Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الغاشية - الآية 6

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ (6) (الغاشية) mp3
" لَيْسَ لَهُمْ " أَيْ لِأَهْلِ النَّار . " طَعَام إِلَّا مِنْ ضَرِيع " لَمَّا ذَكَرَ شَرَابهمْ ذَكَرَ طَعَامهمْ . قَالَ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد : الضَّرِيع : نَبْت ذُو شَوْك لَاصِق بِالْأَرْضِ , تُسَمِّيهِ قُرَيْش الشِّبْرِق إِذَا كَانَ رَطْبًا , فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ الضَّرِيع , لَا تَقْرَبُهُ دَابَّة وَلَا بَهِيمَة وَلَا تَرْعَاهُ وَهُوَ سَمٌّ قَاتِل , وَهُوَ أَخْبَث الطَّعَام وَأَشْنَعُهُ عَلَى هَذَا عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ . إِلَّا أَنَّ الضَّحَّاك رَوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هُوَ شَيْء يُرْمَى بِهِ الْبَحْر , يُسَمَّى الضَّرِيع , مِنْ أَقْوَات الْأَنْعَام لَا النَّاس , فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهِ الْإِبِل لَمْ تَشْبَع , وَهَلَكَتْ هَزْلًا . وَالصَّحِيح مَا قَالَهُ الْجُمْهُور : أَنَّهُ نَبْت . قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : رَعَى الشِّبْرِق الرَّيَّانَ حَتَّى إِذَا ذَوَى وَعَادَ ضَرِيعًا بَانَ مِنْهُ النَّحَائِصُ وَقَالَ الْهُذَلِيّ وَذَكَرَ إِبِلًا وَسُوءَ مَرْعَاهَا : وَحُبِسْنَ فِي هَزْم الضَّرِيع فَكُلُّهَا حَدْبَاءُ دَامِيَةُ الْيَدَيْنِ حَرُودُ وَقَالَ الْخَلِيل : الضَّرِيع : نَبَات أَخْضَر مُنْتِن الرِّيح , يُرْمَى بِهِ الْبَحْر . وَقَالَ الْوَالِبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : هُوَ شَجَر مِنْ نَار , وَلَوْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا لَأَحْرَقَتْ الْأَرْض وَمَا عَلَيْهَا . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هُوَ الْحِجَارَة , وَقَالَهُ عِكْرِمَة . وَالْأَظْهَر أَنَّهُ شَجَر ذُو شَوْك حَسَبَ مَا هُوَ فِي الدُّنْيَا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( الضَّرِيع : شَيْء يَكُون فِي النَّار , يُشْبِه الشَّوْك , أَشَدّ مَرَارَة مِنْ الصَّبْر , وَأَنْتَنُ مِنْ الْجِيفَة , وَأَحَرُّ مِنْ النَّار , سَمَّاهُ اللَّه ضَرِيعًا ) . وَقَالَ خَالِد بْن زِيَاد : سَمِعْت الْمُتَوَكِّل بْن حَمْدَان يُسْأَل عَنْ هَذِهِ الْآيَة " لَيْسَ لَهُمْ طَعَام إِلَّا مِنْ ضَرِيع " قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الضَّرِيع شَجَرَة مِنْ نَار جَهَنَّم , حَمْلُهَا الْقَيْح وَالدَّم , أَشَدّ مَرَارَةً مِنْ الصَّبْر , فَذَلِكَ طَعَامهمْ .

وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ بَعْض مَا أَخْفَاهُ اللَّه مِنْ الْعَذَاب . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : هُوَ طَعَام يَضْرَعُونَ عِنْده وَيَذِلُّونَ , وَيَتَضَرَّعُونَ مِنْهُ إِلَى اللَّه تَعَالَى , طَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِنْهُ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ آكِلَهُ يَضْرَع فِي أَنْ يُعْفَى مِنْهُ , لِكَرَاهَتِهِ وَخُشُونَته . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : قَدْ يَكُون مُشْتَقًّا مِنْ الضَّارِع , وَهُوَ الذَّلِيل أَيْ ذُو ضَرَاعَة , أَيْ مِنْ شُرْبه ذَلِيل تَلْحَقهُ ضَرَاعَة . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا : هُوَ الزَّقُّوم . وَقِيلَ : هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم . فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي مَوْضِع آخَر : " فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَاهُنَا حَمِيم . وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين " [ الْحَاقَّة : 35 - 36 ] . وَقَالَ هُنَا : " إِلَّا مِنْ ضَرِيع " وَهُوَ غَيْر الْغِسْلِين . وَوَجْه الْجَمْع أَنَّ النَّار دَرَكَات فَمِنْهُمْ مَنْ طَعَامه الزَّقُّوم , وَمِنْهُمْ مَنْ طَعَامه الْغِسْلِين , وَمِنْهُمْ مَنْ طَعَامه الضَّرِيع , وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَابه الْحَمِيم , وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَابه الصَّدِيد . قَالَ الْكَلْبِيّ : الضَّرِيع فِي دَرَجَة لَيْسَ فِيهَا غَيْره , وَالزَّقُّوم فِي دَرَجَة أُخْرَى . وَيَجُوز أَنْ تُحْمَل الْآيَتَانِ عَلَى حَالَتَيْنِ كَمَا قَالَ : " يَطُوفُونَ بَيْنهَا وَبَيْن حَمِيم آنٍ " [ الرَّحْمَن : 44 ] . الْقُتَبِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الضَّرِيع وَشَجَرَة الزَّقُّوم نَبْتَيْنِ مِنْ النَّار , أَوْ مِنْ جَوْهَر لَا تَأْكُلهُ النَّار . وَكَذَلِكَ سَلَاسِل النَّار وَأَغْلَالهَا وَعَقَارِبهَا وَحَيَّاتهَا , وَلَوْ كَانَتْ عَلَى مَا نَعْلَمُ مَا بَقِيَتْ عَلَى النَّار . قَالَ : وَإِنَّمَا دَلَّنَا اللَّه عَلَى الْغَائِب عِنْده , بِالْحَاضِرِ عِنْدنَا فَالْأَسْمَاء مُتَّفِقَة الدَّلَالَة , وَالْمَعَانِي مُخْتَلِفَة . وَكَذَلِكَ مَا فِي الْجَنَّة مِنْ شَجَرهَا وَفُرُشهَا . الْقُشَيْرِيّ : وَأَمْثَل مِنْ قَوْل الْقُتَبِيّ أَنْ نَقُول : إِنَّ الَّذِي يُبْقِي الْكَافِرِينَ فِي النَّار لِيَدُومَ عَلَيْهِمْ الْعَذَاب , يُبْقِي النَّبَات وَشَجَرَة الزَّقُّوم فِي النَّار , لِيُعَذَّبَ بِهَا الْكُفَّار . وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الضَّرِيع بِعَيْنِهِ لَا يَنْبُت فِي النَّار , وَلَا أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَهُ . فَالضَّرِيع مِنْ أَقْوَات الْأَنْعَام , لَا مِنْ أَقْوَات النَّاس . وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِبِل فِيهِ لَمْ تَشْبَعْ , وَهَلَكَتْ هَزْلًا , فَأَرَادَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقْتَاتُونَ بِمَا لَا يُشْبِعهُمْ , وَضَرَبَ الضَّرِيع لَهُ مَثَلًا , أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بِالْجُوعِ كَمَا يُعَذَّب مَنْ قُوتُهُ الضَّرِيع . قَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم : وَهَذَا نَظَر سَقِيم مِنْ أَهْله وَتَأْوِيل دَنِيء , كَأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ تَحَيَّرُوا فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى , وَأَنَّ الَّذِي أَنْبَتَ فِي هَذَا التُّرَاب هَذَا الضَّرِيع قَادِر عَلَى أَنْ يُنْبِتَهُ فِي حَرِيق النَّار , جَعَلَ لَنَا فِي الدُّنْيَا مِنْ الشَّجَر الْأَخْضَر نَارًا , فَلَا النَّار تُحْرِق الشَّجَر , وَلَا رُطُوبَة الْمَاء فِي الشَّجَر تُطْفِئ النَّار فَقَالَ تَعَالَى : " الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَر الْأَخْضَر نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ " [ يس : 80 ] . وَكَمَا قِيلَ حِين نَزَلَتْ " وَنَحْشُرُهُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى وُجُوههمْ " [ الْإِسْرَاء : 97 ] : قَالُوا يَا رَسُول اللَّه , كَيْف يَمْشُونَ عَلَى وُجُوههمْ ؟ فَقَالَ : ( الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلهمْ قَادِر عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوههمْ ) . فَلَا يَتَحَيَّر فِي مِثْل هَذَا إِلَّا ضَعِيف الْقَلْب . أَوَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا " [ النِّسَاء : 56 ] , وَقَالَ : " سَرَابِيلهمْ مِنْ قَطْرَانِ " [ إِبْرَاهِيم : 50 ] , وَقَالَ : " إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا " [ الْمُزَّمِّل : 12 ] أَيْ قُيُودًا . " وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّة " قِيلَ : ذَا شَوْك . فَإِنَّمَا يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ الْعَذَاب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فوائد مستنبطة من قصة لقمان الحكيم

    فوائد مستنبطة من قصة لقمان الحكيم: إن الوصايا الواردة في قصة لقمان تضمَّنت فوائد عظيمة; وتوجيهاتٍ كريمة; ولفتاتٍ مباركة، وقد جمع المؤلف - حفظه الله - ما يزيد على الخمسين فائدة من هذه القصة.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316775

    التحميل:

  • صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم

    صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم: ما من عبادة إلا ولها صفة وكيفية; قد تكفل الله - سبحانه - ببيانها; أو بينها رسوله - صلى الله عليه وسلم -; وقد حجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة حجة واحدة; وهي التي سميت بـحجة الوداع; لأنه ودع فيها الناس; وفي هذه الحجة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - للأمة مناسك الحج; فقال - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا عنّي مناسككم»; وفي هذا الكتاب بيان لصفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316728

    التحميل:

  • شرح ثلاثة الأصول [ العثيمين ]

    ثلاثة الأصول وأدلتها: رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت, والإيمان بالله، وقد قام بشرحها فضيلة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2384

    التحميل:

  • الحوقلة: مفهومها وفضائلها ودلالاتها العقدية

    الحوقلة: مفهومها وفضائلها ودلالاتها العقدية: رسالةٌ اشتملت على المباحث التالية: المبحث الأول: مفهوم الحَوْقلة. المبحث الثاني: فضائلها. المبحث الثالث: دلالاتها العقدية. المبحث الرابع: في التنبيه على بعض المفاهيم الخاطئة.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316764

    التحميل:

  • من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة

    رسالة مختصرة تحتوي على بيان بعض أصول عقيدة أهل السنة والجماعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314810

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة