Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة التوبة - الآية 104

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) (التوبة) mp3
قِيلَ : قَالَ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ : هَؤُلَاءِ كَانُوا مَعَنَا بِالْأَمْسِ , لَا يُكَلَّمُونَ وَلَا يُجَالَسُونَ , فَمَا لَهُمْ الْآن ؟ وَمَا هَذِهِ الْخَاصَّة الَّتِي خُصُّوا بِهَا دُوننَا ; فَنَزَلَتْ : " أَلَمْ يَعْلَمُوا " فَالضَّمِير فِي " يَعْلَمُوا " عَائِد إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ . قَالَ مَعْنَاهُ اِبْن زَيْد . وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود إِلَى الَّذِينَ تَابُوا وَرَبَطُوا أَنْفُسهمْ . وَقَوْله تَعَالَى : " هُوَ " تَأْكِيد لِانْفِرَادِ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِهَذِهِ الْأُمُور . وَتَحْقِيق ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : إِنَّ اللَّه يَقْبَل التَّوْبَة لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون قَبُول رَسُوله قَبُولًا مِنْهُ ; فَبَيَّنَتْ الْآيَة أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِل إِلَيْهِ نَبِيّ وَلَا مَلَك .



" وَيَأْخُذ الصَّدَقَات " هَذَا نَصّ صَرِيح فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى هُوَ الْآخِذ لَهَا وَالْمُثِيب عَلَيْهَا وَأَنَّ الْحَقّ لَهُ جَلَّ وَعَزَّ , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسِطَة , فَإِنْ تُوُفِّيَ فَعَامِله هُوَ الْوَاسِطَة بَعْده , وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ حَيّ لَا يَمُوت . وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يَقْبَل الصَّدَقَة وَيَأْخُذهَا بِيَمِينِهِ فَيُرْبِيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرْبِي أَحَدكُمْ مُهْره حَتَّى أَنَّ اللُّقْمَة لَتَصِير مِثْل أُحُد وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَأْخُذ الصَّدَقَات " وَ " يَمْحَق اللَّه الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات " . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( لَا يَتَصَدَّق أَحَد بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْب طَيِّب إِلَّا أَخَذَهَا اللَّه بِيَمِينِهِ - فِي رِوَايَة - فَتَرْبُو فِي كَفّ الرَّحْمَن حَتَّى تَكُون أَعْظَم مِنْ الْجَبَل ) الْحَدِيث . وَرُوِيَ ( إِنَّ الصَّدَقَة لَتَقَع فِي كَفّ الرَّحْمَن قَبْل أَنْ تَقَع فِي كَفّ السَّائِل فَيُرْبِيهَا كَمَا يُرْبِي أَحَدكُمْ فَلُوّهُ أَوْ فَصِيله وَاَللَّه يُضَاعِف لِمَنْ يَشَاء ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْأَحَادِيث : إِنَّ هَذَا كِنَايَة عَنْ الْقَبُول وَالْجَزَاء عَلَيْهَا ; كَمَا كَنَّى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَة الْمُقَدَّسَة عَنْ الْمَرِيض تَعَطُّفًا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ( يَا اِبْن آدَم مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي ... ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي [ الْبَقَرَة ] . وَخُصَّ الْيَمِين وَالْكَفّ بِالذِّكْرِ إِذْ كُلّ قَابِل لِشَيْءٍ إِنَّمَا يَأْخُذهُ بِكَفِّهِ وَبِيَمِينِهِ أَوْ يُوضَع لَهُ فِيهِ ; فَخَرَجَ عَلَى مَا يَعْرِفُونَهُ , وَاَللَّه جَلَّ وَعَزَّ مُنَزَّه عَنْ الْجَارِحَة . وَقَدْ جَاءَتْ الْيَمِين فِي كَلَام الْعَرَب بِغَيْرِ مَعْنَى الْجَارِحَة ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إِذَا مَا رَايَة رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَة بِالْيَمِينِ أَيْ هُوَ مُؤَهَّل لِلْمَجْدِ وَالشَّرَف , وَلَمْ يَرِد بِهَا يَمِين الْجَارِحَة , لِأَنَّ الْمَجْد مَعْنًى فَالْيَمِين الَّتِي تَتَلَقَّى بِهِ رَايَته مَعْنًى . وَكَذَلِكَ الْيَمِين فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ( تَرْبُو فِي كَفّ الرَّحْمَن ) عِبَارَة عَنْ كِفَّة الْمِيزَان الَّتِي تُوزَن فِيهَا الْأَعْمَال , فَيَكُون مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف ; كَأَنَّهُ قَالَ . فَتَرْبُو كِفَّة مِيزَان الرَّحْمَن . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَابْن الْمُبَارَك أَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا شَابَهَهَا : أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفَ ; قَالَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره . وَهَكَذَا قَوْل أَهْل الْعِلْم مِنْ أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نكاح الصالحات ثماره وآثاره

    نكاح الصالحات ثماره وآثاره: قال المصنف - حفظه الله -: «يسر الله وكتبت فيما سبق كتيبًا بعنوان «يا أبي زوجني» وأردت أن أتممه بهذا الموضوع الهام، ألا وهو: صفات المرأة التي يختارها الشاب المقبل على الزواج، خاصةً مع كثرة الفتن وتوسُّع دائرة وسائل الفساد، فأردتُّ أن يكون بعد التفكير في الزواج والعزم على ذلك، إعانةً على مهمة الاختيار، وهي المهمة التي تتوقف عليها سعادة الزوجين».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228675

    التحميل:

  • الأقصى طريق المسرى

    الأقصى طريق المسرى: فإن الناظرَ في أحوال الناس في هذه الأيام, وما يدور حولهم في أرض الإسراء والمعراج، وتبايُن وجهات النظر ليعجَب كل العجب, ذلك أن عدم المعرفة بأمور الدين ،وتقطع أواصر الأمة الإسلامية إلى فِرَق وأحزاب ودويلات، وإقامة الحواجز والحدود أكسَبَ الأمةَ ولاءات جزئية للجنس والأرض، وقد أثّر ذلك بالطبع على الولاء العام للإسلام وأرضه عند البعض، لذلك أحبَبنا أن نُبيِّنَ في هذه العُجالة منزلة أرض الإسراء في الإسلام، والمطلوب من كل مسلم نحوها.

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381060

    التحميل:

  • ثمرة العلم العمل

    ثمرة العلم العمل: فإن الله - جل وعلا - عظَّم قدر العلم ومكانة العلماء; وبيَّن أن العلماء أخشى الناس لله - سبحانه وتعالى -; وذلك لعلمهم بعملهم; وهذا هو ثمرةُ العلم; وفي هذه الرسالة ذكر المؤلف - حفظه الله - الشواهد والدلائل على اقتضاء العلمِ العملَ; من خلال نقاطٍ عديدة تُجلِّي هذا الأمر.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316846

    التحميل:

  • حجز المكان في المسجد

    حجز المكان في المسجد : من المسائل المتعلِّقة بالمساجد التي كثر كلام أهل العلم فيها وشدَّدوا في النهي عنها، وبيَّنوا ما يترتّب عليها من المساوئ: مسألة «حجز المكان في المسجد»؛ فهذه المسألة أصبحت مألوفةً في كثير من المساجد، وبخاصة في الحرمين والمساجد التي يقصدها المصلّون لحُسن تلاوة أئمّتها، أو للصلاة على الجنائز فيها، وفي هذه الرسالة بيان بعض ما ذكره أهل العلم في مسألة حجز المكان في المسجد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233605

    التحميل:

  • التجويد الميسر

    التجويد الميسر : هذا الكتاب عبارة عن تبسيط لقواعد التجويد والقراءة دون إخلال أو تقصير؛ بحيث يتسنى لكل مسلم تناولها وتعلمها دون حاجة إلى عناء أو مشقة في فهمها أو تطبيقها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/253178

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة