لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) (التوبة)
تفسير القرطبي يَعْنِي مَسْجِد الضِّرَار ; أَيْ لَا تَقُمْ فِيهِ لِلصَّلَاةِ . وَقَدْ يُعَبَّر عَنْ الصَّلَاة بِالْقِيَامِ ; يُقَال : فُلَان يَقُوم اللَّيْل أَيْ يُصَلِّي ; وَمِنْهُ الْحَدِيث الصَّحِيح : ( مَنْ قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ... , فَذَكَرَهُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة كَانَ لَا يَمُرّ بِالطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا الْمَسْجِد , وَأَمَرَ بِمَوْضِعِهِ أَنْ يُتَّخَذ كُنَاسَة تُلْقَى فِيهَا الْجِيَف وَالْأَقْذَار وَالْقُمَامَات .
" أَبَدًا " ظَرْف زَمَان . وَظَرْف الزَّمَان عَلَى قِسْمَيْنِ : ظَرْف مُقَدَّر كَالْيَوْمِ , وَظَرْف مُبْهَم كَالْحِينِ وَالْوَقْت ; وَالْأَبَد مِنْ هَذَا الْقَسَم , وَكَذَلِكَ الدَّهْر . وَتَنْشَأ هُنَا مَسْأَلَة أُصُولِيَّة , وَهِيَ أَنَّ " أَبَدًا " وَإِنْ كَانَتْ ظَرْفًا مُبْهَمًا لَا عُمُوم فِيهِ وَلَكِنَّهُ إِذَا اِتَّصَلَ بِلَا النَّافِيَة أَفَادَ الْعُمُوم , فَلَوْ قَالَ : لَا تَقُمْ , لَكَفَى فِي الِانْكِفَاف الْمُطْلَق . فَإِذَا قَالَ : " أَبَدًا " فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات وَلَا فِي حِين مِنْ الْأَحْيَان . فَأَمَّا النَّكِرَة فِي الْإِثْبَات إِذَا كَانَتْ خَبَرًا عَنْ وَاقِع لَمْ تَعُمّ , وَقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ أَهْل اللِّسَان وَقَضَى بِهِ فُقَهَاء الْإِسْلَام فَقَالُوا : لَوْ قَالَ رَجُل لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِق أَبَدًا طَُلُقَتْ طَلْقَة وَاحِدَة .
أَيْ بُنِيَتْ جُدُره وَرُفِعَتْ قَوَاعِده . وَالْأُسّ أَصْل الْبِنَاء ; وَكَذَلِكَ الْأَسَاس . وَالْأُسُس مَقْصُور مِنْهُ . وَجَمْع الْأُسّ إِسَاس ; مِثْل عُسّ وَعِسَاس . وَجَمْع الْأَسَاس أُسُس ; مِثْل قَذَال وَقُذُل . وَجَمْع الْأُسُس آسَاس ; مِثْل سَبَب وَأَسْبَاب . وَقَدْ أَسَّسْت الْبِنَاء تَأْسِيسًا . وَقَوْلهمْ : كَانَ ذَلِكَ عَلَى أُسّ الدَّهْر , وَأَسّ الدَّهْر , وَإِسّ الدَّهْر ; ثَلَاث لُغَات ; أَيْ عَلَى قِدَم الدَّهْر وَوَجْه الدَّهْر . وَاللَّام فِي قَوْله " لَمَسْجِد " لَام قَسَم . وَقِيلَ لَام الِابْتِدَاء ; كَمَا تَقُول : لَزَيْد أَحْسَن النَّاس فِعْلًا ; وَهِيَ مُقْتَضِيَة تَأْكِيدًا . " أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى " نَعْت لِمَسْجِدٍ . " أَحَقّ " خَبَر الِابْتِدَاء الَّذِي هُوَ " لَمَسْجِد " وَمَعْنَى التَّقْوَى هُنَا الْخِصَال الَّتِي تُتَّقَى بِهَا الْعُقُوبَة , وَهِيَ فَعْلَى مِنْ وَقَيْت , وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ; فَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ مَسْجِد قُبَاء ; يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن . وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ : " مِنْ أَوَّل يَوْم " , وَمَسْجِد قُبَاء كَانَ أُسِّسَ بِالْمَدِينَةِ أَوَّل يَوْم ; فَإِنَّهُ بُنِيَ قَبْل مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَهُ اِبْن عُمَر وَابْن الْمُسَيِّب , وَمَالِك فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن وَهْب وَأَشْهَب وَابْن الْقَاسِم . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ : قَالَ تَمَارَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْم ; فَقَالَ رَجُل هُوَ مَسْجِد قُبَاء , وَقَالَ آخَر هُوَ مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُوَ مَسْجِدِي هَذَا ) . قَالَ حَدِيث صَحِيح . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَلْيَق بِالْقِصَّةِ ; لِقَوْلِهِ : " فِيهِ " وَضَمِير الظَّرْف يَقْتَضِي الرِّجَال الْمُتَطَهِّرِينَ ; فَهُوَ مَسْجِد قُبَاء . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَهْل قُبَاء " فِيهِ رِجَال يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاَللَّه يُحِبّ الْمُطَّهِّرِينَ " قَالَ : كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة . قَالَ الشَّعْبِيّ : هُمْ أَهْل مَسْجِد قُبَاء , أَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ هَذَا . وَقَالَ قَتَادَة : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ قُبَاء : ( إِنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاء فِي التَّطَهُّر فَمَا تَصْنَعُونَ ) ؟ قَالُوا : إِنَّا نَغْسِل أَثَر الْغَائِط وَالْبَوْل بِالْمَاءِ ; رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ طَلْحَة بْن نَافِع قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوب وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَنَس بْن مَالِك الْأَنْصَارِيُّونَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَة " فِيهِ رِجَال يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاَللَّه يُحِبّ الْمُطَّهِّرِينَ " فَقَالَ : ( يَا مَعْشَر الْأَنْصَار إِنَّ اللَّه قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطَّهُور فَمَا طَهُوركُمْ هَذَا ) ؟ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , نَتَوَضَّأ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْره ) ؟ فَقَالُوا : لَا غَيْر , إِنَّ أَحَدنَا إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِط أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . قَالَ : ( هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ ) وَهَذَا الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْجِد الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ مَسْجِد قُبَاء , إِلَّا أَنَّ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ نَصَّ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ مَسْجِده فَلَا نَظَر مَعَهُ . وَقَدْ رَوَى أَبُو كُرَيْب قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ حَدَّثَنَا صَالِح بْن حَيَّان قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن بُرَيْدَة فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " فِي بُيُوت أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَع وَيُذْكَر فِيهَا اِسْمه " [ النُّور : 36 ] قَالَ : إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة مَسَاجِد لَمْ يَبْنِهِنَّ إِلَّا نَبِيّ : الْكَعْبَة بَنَاهَا إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام , وَبَيْت أَرِيحَا بَيْت الْمَقْدِس بَنَاهُ دَاوُد وَسُلَيْمَان عَلَيْهِمَا السَّلَام , وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَمَسْجِد قُبَاء اللَّذَيْنِ أُسِّسَا عَلَى التَّقْوَى , بَنَاهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
" " مِنْ " عِنْد النَّحْوِيِّينَ مُقَابِلَة مُنْذُ ; فَمُنْذُ فِي الزَّمَان بِمَنْزِلَةِ مِنْ فِي الْمَكَان . فَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهَا هُنَا مَعْنَى مُنْذُ ; وَالتَّقْدِير : مُنْذُ أَوَّل يَوْم اُبْتُدِئَ بُنْيَانه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى مِنْ تَأْسِيس أَوَّل الْأَيَّام , فَدَخَلَتْ عَلَى مَصْدَر الْفِعْل الَّذِي هُوَ أُسِّسَ ; كَمَا قَالَ : لِمَنْ الدِّيَار بِقُنَّةِ الْحِجْر أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَج وَمِنْ دَهْر أَيْ مِنْ مَرّ حِجَج وَمِنْ مَرّ دَهْر . وَإِنَّمَا دَعَا إِلَى هَذَا أَنَّ مِنْ أُصُول النَّحْوِيِّينَ أَنَّ " مِنْ " لَا يُجَرّ بِهَا الْأَزْمَان , وَإِنَّمَا تُجَرّ الْأَزْمَان بِمُنْذُ , تَقُول مَا رَأَيْته مُنْذُ شَهْر أَوْ سَنَة أَوْ يَوْم , وَلَا تَقُول : مِنْ شَهْر وَلَا مِنْ سَنَة وَلَا مِنْ يَوْم . فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْكَلَام وَهِيَ يَلِيهَا زَمَن فَيُقَدَّر مُضْمَر يَلِيق أَنْ يُجَرّ بِمِنْ ; كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَقْدِير الْبَيْت . اِبْن عَطِيَّة . وَيَحْسُن عِنْدِي أَنْ يُسْتَغْنَى فِي هَذِهِ الْآيَة عَنْ تَقْدِير , وَأَنْ تَكُون " مِنْ " تَجُرّ لَفْظَة " أَوَّل " لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْبُدَاءَة ; كَأَنَّهُ قَالَ : مِنْ مُبْتَدَأ الْأَيَّام .
أَيْ بِأَنْ تَقُوم ; فَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب . و " أَحَقّ " هُوَ أَفْعَل مِنْ الْحَقّ , وَأَفْعَل لَا يَدْخُل إِلَّا بَيْن شَيْئَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ , لِأَحَدِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي اِشْتَرَكَا فِيهِ مَزِيَّة . عَلَى الْآخَر ; فَمَسْجِد الضِّرَار وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَا حَقّ فِيهِ , فَقَدْ اِشْتَرَكَا فِي الْحَقّ مِنْ جِهَة اِعْتِقَاد بَانِيه , أَوْ مِنْ جِهَة اِعْتِقَاد مَنْ كَانَ يَظُنّ أَنَّ الْقِيَام فِيهِ جَائِز لِلْمَسْجِدِيَّةِ ; لَكِنَّ أَحَد الِاعْتِقَادَيْنِ بَاطِل بَاطِنًا عِنْد اللَّه , وَالْآخَر حَقّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ; وَمِثْل هَذَا قَوْله تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " [ الْفُرْقَان : 24 ] وَمَعْلُوم أَنَّ الْخَيْرِيَّة مِنْ النَّار مَبْعُودَة , وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى اِعْتِقَاد كُلّ فِرْقَة أَنَّهَا عَلَى خَيْر وَأَنَّ مَصِيرهَا إِلَيْهِ خَيْر ; إِذْ كُلّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيل : الْعَسَل أَحْلَى مِنْ الْخَلّ ; فَإِنَّ الْعَسَل وَإِنْ كَانَ حُلْوًا فَكُلّ شَيْء مُلَائِم فَهُوَ حُلْو ; أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ النَّاس مَنْ يُقَدِّم الْخَلّ عَلَى الْعَسَل مُفْرَدًا بِمُفْرَدٍ وَمُضَافًا إِلَى غَيْره بِمُضَافٍ .
مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَسْجِد يُرَاد بِهِ مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْهَاء فِي " أَحَقّ أَنْ تَقُوم فِيهِ " عَائِد إِلَيْهِ . و " فِيهِ رِجَال " لَهُ أَيْضًا . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ مَسْجِد قُبَاء , فَالضَّمِير فِي " فِيهِ " عَائِد إِلَيْهِ عَلَى الْخِلَاف الْمُتَقَدِّم .
وَقَالَ قَتَادَة : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ قُبَاء : ( إِنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاء فِي التَّطَهُّر فَمَا تَصْنَعُونَ ) ؟ قَالُوا : إِنَّا نَغْسِل أَثَر الْغَائِط وَالْبَوْل بِالْمَاءِ ; رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ طَلْحَة بْن نَافِع قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوب وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَنَس بْن مَالِك الْأَنْصَارِيُّونَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَة " فِيهِ رِجَال يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاَللَّه يُحِبّ الْمُطَّهِّرِينَ " فَقَالَ : ( يَا مَعْشَر الْأَنْصَار إِنَّ اللَّه قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطَّهُور فَمَا طَهُوركُمْ هَذَا ) ؟ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , نَتَوَضَّأ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْره ) ؟ فَقَالُوا : لَا غَيْر , إِنَّ أَحَدنَا إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِط أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . قَالَ : ( هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ )
أَثْنَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة عَلَى مَنْ أَحَبَّ الطَّهَارَة وَآثَرَ النَّظَافَة , وَهِيَ مُرُوءَة آدَمِيَّة وَوَظِيفَة شَرْعِيَّة ; وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ عَائِشَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : ( مُرْنَ أَزْوَاجكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ ) . قَالَ : حَدِيث صَحِيح . وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَانَ يَحْمِل الْمَاء مَعَهُ فِي الِاسْتِنْجَاء ) ; فَكَانَ يَسْتَعْمِل الْحِجَارَة تَخْفِيفًا وَالْمَاء تَطْهِيرًا . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ كَانَ عُلَمَاء الْقَيْرَوَان يَتَّخِذُونَ فِي مُتَوَضَّآتهمْ أَحْجَارًا فِي تُرَاب يُنَقَّوْنَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ .
اللَّازِم مِنْ نَجَاسَة الْمَخْرَج التَّخْفِيف , وَفِي نَجَاسَة سَائِر الْبَدَن وَالثَّوْب التَّطْهِير . وَذَلِكَ رُخْصَة مِنْ اللَّه لِعِبَادِهِ فِي حَالَتَيْ وُجُود الْمَاء وَعَدَمه ; وَبِهِ قَالَ عَامَّة الْعُلَمَاء . وَشَذَّ اِبْن حَبِيب فَقَالَ : لَا يُسْتَجْمَر بِالْأَحْجَارِ إِلَّا عِنْد عَدَم الْمَاء . وَالْأَخْبَار الثَّابِتَة فِي الِاسْتِجْمَار بِالْأَحْجَارِ مَعَ وُجُود الْمَاء تَرُدّهُ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب فِي إِزَالَة النَّجَاسَة مِنْ الْأَبْدَان وَالثِّيَاب , بَعْد إِجْمَاعهمْ عَلَى التَّجَاوُز وَالْعَفْو عَنْ دَم الْبَرَاغِيث مَا لَمْ يُتَفَاحَش عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : الْأَوَّل : أَنَّهُ وَاجِب فَرْض , وَلَا تَجُوز صَلَاة مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِس عَالِمًا كَانَ بِذَلِكَ أَوْ سَاهِيًا ; رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبِي ثَوْر , وَرَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك , وَهُوَ قَوْل أَبِي الْفَرَج الْمَالِكِيّ وَالطَّبَرِيّ ; إِلَّا أَنَّ الطَّبَرِيّ قَالَ : إِنْ كَانَتْ النَّجَاسَة قَدْر الدِّرْهَم أَعَادَ الصَّلَاة . وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف فِي مُرَاعَاة قَدْر الدِّرْهَم قِيَاسًا عَلَى حَلْقَة الدُّبُر . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِزَالَة النَّجَاسَة وَاجِبَة بِالسُّنَّةِ مِنْ الثِّيَاب وَالْأَبْدَان , وُجُوب سُنَّة وَلَيْسَ بِفَرْضٍ . قَالُوا : وَمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِس أَعَادَ الصَّلَاة فِي الْوَقْت فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْت فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ; هَذَا قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه إِلَّا أَبَا الْفَرَج , وَرِوَايَة اِبْن وَهْب عَنْهُ . وَقَالَ مَالِك فِي يَسِير الدَّم : لَا تُعَاد مِنْهُ الصَّلَاة فِي الْوَقْت وَلَا بَعْده , وَتُعَاد مِنْ يَسِير الْبَوْل وَالْغَائِط ; وَنَحْو هَذَا كُلّه مِنْ مَذْهَب مَالِك قَوْل اللَّيْث . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ : تَجِب إِزَالَتهَا فِي حَالَة الذِّكْر دُون النِّسْيَان ; وَهِيَ مِنْ مُفْرَدَاته . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ إِنْ شَاءَ اللَّه ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ : ( إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير أَمَّا أَحَدهمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الْآخَر فَكَانَ لَا يَسْتَتِر مِنْ بَوْله ... ) . الْحَدِيث , خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَحَسْبك . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة [ سُبْحَان ] [ الْإِسْرَاء : 1 ] . قَالُوا : وَلَا يُعَذَّب الْإِنْسَان إِلَّا عَلَى تَرْك وَاجِب ; وَهَذَا ظَاهِر . وَرَوَى أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَكْثَر عَذَاب الْقَبْر مِنْ الْبَوْل ) . اِحْتَجَّ الْآخَرُونَ ( بِخَلْعِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاة لَمَّا أَعْلَمَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّ فِيهِمَا قَذِرًا وَأَذًى ... ) الْحَدِيث . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , وَسَيَأْتِي فِي سُورَة [ طَه ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالُوا : وَلَمَّا لَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى دَلَّ عَلَى أَنَّ إِزَالَتهَا سُنَّة وَصَلَاته صَحِيحَة , وَيُعِيد مَا دَامَ فِي الْوَقْت طَلَبًا لِلْكَمَالِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَأَمَّا الْفَرْق بَيْن الْقَلِيل وَالْكَثِير بِقَدْرِ الدِّرْهَم الْبَغْلِيّ ; يَعْنِي كِبَار الدَّرَاهِم الَّتِي هِيَ عَلَى قَدْر اِسْتِدَارَة الدِّينَار قِيَاسًا عَلَى الْمَسْرُبَة فَفَاسِد مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُقَدَّرَات لَا تَثْبُت قِيَاسًا فَلَا يُقْبَل هَذَا التَّقْدِير . الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الَّذِي خَفَّفَ عَنْهُ فِي الْمَسْرُبَة رُخْصَة لِلضَّرُورَةِ , وَالْحَاجَة وَالرُّخَص لَا يُقَاسَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا خَارِجَة عَنْ الْقِيَاس فَلَا تَرِد إِلَيْهِ .
