Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأعلى - الآية 3

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ (3) (الأعلى) mp3
قَرَأَ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالسُّلَمِيّ وَالْكِسَائِيّ " قَدَرَ " مُخَفَّفَة الدَّال , وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ . وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . أَيْ قَدَّرَ وَوَفَّقَ لِكُلِّ شَكْلٍ شَكْلَهُ . " فَهَدَى " أَيْ أَرْشَدَ . قَالَ مُجَاهِد : قَدَّرَ الشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة , وَهَدَى لِلرُّشْدِ وَالضَّلَالَة . وَعَنْهُ قَالَ : هَدَى الْإِنْسَان لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَة , وَهَدَى الْأَنْعَام لِمَرَاعِيهَا . وَقِيلَ : قَدَّرَ أَقْوَاتهمْ وَأَرْزَاقهمْ , وَهَدَاهُمْ لِمَعَاشِهِمْ إِنْ كَانُوا إِنْسًا , وَلِمَرَاعِيهِمْ إِنْ كَانُوا وَحْشًا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ فِي قَوْله " فَهَدَى " قَالُوا : عَرَّفَ خَلْقه كَيْف يَأْتِي الذَّكَر الْأُنْثَى كَمَا قَالَ فِي ( طه ) : " الَّذِي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى " [ طه : 50 ] أَيْ الذَّكَر لِلْأُنْثَى . وَقَالَ عَطَاء : جَعَلَ لِكُلِّ دَابَّة مَا يُصْلِحُهَا , وَهَدَاهَا لَهُ . وَقِيلَ : خَلَقَ الْمَنَافِع فِي الْأَشْيَاء , وَهَدَى الْإِنْسَان لِوَجْهِ اِسْتِخْرَاجهَا مِنْهَا . وَقِيلَ " قَدَّرَ فَهَدَى " : قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوَان مَا يُصْلِحُهُ , فَهَدَاهُ , وَعَرَّفَهُ وَجْه الِانْتِفَاع بِهِ . يُحْكَى أَنَّ الْأَفْعَى إِذَا أَتَتْ عَلَيْهَا أَلْف سَنَة عَمِيَتْ , وَقَدْ أَلْهَمَهَا اللَّه أَنَّ مَسْحَ الْعَيْن بِوَرَقِ الرَّازِيَانْج الْغَضّ يَرُدُّ إِلَيْهَا بَصَرَهَا فَرُبَّمَا كَانَتْ فِي بَرِّيَّة بَيْنهَا وَبَيْن الرِّيف مَسِيرَة أَيَّام , فَتَطْوِي تِلْكَ الْمَسَافَة عَلَى طُولهَا وَعَلَى عَمَّاهَا , حَتَّى تَهْجُم فِي بَعْض الْبَسَاتِين عَلَى شَجَرَة الرَّازِيَانْج لَا تُخْطِئُهَا , فَتَحُكُّ بِهَا عَيْنَيْهَا وَتَرْجِع بَاصِرَة بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى . وَهِدَايَات الْإِنْسَان إِلَى مَا لَا يُحَدّ مِنْ مَصَالِحه , و مَا لَا يُحْصَر مِنْ حَوَائِجه , فِي أَغْذِيَته وَأَدْوِيَته , وَفِي أَبْوَاب دُنْيَاهُ وَدِينه , وَإِلْهَامَات الْبَهَائِم وَالطُّيُور وَهَوَامّ الْأَرْض بَاب وَاسِع , وَشَوْط بَطِين , لَا يُحِيط بِهِ وَصْف وَاصِف فَسُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى . وَقَالَ السُّدِّيّ : قَدَّرَ مُدَّة الْجَنِين فِي الرَّحِم تِسْعَة أَشْهُر , وَأَقَلّ وَأَكْثَر , ثُمَّ هَدَاهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الرَّحِم . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَيْ قَدَّرَ , فَهَدَى وَأَضَلَّ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدهمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ " [ النَّحْل : 81 ] . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِمَعْنَى دَعَا إِلَى الْإِيمَان كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنَّك لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " . [ الشُّورَى : 52 ] . أَيْ لَتَدْعُو , وَقَدْ دَعَا الْكُلّ إِلَى الْإِيمَان . وَقِيلَ : " فَهَدَى " أَيْ دَلَّهُمْ بِأَفْعَالِهِ عَلَى تَوْحِيده , وَكَوْنه عَالِمًا قَادِرًا . وَلَا خِلَاف أَنَّ مَنْ شَدَّدَ الدَّال مِنْ " قَدَّرَ " أَنَّهُ مِنْ التَّقْدِير كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَخَلَقَ كُلّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا " [ الْفُرْقَان : 2 ] . وَمَنْ خَفَّفَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ التَّقْدِير فَيَكُونَانِ بِمَعْنًى . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ الْقَدْر وَالْمِلْك أَيْ مَلَكَ الْأَشْيَاء , وَهَدَى مَنْ يَشَاء .

قُلْت : وَسَمِعْت بَعْض أَشْيَاخِي يَقُول : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَقَدَّرَ فَهَدَى . هُوَ تَفْسِير الْعُلُوّ الَّذِي يَلِيق بِجَلَالِ اللَّه سُبْحَانه عَلَى جَمِيع مَخْلُوقَاته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نحو الإيمان

    نحو الإيمان: رسالةٌ تُبيّن أهمية الإيمان في حياة الإنسان، وتُظهِر الفرق بين المؤمنين وغيرهم في معرفة الهدف من الخلق، فالله - سبحانه وتعالى - قد وضَّح الهدف من الخلق وهو: عبادته وطاعته وإعمار الأرض بتوحيد الله - جل وعلا -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339042

    التحميل:

  • جماليات النظم القرآني في قصة المراودة في سورة يوسف

    جماليات النظم القرآني في قصة المراودة في سورة يوسف: يهدف هذا البحث من خلال المنهج التحليلي إلى الكشف عن الأوجه البلاغية في قصة المراودة في سورة يوسف، بغية إثراء الجانب التطبيقي في البلاغة القرآنية، وبيان أثر المنهج البلاغي في كشف المعاني الدقيقة والإقناع بها.

    الناشر: مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية http://tadabbor.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332093

    التحميل:

  • أبراج الزجاج في سيرة الحَجَّاج

    أبراج الزجاج في سيرة الحَجَّاج: قال المراجع - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة مفيدة في سيرة الحجاج بن يوسف أمير العراق، كتبها الابن الشاب، وقد سمّاها - رحمه الله -: «أبراج الزجاج في سيرة الحجاج»، وهي رسالة نافعة جدًّا، بيَّن فيها - رحمه الله تعالى -: نسبَ الحجَّاج، ومولده، وأسرته، وعدد أولاده، وزوجاته، وأخباره معهنّ، وبداية إمارته، وحال الحجاج قبل الإمارة، وقصة قتله لعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما -، وكيف تولى إمارة العراق، وفتوحات الحجاج، وصفات الحجاج، وإصلاحاته، وما قيل فيه من مدح، وما قيل فيه من ذم وهجاء، وخطابة الحجاج، ورسائله، ونقد الحجاج، وأقوال العلماء فيه، وما ذكر فيه من أحلام ورُؤىً بعد موته، وذكر وقت وفاته، وأثر وفاته على بعض الناس، ثم ذكر الابن عبد الرحمن - رحمه الله - خاتمة البحث، ثم التوصيات، ثم قائمة المراجع التي رجع إليها في سيرة الحجاج، وعندما رأيت هذا الترتيب الجميل، والاختصار المفيد، أحببت أن أقوم بإخراج هذه الرسالة التي توضح الحقيقة في شأن الحجاج».

    المدقق/المراجع: سعيد بن علي بن وهف القحطاني

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/269034

    التحميل:

  • شرح المنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية

    شرح المنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية: منظومةٌ نافعةٌ مكونةٌ من (247) بيتًا، وجَّهها الشيخ العلامة حافظ بن أحمد الحكمي - رحمه الله تعالى - لطلاب العلم؛ حيث تضمَّنت وصايا وآداب عامة ينبغي التحلِّي بها طالب العلم، وقد قام المؤلف - حفظه الله - بشرحها شرحًا مُفصَّلاً، مُبيِّنًا مقاصدها، مُستنبطًا فوائدها، مع شفعه بكلام أهل العلم.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316841

    التحميل:

  • الذكر والدعاء في ضوء الكتاب والسنة

    الذكر والدعاء في ضوء الكتاب والسنة : كتاب مختصر جامع لجملة من الأذكار النبوية والأدعية المأثورة عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144875

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة