لِقَوْلِ أَبِي بَكْر يَوْم السَّقِيفَة إِنَّ اللَّه سَمَّانَا الصَّادِقِينَ فَقَالَ : " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ " [ الْحَشْر : 8 ] الْآيَة , ثُمَّ سَمَّاكُمْ بِالْمُفْلِحِينَ فَقَالَ : " وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّار وَالْإِيمَان " [ الْحَشْر : 9 ] الْآيَة . وَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ اِسْتَوَتْ ظَوَاهِرهمْ وَبَوَاطِنهمْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الْحَقِيقَة وَالْغَايَة الَّتِي إِلَيْهَا الْمُنْتَهَى فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَة يَرْتَفِع بِهَا النِّفَاق فِي الْعَقِيدَة وَالْمُخَالَفَة فِي الْفِعْل , وَصَاحِبهَا يُقَال لَهُ الصِّدِّيق كَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَمَنْ دُونهمْ عَلَى مَنَازِلهمْ وَأَزْمَانهمْ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ الْمُرَاد بِآيَةِ الْبَقَرَة فَهُوَ مُعْظَم الصِّدْق وَيَتْبَعهُ الْأَقَلّ وَهُوَ مَعْنَى آيَة الْأَحْزَاب . وَأَمَّا تَفْسِير أَبِي بَكْر الصِّدِّيق فَهُوَ الَّذِي يَعُمّ الْأَقْوَال كُلّهَا فَإِنَّ جَمِيع الصِّفَات فِيهِمْ مَوْجُودَة .

حَقّ مَنْ فَهِمَ عَنْ اللَّه وَعَقَلَ عَنْهُ أَنْ يُلَازِم الصِّدْق فِي الْأَقْوَال , وَالْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال , وَالصَّفَاء فِي الْأَحْوَال , فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَحِقَ بِالْأَبْرَارِ وَوَصَلَ إِلَى رِضَا الْغَفَّار ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة وَمَا يَزَال الرَّجُل يَصْدُق وَيَتَحَرَّى الصِّدْق حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه صِدِّيقًا ) . وَالْكَذِب عَلَى الضِّدّ مِنْ ذَلِكَ ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكُمْ وَالْكَذِب فَإِنَّ الْكَذِب يَهْدِي إِلَى الْفُجُور وَإِنَّ الْفُجُور يَهْدِي إِلَى النَّار وَمَا يَزَال الرَّجُل يَكْذِب وَيَتَحَرَّى الْكَذِب حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه كَذَّابًا ) خَرَّجَهُ مُسْلِم . فَالْكَذِب عَار وَأَهْله مَسْلُوبُو الشَّهَادَة , وَقَدْ رَدَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَة رَجُل فِي كَذِبَة كَذَبَهَا . قَالَ مَعْمَر : لَا أَدْرِي أَكَذَبَ عَلَى اللَّه أَوْ كَذَبَ عَلَى رَسُوله أَوْ كَذَبَ عَلَى أَحَد مِنْ النَّاس . وَسُئِلَ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْد اللَّه , رَجُل سَمِعْته يَكْذِب مُتَعَمِّدًا أَأُصَلِّي خَلْفه ؟ قَالَ لَا . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : إِنَّ الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدّ وَلَا هَزْل , وَلَا أَنْ يَعِدَ أَحَدكُمْ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزهُ , اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " هَلْ تَرَوْنَ فِي الْكَذِب رُخْصَة ؟ وَقَالَ مَالِك : لَا يُقْبَل خَبَر الْكَاذِب فِي حَدِيث النَّاس وَإِنْ صَدَقَ فِي حَدِيث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ غَيْره : يُقْبَل حَدِيثه . وَالصَّحِيح أَنَّ الْكَاذِب لَا تُقْبَل شَهَادَته وَلَا خَبَره لِمَا ذَكَرْنَاهُ ; فَإِنَّ الْقَبُول مَرْتَبَة عَظِيمَة وَوِلَايَة شَرِيفَة لَا تَكُون إِلَّا لِمَنْ كَمُلَتْ خِصَاله وَلَا خَصْلَة هِيَ أَشَرّ مِنْ الْكَذِب فَهِيَ تَعْزِل الْوِلَايَات وَتُبْطِل الشَّهَادَات .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • معلم التجويد

    معلم التجويد : كتيب ميسر مرتب على ثمانية أبواب: الأول: في تعريف القرآن، وبيان بعض فضله، وشرف أهله. الثاني: في بيان الترتيل. الثالث: في بيان طريق ميسر لختم القرآن. الرابع: في فضائل بعض الآيات والسور. الخامس: في بيان سجدات القرآن. السادس: في نبذة يسيرة من علم القراءات. السابع: في فرائد من فوائد لها صلة بالقرآن. الثامن: في أحكام متعلقة بإكرام المصحف. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والمقرئ الشيخ أحمد بن خليل بن شاهين، والشيخ عبد الله بن علي بصفر - حفظهم الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166515

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية [ محمد خليل هراس ]

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحه بعض أهل العلم، منهم الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - الذ يعد من أنسب الشروح لمتن الواسطية حيث تعرض فيه للموضوعات العقدية تبعاً للمتن فجاءت موضوعاته: أركان الإيمان، آيات الصفات وأحاديثها، فتنة القبر، القيامة، الشفاعة، القضاء والقدر، الإيمان والإسلام، الصحابة والخلافة، وأضاف بيان أبرز المخالفين لعقيدة السلف في هذه القضايا مع الرد الموجز عليهم.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق عفيفي - إسماعيل بن محمد الأنصاري

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107373

    التحميل:

  • تذكرة الصوَّام بشيء من فضائل الصيام والقيام وما يتعلق بهما من أحكام

    تذكرة الصوَّام بشيء من فضائل الصيام والقيام وما يتعلق بهما من أحكام: قال المؤلف: «فهذه تذكرةٌ مُوجَزة بشيءٍ من فضائل الصِّيام والقِيام، وما يتيسَّر ممَّا يتعلَّق بهما من أحكام، جمعتُها لنفسي من كتب مشايخي، ومَنْ سَلَف من أهل العلم - جزاهم الله خيرًا، وضاعَف مَثُوبَتهم - وأحبَبتُ أن ينتَفِع بها مَن شاء الله من إخواني المسلِمين؛ تبليغًا للعلم، وقيامًا بواجب النصيحة، وسمَّيتها: «تذكرة الصُّوَّام بشيءٍ من فضائل الصِّيام والقِيام وما يتعلَّق بهما من أحكام».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330342

    التحميل:

  • فصل المقال في رفع عيسى حياً ونزوله وقتله الدجال

    فصل المقال في رفع عيسى حياً ونزوله وقتله الدجال : منذ مطلع هذا القرن أو قبله وجدت جماعة تدعو إلى التحرر الفكري وتتصدر حركة الإصلاح الديني وتعمل لإحياء المفاهيم الدينية الصحيحة في نفوس المسلمين ولكنهم في سبيل ذلك عمدوا إلى إنكارا لكثير من المغيبات التي وردت بها النصوص الصريحة المتواترة من الكتاب والسنة، الأمر الذي يجعل ثبوتها قطعياً ومعلوماً من الدين بالضرورة ولا سند لهم في هذا الإنكار إلا الجموح الفكري والغرور العقلي وقدر راجت بتاثيرهم تلك النزعة الفلسفية الاعتزالية التي تقوم على تحكيم العقل في أخبار الكتاب والسنة، وعمت فتنتها حتى تاثر بعا بعض الأغرار ممن تستهويهم زخارف القول وتغرهم لوامع الأسماء والالقاب لهذا رأيت أن من واجب البيان الذي أتخلص به من إثم الكتمان أن أضع الحق في نصابه، فابين لهؤلاء الشاردين عن منهج الرشد أن تلك الأمور التي يمارون فيها ثابتة ثبوتاً قطعياً بادلة لا تقبل الجدل ولا المكابرة وأن من يحاول ردها او يسوف الطعن فيها فهو مخاطِر بدينه وهو في الوقت نفسه قد فتح باباً للطعن فيما هو اقل منها ثبوتاً من قضايا الدين الأخرى وبذلك نكون امام موجة من الإنكار لا اول لها ولا آخر، وتصبح قضايا العقيدة كلها عرضة لتلاعب الاهواؤ وتنازع الآراء وسأحاول إن شاء الله في هذه الرسالة الصغيرة أن اسوق الدلائل من الكتاب والىثار السلفية على رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حياً وعلى نزوله إلى الأرض قرب قيام الساعة وقتله مسيح الضلالة الدجال لتكون تبصرة لإخواننا ومعذرة إلى الله - عز وجل -: { لِيَهلِكَ مَن هَلَكَ عن بينةِ ويحيا مَن حيّ عن بَيِّنَة } اسأل الله عز وجل أن ينفع بها حزب الحق والإيمان وأن يقمع بها أهل الزيغ والكفران، إنه كريم منان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/244085

    التحميل:

  • رسالة إلى السجناء

    في هذه الرسالة بعض النصائح والتوجيهات إلى السجناء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209007

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة