Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 111

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) (التوبة) mp3
قِيلَ : هَذَا تَمْثِيل ; مِثْل قَوْله تَعَالَى : " أُولَئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى " [ الْبَقَرَة : 16 ] . وَنَزَلَتْ الْآيَة فِي الْبَيْعَة الثَّانِيَة , وَهِيَ بَيْعَة الْعَقَبَة الْكُبْرَى , وَهِيَ الَّتِي أَنَافَ فِيهَا رِجَال الْأَنْصَار عَلَى السَّبْعِينَ , وَكَانَ أَصْغَرهمْ سِنًّا عُقْبَة بْن عَمْرو ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اِجْتَمَعُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الْعَقَبَة , فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِشْتَرِطْ لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَشْتَرِط لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَشْتَرِط لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسكُمْ وَأَمْوَالكُمْ ) . قَالُوا : فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا ؟ قَالَ : ( الْجَنَّة ) قَالُوا : رَبِحَ الْبَيْع , لَا نُقِيل وَلَا نَسْتَقِيل ; فَنَزَلَتْ : " إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة " الْآيَة . ثُمَّ هِيَ بَعْد ذَلِكَ عَامَّة فِي كُلّ مُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .

هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز مُعَامَلَة السَّيِّد مَعَ عَبْده , وَإِنْ كَانَ الْكُلّ لِلسَّيِّدِ لَكِنْ إِذَا مَلَّكَهُ عَامِله فِيمَا جَعَلَ إِلَيْهِ . وَجَائِز بَيْن السَّيِّد وَعَبْده مَا لَا يَجُوز بَيْنه وَبَيْن غَيْره ; لِأَنَّ مَاله لَهُ وَلَهُ اِنْتِزَاعه .

أَصْل الشِّرَاء بَيْن الْخَلْق أَنْ يُعَوَّضُوا عَمَّا خَرَجَ مِنْ أَيْدِيهمْ مَا كَانَ أَنْفَع لَهُمْ أَوْ مِثْل مَا خَرَجَ عَنْهُمْ فِي النَّفْع ; فَاشْتَرَى اللَّه سُبْحَانه مِنْ الْعِبَاد إِتْلَاف أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ فِي طَاعَته , وَإِهْلَاكهَا فِي مَرْضَاته , وَأَعْطَاهُمْ سُبْحَانه الْجَنَّة عِوَضًا عَنْهَا إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ . وَهُوَ عِوَض عَظِيم لَا يُدَانِيه الْمُعَوَّض وَلَا يُقَاسَ بِهِ , فَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى مَجَاز مَا يَتَعَارَفُونَهُ فِي الْبَيْع وَالشِّرَاء فَمِنْ الْعَبْد تَسْلِيم النَّفْس وَالْمَال , وَمِنْ اللَّه الثَّوَاب وَالنَّوَال فَسُمِّيَ هَذَا شِرَاء . وَرَوَى الْحَسَن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فَوْق كُلّ بِرٍّ بِرٌّ حَتَّى يَبْذُل الْعَبْدُ دَمَهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا بِرَّ فَوْق ذَلِكَ ) . وَقَالَ الشَّاعِر فِي مَعْنَى الْبِرّ : الْجُود بِالْمَاءِ جُود فِيهِ مَكْرُمَة وَالْجُود بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَة الْجُود وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ لِجَعْفَر الصَّادِق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أُثَامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَة رَبّهَا وَلَيْسَ لَهَا فِي الْخَلْق كُلّهمْ ثَمَن بِهَا تُشْتَرَى الْجَنَّات إِنْ أَنَا بِعْتهَا بِشَيْءٍ سِوَاهَا إِنَّ ذَلِكُمُ غَبَن لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أَصَبْتهَا لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَن قَالَ الْحَسَن : وَمَرَّ أَعْرَابِيّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة : " إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ " فَقَالَ : كَلَامُ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : ( كَلَام اللَّه ) قَالَ : بَيْعٌ وَاَللَّهِ مُرْبِحٌ لَا نُقِيلهُ وَلَا نَسْتَقِيلهُ . فَخَرَجَ إِلَى الْغَزْو وَاسْتُشْهِدَ .

قَالَ الْعُلَمَاء : كَمَا اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْبَالِغِينَ الْمُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ اِشْتَرَى مِنْ الْأَطْفَال فَآلَمَهُمْ وَأَسْقَمَهُمْ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَة وَمَا فِيهِ مِنْ الِاعْتِبَار لِلْبَالِغِينَ , فَإِنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ عِنْد شَيْء أَكْثَر صَلَاحًا وَأَقَلّ فَسَادًا مِنْهُمْ عِنْد أَلَم الْأَطْفَال , وَمَا يَحْصُل لِلْوَالِدَيْنِ الْكَافِلَيْنِ مِنْ الثَّوَاب فِيمَا يَنَالهُمْ مِنْ الْهَمّ وَيَتَعَلَّق بِهِمْ مِنْ التَّرْبِيَة وَالْكَفَالَة . ثُمَّ هُوَ عَزَّ وَجَلَّ يُعَوِّض هَؤُلَاءِ الْأَطْفَال عِوَضًا إِذَا صَارُوا إِلَيْهِ . وَنَظِير هَذَا فِي الشَّاهِد أَنَّك تَكْتَرِي الْأَجِير لِيَبْنِيَ وَيَنْقُل التُّرَاب وَفِي كُلّ ذَلِكَ لَهُ أَلَم وَأَذًى , وَلَكِنَّ ذَلِكَ جَائِز لِمَا فِي عَمَله مِنْ الْمَصْلَحَة وَلِمَا يَصِل إِلَيْهِ مِنْ الْأَجْر .



بَيَان لِمَا يُقَاتِل لَهُ وَعَلَيْهِ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ .



قَرَأَ النَّخَعِيّ وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف بِتَقْدِيمِ الْمَفْعُول عَلَى الْفَاعِل ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : فَإِنْ تَقْتُلُونَا نَقْتُلكُمْ ... أَيْ إِنْ تَقْتُلُوا بَعْضنَا يَقْتُلكُمْ بَعْضنَا . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَقْدِيمِ الْفَاعِل عَلَى الْمَفْعُول .


إِخْبَار مِنْ اللَّه تَعَالَى أَنَّ هَذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْكُتُب , وَأَنَّ الْجِهَاد وَمُقَاوَمَة الْأَعْدَاء أَصْله مِنْ عَهْد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام . و " وَعْدًا " و " حَقًّا " مَصْدَرَانِ مُوَكِّدَانِ .



أَيْ لَا أَحَد أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّه . وَهُوَ يَتَضَمَّن الْوَفَاء بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد , وَلَا يَتَضَمَّن وَفَاء الْبَارِئ بِالْكُلِّ ; فَأَمَّا وَعْده فَلِلْجَمِيعِ , وَأَمَّا وَعِيده فَمَخْصُوص بِبَعْضِ الْمُذْنِبِينَ وَبِبَعْضِ الذُّنُوب وَفِي بَعْض الْأَحْوَال . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى .



أَيْ أَظْهِرُوا السُّرُور بِذَلِكَ . وَالْبِشَارَة إِظْهَار السُّرُور فِي الْبَشَرَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ الْحَسَن : وَاَللَّه مَا عَلَى الْأَرْض مُؤْمِن إِلَّا يَدْخُل فِي هَذِهِ الْبَيْعَة .



أَيْ الظَّفَر بِالْجَنَّةِ وَالْخُلُود فِيهَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • رسائل الأفراح

    رسائل الأفراح: رسالة مشتملة على بيان الحقوق الزوجية، وبعض الآداب وما ينبغي أن يحذره المسلم والمسلمة حال حضورهم للأفراح.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1979

    التحميل:

  • خطبة عرفة لعام 1426 هجريًّا

    خطبة ألقاها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - حفظه الله -، في مسجد نمرة يوم 9/1/ 2006 م، الموافق 9 من ذي الحجة عام 1426 هـ. وقام بتفريغ الخطبة الأخ سالم الجزائري - جزاه الله خيرًا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2385

    التحميل:

  • أعمال صالحة في رمضان

    أعمال صالحة في رمضان: في هذه الرسالة بيان بعض الأعمال الصالحة التي ينبغي على المسلم اغتنام أوقاته فيها، وعلى رأسها: الصوم، وقيام الليل في التراويح والتهجد، وإطعام الطعام بتفطير الصائمين واحتساب الأجر في ذلك حتى يأخذ المسلم أجر من فطَّره، والاعتكاف في أواخر الشهر، والعمرة فيه كحجة، الاجتهاد في قراءة القرآن والبكاء والتباكي في ذلك، والاجتهاد لبلوغ ليلة القدر بالعبادة، والإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار، والتحذير من اللهو في شهر العبادة، مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/319838

    التحميل:

  • بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية والحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة

    بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية : كتيب مختصر قال عنه مصنفه في مقدمته « ... ومما لا يخفى، أن جانب العقيدة الإسلامية هو الأساس الذي إذا صلح؛ صلح عمل العبد، وإذا فسد؛ فسد ما انبنى عليه، وبإلقاء نظرة على واقع المسلمين اليوم؛ نجد أن المخالفات العقائدية منتشرة فيهم انتشار النار في الهشيم، مما دعاني إلى التفكير جدياً في اختيار هذا الموضوع، وبعد التفكير الطويل، استقر رأيي على ذلك، مما لاحظته في بعض البلاد الإسلامية، من الانحرافات الكثيرة في العقيدة، فاخترت بعضاً منها، مستعيناً بالله ثم بمن يمكن أن يقدم إلي نصحاً، و عنوان البحث (بعض صور الانحرافات في المجتمعات الإسلامية والحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة) ..».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63381

    التحميل:

  • سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله

    سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «سيرة الابن: الشاب، البار، الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني - رحمه الله تعالى -»، بيّنت فيها سيرته الجميلة على النحو الآتي: أولاً: مولده - رحمه الله تعالى -. ثانيًا: نشأته - رحمه الله تعالى -. ثالثًا: حفظه للقرآن الكريم. رابعًا: دراسته النظامية. خامسًا: شيوخه - رحمه الله -. سادسًا: زملاؤه في كلية الشريعة. سابعًا: طلبه للعلم خارج المدارس النظامية. ثامنًا: مؤلفاته. تاسعًا: تعليقاته المفيدة على بعض كتبه. عاشرًا: تلاميذه في حلقات القرآن الكريم. الحادي عشر: الحكم التي كتبها - رحمه الله -: الشعر، والنثر. الثاني عشر: أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر. الثالث عشر: أخلاقه العظيمة - رحمه الله تعالى -. الرابع عشر: وفاته مع شقيقه عبد الرحيم - رحمهما الله تعالى -. الخامس عشر: سيرة مختصرة لشقيقه الابن: البار، الصغير، الصالح عبد الرحيم - رحمه الله تعالى -. السادس عشر: ما قاله عنه العلماء وطلاب العلم والأساتذة. السابع عشر: ما قاله عنه معلموه. الثامن عشر: ما قاله عنه زملاؤه. التاسع عشر: الفوائد التي اقتطفها من أساتذة كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، خلال ثلاثة أشهر فقط من 13/ 6/ 1422 إلى 16/ 9/ 1422 هـ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/270595

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة