Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الغاشية - الآية 3

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (3) (الغاشية) mp3
" عَامِلَة " فَهَذَا فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ دَار عَمَل . فَالْمَعْنَى : وُجُوه عَامِلَة نَاصِبَة فِي الدُّنْيَا " خَاشِعَة " فِي الْآخِرَة . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا دَأَبَ فِي سَيْره : قَدْ عَمِلَ يَعْمَل عَمَلًا . وَيُقَال لِلسَّحَابِ إِذَا دَامَ بَرْقُهُ : قَدْ عَمِلَ يَعْمَل عَمَلًا . وَذَا سَحَاب عَمِلٌ . قَالَ الْهُذَلِيّ : حَتَّى شَآهَا كَلِيلٌ مَوْهِنًا عَمِلٌ بَاتَتْ طِرَابًا وَبَاتَ اللَّيْل لَمْ يَنَمِ " نَاصِبَة " أَيْ تَعِبَة . يُقَال : نَصَبَ ( بِالْكَسْرِ ) يَنْصَب نَصَبًا : إِذَا تَعِبَ , وَنَصْبًا أَيْضًا , وَأَنْصَبَهُ غَيْره . فَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هُمْ الَّذِينَ أَنَصَبُوا أَنْفُسهمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَعْصِيَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَعَلَى الْكُفْر مِثْل عَبَدَة الْأَوْثَان , وَكُفَّار أَهْل الْكِتَاب مِثْل الرُّهْبَان وَغَيْرهمْ , لَا يَقْبَل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْهُمْ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ .

وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة : " عَامِلَة نَاصِبَة " قَالَ : تَكَبَّرَتْ فِي الدُّنْيَا عَنْ طَاعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَأَعْمَلَهَا اللَّه وَأَنْصَبَهَا فِي النَّار , بِجَرِّ السَّلَاسِل الثِّقَال , وَحَمْل الْأَغْلَال , وَالْوُقُوف حُفَاة عُرَاة فِي الْعَرَصَات , فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة .

قَالَ الْحَسَن وَسَعِيد بْن جُبَيْر : لَمْ تَعْمَل لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا , وَلَمْ تَنْصَب لَهُ , فَأَعْمَلَهَا وَأَنْصَبَهَا فِي جَهَنَّم . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يُجَرُّونَ عَلَى وُجُوههمْ فِي النَّار . وَعَنْهُ وَعَنْ غَيْره : يُكَلَّفُونَ اِرْتِقَاء جَبَل مِنْ حَدِيد فِي جَهَنَّم , فَيَنْصَبُونَ فِيهَا أَشَدّ مَا يَكُون مِنْ النَّصَب , بِمُعَالَجَةِ السَّلَاسِل وَالْأَغْلَال وَالْخَوْض فِي النَّار كَمَا تَخُوض الْإِبِل فِي الْوَحْل , وَارْتِقَائِهَا فِي صُعُود مِنْ نَار , وَهُبُوطهَا فِي حُدُور مِنْهَا إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ عَذَابهَا . وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَرَّا اِبْن مُحَيْصِن وَعِيسَى وَحُمَيْد , وَرَوَاهَا عُبَيْد عَنْ شِبْل . عَنْ اِبْن كَثِير " نَاصِبَةً " بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال . وَقِيلَ : عَلَى الذَّمّ . الْبَاقُونَ ( بِالرَّفْعِ ) عَلَى الصِّفَة أَوْ عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ , فَيُوقَف عَلَى " خَاشِعَة " . وَمَنْ جَعَلَ الْمَعْنَى فِي الْآخِرَة , جَازَ أَنْ يَكُون خَبَرًا بَعْد خَبَر عَنْ " وُجُوه " , فَلَا يُوقَف عَلَى " خَاشِعَة " . وَقِيلَ : " عَامِلَة نَاصِبَة " أَيْ عَامِلَة فِي الدُّنْيَا نَاصِبَة فِي الْآخِرَة . وَعَلَى هَذَا يَحْتَمِل وُجُوه يَوْمَئِذٍ عَامِلَة فِي الدُّنْيَا , نَاصِبَة فِي الْآخِرَة , خَاشِعَة . قَالَ عِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ : عَمِلَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَزَيْد بْن أَسْلَمَ : هُمْ الرُّهْبَان أَصْحَاب الصَّوَامِع وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة الضَّحَّاك عَنْهُ . وَرَوَى عَنْ الْحَسَن قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الشَّام أَتَاهُ رَاهِب شَيْخ كَبِير مُتَقَهِّل , عَلَيْهِ سَوَاد , فَلَمَّا رَآهُ عُمَر بَكَى . فَقَالَ لَهُ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , مَا يُبْكِيك ؟ قَالَ : هَذَا الْمِسْكِين طَلَبَ أَمْرًا فَلَمْ يُصِبْهُ , وَرَجَا رَجَاء فَأَخْطَأَهُ , - وَقَرَأَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - " وُجُوه يَوْمَئِذٍ خَاشِعَة . عَامِلَة نَاصِبَة " . قَالَ الْكِسَائِيّ : التَّقَهُّل : رَثَاثَة الْهَيْئَة , وَرَجُل مُتَقَهِّل : يَابِس الْجِلْد سَيِّئُ الْحَال , مِثْل الْمُتَقَحِّل . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : التَّقَهُّل : شَكْوَى الْحَاجَة . وَأَنْشَدَ : لَعْوًا إِذَا لَاقَيْته تَقَهُّلًا وَالْقَهَل : كُفْرَان الْإِحْسَان . وَقَدْ قَهِلَ يَقْهَلُ قَهَلًا : إِذَا أَثْنَى ثَنَاء قَبِيحًا . وَأَقْهَلَ الرَّجُل تَكَلَّفَ مَا يَعِيبهُ وَدَنَّسَ نَفْسه . وَانْقَهَلَ ضَعُفَ وَسَقَطَ قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَعَنْ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُمْ أَهْل حَرُورَاء يَعْنِي الْخَوَارِج الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ( تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ , وَصِيَامكُمْ مَعَ صِيَامهمْ , وَأَعْمَالكُمْ مَعَ أَعْمَالهمْ , يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين كَمَا تَمْرُق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة . .. ) الْحَدِيثَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • في إشراقة آية

    يذكر المؤلف في كتابه أربعة وثلاثين آية محكمة، ويسرد بعد كل آية جملة من معانيها العظام، التي تنير الهدى لذوي البصائر الأفهام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314475

    التحميل:

  • الطب النبوي

    الطب النبوي : في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح من كتاب الطب النبوي، والذي يتضمن فصول نافعة في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره حيث يبين الكاتب فيه الحكمة التي تعجز عقول أكبر الأطباء عن الوصول إليها. - وهذا الكتاب هو الجزء الرابع من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141721

    التحميل:

  • الإتقان في علوم القرآن

    الإتقان في علوم القرآن : كتاب يبحث في العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم مثل مواطن النزول وأوقاته ووقائعه، والقراءات وأسانيد رواية القرآن الكريم، والألفاظ القرآنية والتجويد، وأحكام القرآن كالعام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما يتعلق بالعلوم القرآنية. مع شرح هذه الأمور والتمثيل عليها وعد شروطه.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141385

    التحميل:

  • حقوق كبار السن في الإسلام

    حقوق كبار السن في الإسلام: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «فإن الناسَ يحتاجون حاجةً ماسَّةً إلى التذكيرِ بحقوق الله - جل وعلا -، وحقوق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وحقوق الوالِدين، وحقوق الأقارب والجيران، وحقوق كبار السن ... إلى غير ذلك من الحقوق. والتذكيرُ بهذه الحقوق بوابةٌ للخير وطريقٌ للصلاحِ والفلاحِ، فالمُسلمُ إذا ذُكّر تذكَّر، وإذا دُلَّ على الخير اهتدَى».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381126

    التحميل:

  • العبادة: تعريفها - أركانها - شروطها - مبطلاتها

    العبادة: تعريفها - أركانها - شروطها - مبطلاتها: كتابٌ يُبيِّن أهمية العبادة في حياة المسلم، وقد تضمَّن أربعة فصولاً، وهي: تعريف العبادة وحقيقتها، وأركان العبادة وأدلتها، وشروط العبادة وأدلتها، ومبطلات العبادة.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314990

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة