Muslim Library

تفسير الطبري - سورة التوبة - الآية 81

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) (التوبة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَاف رَسُول اللَّه وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ قُلْ نَار جَهَنَّم أَشَدّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَرِحَ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ اللَّه عَنْ الْغَزْو مَعَ رَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَجِهَاد أَعْدَائِهِ بِمَقْعَدِهِمْ { خِلَاف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } يَقُول : بِجُلُوسِهِمْ فِي مَنَازِلهمْ خِلَاف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُول : عَلَى الْخِلَاف لِرَسُولِ اللَّه فِي جُلُوسه وَمَقْعَده . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالنَّفْرِ إِلَى جِهَاد أَعْدَاء اللَّه , فَخَالَفُوا أَمْره وَجَلَسُوا فِي مَنَازِلهمْ . وَقَوْله : { خِلَاف } مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : خَالَفَ فُلَان فُلَانًا فَهُوَ يُخَالِفهُ خِلَافًا فَلِذَلِكَ جَاءَ مَصْدَره عَلَى تَقْدِير فِعَال , كَمَا يُقَال : قَاتَلَهُ فَهُوَ يُقَاتِلهُ قِتَالًا , وَلَوْ كَانَ مَصْدَرًا مِنْ خَلَفَهُ , لَكَانَتْ الْقِرَاءَة : " بِمَقْعَدِهِمْ خَلْف رَسُول اللَّه " , لِأَنَّ مَصْدَر خَلَفَهُ خَلْف , لَا خِلَاف , وَلَكِنَّهُ عَلَى مَا بَيَّنْت مِنْ أَنَّهُ مَصْدَر خَالَفَ , فَقُرِئَ : { خِلَاف رَسُول اللَّه } وَهِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قِرَاءَة الْأَمْصَار , وَهِيَ الصَّوَاب عِنْدنَا . وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضهمْ ذَلِكَ , بِمَعْنَى : بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : عَقَبَ الرَّبِيع خِلَافهمْ فَكَأَنَّمَا بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنهنَّ حَصِيرَا وَذَلِكَ قَرِيب لِمَعْنَى مَا قُلْنَا , لِأَنَّهُمْ قَعَدُوا بَعْده عَلَى الْخِلَاف لَهُ . وَقَوْله : { وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَرِهَ هَؤُلَاءِ الْمُخَلَّفُونَ أَنْ يَغْزُوا الْكُفَّار بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ فِي سَبِيل اللَّه ; يَعْنِي : فِي دِين اللَّه الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ لِيَنْصُرُوهُ , مَيْلًا إِلَى الدَّعَة وَالْخَفْض , وَإِيثَارًا لِلرَّاحَةِ عَلَى التَّعَب وَالْمَشَقَّة , وَشُحًّا بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقُوهُ فِي طَاعَة اللَّه . { وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ } وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَنْفَرَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَزْوَة , وَهِيَ غَزْوَة تَبُوك فِي حَرّ شَدِيد , فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ ! فَقَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد نَار جَهَنَّم الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِمَنْ خَالَفَ أَمْره وَعَصَى رَسُوله , أَشَدّ حَرًّا مِنْ هَذَا الْحَرّ الَّذِي تَتَوَاصَوْنَ بَيْنكُمْ أَنْ لَا تَنْفِرُوا فِيهِ . يَقُول : الَّذِي هُوَ أَشَدّ حَرًّا أَحْرَى أَنْ يَحْذَر وَيَتَّقِي مَنْ الَّذِي هُوَ أَقَلّهمَا أَذًى. { لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } يَقُول : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَفْقَهُونَ عَنْ اللَّه وَعْظه وَيَتَدَبَّرُونَ آي كِتَابه , وَلَكِنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ عَنْ اللَّه , فَهُمْ يَحْذَرُونَ مِنْ الْحَرّ اللَّه أَقَلّه مَكْرُوهًا وَأَخَفّه أَذًى , وَيُوَافِقُونَ أَشَدّه مَكْرُوهًا وَأَعْظَمه عَلَى مَنْ يَصْلَاهُ بَلَاء. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13240 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَاف رَسُول اللَّه } إِلَى قَوْله : { يَفْقَهُونَ } وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ النَّاس أَنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ , وَذَلِكَ فِي الصَّيْف , فَقَالَ رِجَال : يَا رَسُول اللَّه , الْحَرّ شَدِيد وَلَا نَسْتَطِيع الْخُرُوج , فَلَا تَنْفِر فِي الْحَرّ ! فَقَالَ اللَّه : { قُلْ نَار جَهَنَّم أَشَدّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } فَأَمَرَهُ اللَّه بِالْخُرُوجِ . 13241 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { بِمَقْعَدِهِمْ خِلَاف رَسُول اللَّه } قَالَ : مِنْ غَزْوَة تَبُوك . 13242 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَغَيْره , قَالُوا : خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرّ شَدِيد إِلَى تَبُوك , فَقَالَ رَجُل مِنْ بَنِي سَلَمَة : لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { قُلْ نَار جَهَنَّم } الْآيَة. 13243 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ذَكَرَ قَوْل بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , حِين أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِهَادِ , وَأَجْمَعَ السَّيْر إِلَى تَبُوك عَلَى شِدَّة الْحَرّ وَجَدْب الْبِلَاد , يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ قُلْ نَار جَهَنَّم أَشَدّ حَرًّا } .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة

    الإيمان بالملائكة وأثره في حياة الأمة: يدرس هذا الكتاب قضية الإيمان بالملائكة، وهي قضيةٌ مهمة من قضايا العقيدة، ويبحث معنى الإيمان بالملائكة، وصفات الملائكة، كما يدرس طرفًا من أعمال الملائكة المُكلَّفين بها، ثم يعرض لأوجه الاختلاف بين عمل الملائكة وعمل الشياطين، ويختتم الكتاب بأثر الإيمان بالملائكة في حياة الإنسان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314807

    التحميل:

  • رسالة إلى كل من يؤمن بعيسى عليه السلام

    رسالة إلى من كل يؤمن بعيسى عليه السلام : هذا الكتاب يحتوي على إجابة الأسئلة الآتية: هل للكون إله؟، لماذا وجدنا؟، حقيقة الإله الحق، صفات الإله الحق، حقيقة يسوع - عليه السلام - ووصيته.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166801

    التحميل:

  • الأخوة الإسلامية وآثارها

    في هذه الرسالة المختصرة كلمات يسيرة فيما يتعلق بالأخوة الإسلامية وآثارها وفوائدها وحق المسلم على أخيه المسلم والحب في الله والبغض في الله والحث على الاجتماع والائتلاف والنهي عن التفرق والاختلاف مع ذكر فوائد أخرى تمس الحاجة إليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209152

    التحميل:

  • إيمان المشركين وتصديقهم بالله في ضوء قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}

    إيمان المشركين وتصديقهم بالله: قال المؤلف: «فهذا بحثٌ مختصرٌ في دراسة معنى قول الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] أحببتُ المشاركة في جمع ما ذكره أهل العلم حول هذه الآية لمسيس الحاجة إلى بيان ما فيها من تقرير التوحيد وأنواعه، والرد على المشركين، والرد على من يجعل الغاية في التوحيد هو الإقرار بالربوبية».

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/331932

    التحميل:

  • فوائد مستنبطة من قصة لقمان الحكيم

    فوائد مستنبطة من قصة لقمان الحكيم: إن الوصايا الواردة في قصة لقمان تضمَّنت فوائد عظيمة; وتوجيهاتٍ كريمة; ولفتاتٍ مباركة، وقد جمع المؤلف - حفظه الله - ما يزيد على الخمسين فائدة من هذه القصة.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316775

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة