Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 109

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) (التوبة) mp3
أَيْ أَصْل , وَهُوَ اِسْتِفْهَام مَعْنَاهُ التَّقْرِير . و " مَنْ " بِمَعْنَى الَّذِي , وَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَخَبَره " خَيْر " . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر وَجَمَاعَة " أَسَّسَ بُنْيَانه " عَلَى بِنَاء أُسِّسَ لِلْمَفْعُولِ وَرَفْع بُنْيَان فِيهِمَا . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَجَمَاعَة " أَسَّسَ بُنْيَانه " عَلَى بِنَاء الْفِعْل لِلْفَاعِلِ وَنَصْب بُنْيَانه فِيهِمَا . وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد لِكَثْرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِ , وَأَنَّ الْفَاعِل سُمِّيَ فِيهِ . وَقَرَأَ نَصْر بْن عَاصِم بْن عَلِيّ " أَفَمَنْ أَسَسُ " بِالرَّفْعِ " بُنْيَانِهِ " بِالْخَفْضِ . وَعَنْهُ أَيْضًا " أَسَاس بُنْيَانه " وَعَنْهُ أَيْضًا " أَسُّ بُنْيَانِهِ " بِالْخَفْضِ . وَالْمُرَاد أُصُول الْبِنَاء كَمَا تَقَدَّمَ . وَحَكَى أَبُو حَاتِم قِرَاءَة سَادِسَة وَهِيَ " أَفَمَنْ آسَاس بُنْيَانه " قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا جَمْع أُسّ ; كَمَا يُقَال : خُفّ وَأَخْفَاف , وَالْكَثِير " إِسَاس " مِثْل خِفَاف . قَالَ الشَّاعِر : أَصْبَحَ الْمُلْك ثَابِت الْأَسَاس فِي الْبَهَالِيل مِنْ بَنِي الْعَبَّاس


قِرَاءَة عِيسَى بْن عُمَر - فِيمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ - بِالتَّنْوِينِ , وَالْأَلِف أَلِف إِلْحَاق كَأَلِفِ تَتْرَى فِيمَا نُوِّنَ , وَقَالَ الشَّاعِر : يَسْتَنّ فِي عَلْقًى وَفِي مُكُور وَأَنْكَرَ سِيبَوَيْهِ التَّنْوِين , وَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا وَجْهه . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ كُلّ شَيْء اُبْتُدِئَ بِنِيَّةِ تَقْوَى اللَّه تَعَالَى وَالْقَصْد لِوَجْهِهِ الْكَرِيم فَهُوَ الَّذِي يَبْقَى وَيَسْعَد بِهِ صَاحِبه وَيَصْعَد إِلَى اللَّه وَيُرْفَع إِلَيْهِ , وَيُخْبَر عَنْهُ بِقَوْلِهِ : " وَيَبْقَى وَجْه رَبّك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام " [ الرَّحْمَن : 27 ] عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ . وَيُخْبَر عَنْهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : " وَالْبَاقِيَات الصَّالِحَات " [ الْكَهْف : 46 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .



" عَلَى شَفَا " الشَّفَا : الْحَرْف وَالْحَدّ , وَقَدْ مَضَى فِي [ آل عِمْرَان ] مُسْتَوْفًى . و " جُرُف " قُرِئَ بِرَفْعِ الرَّاء , وَأَبُو بَكْر وَحَمْزَة بِإِسْكَانِهَا ; مِثْل الشُّغُل وَالشُّغْل , وَالرُّسُل وَالرُّسْل , يَعْنِي جُرُفًا لَيْسَ لَهُ أَصْل . وَالْجُرُف : مَا يَتَجَرَّف بِالسُّيُولِ مِنْ الْأَوْدِيَة , وَهُوَ جَوَانِبه الَّتِي تَنْحَفِر بِالْمَاءِ , وَأَصْله مِنْ الْجَرْف وَالِاجْتِرَاف ; وَهُوَ اِقْتِلَاع الشَّيْء مِنْ أَصْله . " هَارٍ " سَاقِط ; يُقَال . تَهَوَّرَ الْبِنَاء إِذَا سَقَطَ , وَأَصْله هَائِر , فَهُوَ مِنْ الْمَقْلُوب يُقْلَب وَتُؤَخَّر يَاؤُهَا , فَيُقَال : هَار وَهَائِر , قَالَهُ الزَّجَّاج . وَمِثْله لَاثَ الشَّيْء بِهِ إِذَا دَارَ ; فَهُوَ لَاثٍ أَيْ لَائِث . وَكَمَا قَالُوا : شَاكِي السِّلَاح وَشَائِك السِّلَاح . قَالَ الْعَجَّاج : لَاثَ بِهِ الْأَشَاء وَالْعُبْرِيّ الْأَشَاء النَّخْل , وَالْعُبْرِي السِّدْر الَّذِي عَلَى شَاطِئ الْأَنْهَار . وَمَعْنَى لَاث بِهِ مُطِيف بِهِ . وَزَعَمَ أَبُو حَاتِم أَنَّ الْأَصْل فِيهِ هَاوِر , ثُمَّ يُقَال هَائِر مِثْل صَائِم , ثُمَّ يُقْلَب فَيُقَال هَار . وَزَعَمَ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ مِنْ ذَوَات الْوَاو وَمِنْ ذَوَات الْيَاء , وَأَنَّهُ يُقَال : تَهَوَّرَ وَتَهَيَّرَ .

قُلْت : وَلِهَذَا يُمَال وَيُفْتَح .

" فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم " فَاعِل اِنْهَارَ الْجُرُف ; كَأَنَّهُ قَالَ : فَانْهَارَ الْجُرُف بِالْبُنْيَانِ فِي النَّار ; لِأَنَّ الْجُرُف مُذَكَّر . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الضَّمِير فِي بِهِ يَعُود عَلَى " مَنْ " وَهُوَ الْبَانِي ; وَالتَّقْدِير : فَانْهَارَ مِنْ أُسُس بُنْيَانه عَلَى غَيْر تَقْوًى . وَهَذِهِ الْآيَة ضَرْب مَثَل لَهُمْ , أَيْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى الْإِسْلَام خَيْر أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى الشِّرْك وَالنِّفَاق . وَبَيَّنَ أَنَّ بِنَاء الْكَافِر كَبِنَاءٍ عَلَى جُرُف جَهَنَّم يَتَهَوَّر بِأَهْلِهِ فِيهَا . وَالشَّفَا : الشَّفِير . وَأَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ دَنَا مِنْهُ .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَوْل تَعَالَى : " فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم " هَلْ ذَلِكَ حَقِيقَة أَوْ مَجَاز عَلَى قَوْلَيْنِ ; [ الْأَوَّل ] أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَة وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَهُدِمَ رُئِيَ الدُّخَان يَخْرُج مِنْهُ ; مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ الرَّجُل يُدْخِل فِيهِ سَعْفَة مِنْ سَعَف النَّخْل فَيُخْرِجهَا سَوْدَاء مُحْتَرِقَة . وَذَكَرَ أَهْل التَّفْسِير أَنَّهُ كَانَ يَحْفِر ذَلِكَ الْمَوْضِع الَّذِي اِنْهَارَ فَيَخْرُج مِنْهُ دُخَان . وَرَوَى عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : جَهَنَّم فِي الْأَرْض , ثُمَّ تَلَا " فَانْهَارَ بِهِ فِي نَار جَهَنَّم " . وَقَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه : أَنَا رَأَيْت الدُّخَان يَخْرُج مِنْهُ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . [ وَالثَّانِي ] أَنَّ ذَلِكَ مَجَاز , وَالْمَعْنَى : صَارَ الْبِنَاء فِي نَار جَهَنَّم , فَكَأَنَّهُ اِنْهَارَ إِلَيْهِ وَهَوَى فِيهِ ; وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَأُمّه هَاوِيَة " [ الْقَارِعَة : 9 ] . وَالظَّاهِر الْأَوَّل , إِذْ لَا إِحَالَة فِي ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى الـمبطلين

    تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى الـمبطلين : تحتوي هذه الرسالة على عدة مسائل منها: - منهج المبطلين في إثارة الأباطيل عن القرآن. - الجمع الكتابي للقرآن الكريم. - هل القرآن الكريم من إنشاء محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ - المصادر المزعومة للقرآن الكريم. - هل تغير النص القرآني في عصر الصحابة الكرام؟ - الأباطيل المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله. - الأباطيل المتعلقة بما في القرآن عن أنبياء الله تعالى. - الأباطيل المتعلقة بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم -. - القرآن والمسيحية. - الأخطاء المزعومة في القرآن الكريم. - الأخطاء اللغوية المزعومة في القرآن الكريم. - التناقضات المزعومة في القرآن الكريم. - المرأة في القرآن.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228829

    التحميل:

  • زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة.. حقائق قد لا تعرفها

    رسالةٌ تُبيِّن الحِكمة من زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من السيدة عائشة - رضي الله عنها - صغيرة، ويرد على الطعون والشبهات المثارة حول هذا الزواج، وفي هذا البحث بيان سبب عدم إنكار قريش على النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما تزوج عائشة - رضي الله عنها -، ويتعرَّض لسن الزواج في اليهودية، ويبيِّن أن هذا الزواج ليس مجرد سعي وراء الشهوة.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320093

    التحميل:

  • الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «الصيام في الإسلام» بيّنت فيها بإيجاز: كل ما يحتاجه المسلم في صيامه، وقرنتُ ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة .. وقد قسمت البحث إلى عدة مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: مفهوم الصيام: لغة، وشرعًا. المبحث الثاني: فضائل الصيام وخصائصه. المبحث الثالث: فوائد الصيام ومنافعه العظيمة. المبحث الرابع: فضائل شهر رمضان وخصائصه. المبحث الخامس: حكم صيام شهر رمضان ومراتب فرضيته. المبحث السادس: ثبوت دخول شهر رمضان وخروجه. المبحث السابع: أنواع الصيام وأقسامه. المبحث الثامن: شروط الصيام. المبحث التاسع: أركان الصيام. المبحث العاشر: تيسير الله تعالى في الصيام. المبحث الحادي عشر: أهل الأعذار المبيحة للفطر في نهار رمضان. المبحث الثاني عشر: المفطرات: مفسدات الصيام. المبحث الثالث عشر: شروط المفطرات. المبحث الرابع عشر: الصيام في بلاد يطول فيها النهار. المبحث الخامس عشر: آداب الصيام الواجبة. المبحث السادس عشر: محرمات الصيام. المبحث السابع عشر: آداب الصيام المستحبة. المبحث الثامن عشر: مكروهات الصيام. المبحث التاسع عشر: مباحات الصيام. المبحث العشرون: قضاء الصيام. المبحث الحادي والعشرون: صلاة التراويح. المبحث الثاني والعشرون: أخطاء يقع فيها بعض الصائمين. المبحث الثالث والعشرون: صيام التطوع. المبحث الرابع والعشرون: الصيام المحرم والمكروه. المبحث الخامس والعشرون: ليلة القدر. المبحث السادس والعشرون: الاعتكاف. المبحث السابع والعشرون: فضائل وخصائص العشر الأواخر. المبحث الثامن والعشرون: فضائل تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره، وآدابها وأثرها. المبحث التاسع والعشرون: زكاة الفطر من رمضان. المبحث الثلاثون: آداب العيد».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193638

    التحميل:

  • سجود السهو في ضوء الكتاب والسنة

    سجود السهو في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة بيَّن فيها المؤلف المواضع التي سجد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوضح أن سجود السهو يكون قبل السلام في مواضع وبعده في مواضع أخرى ، مع بيان أسباب سجود السهو.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1939

    التحميل:

  • نبي الإسلام ودين الإسلام والحضارة الإسلامية عند النخبة من علماء الغربيين

    نبي الإسلام ودين الإسلام: لئن نجَحَت طائفةٌ من الغربيين إلى الإساءة لنبيِّ الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وتشويه شريعته؛ عمدًا أو جهلاً، إن منهم فئةً عاقلةً منصفةً التزَمَت منهجًا علميًّا موضوعيًّا في دراسة سيرته وما يتصل بحياته ودعوته، وانتهت إلى الإقرار بأنه أعظمُ شخصٍ عرَفَته البشرية! وفي هذا البحث تتبُّعٌ جادٌّ لشهادات أولئك المُنصِفين من علماء الغرب، تكشِفُ عن عظمة نبيِّ المسلمين، وعظمة الشريعة التي دعا إليها، دون تحيُّز أو ميل إلى هوى!

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341376

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة