Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الانشقاق - الآية 19

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19) (الانشقاق) mp3
قَرَأَ أَبُو عُمَر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمَسْرُوق وَأَبُو وَائِل وَمُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ وَابْن كَثِير وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " لَتَرْكَبَنَّ " بِفَتْحِ الْبَاء خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ لَتَرْكَبَن يَا مُحَمَّد حَالًا بَعْد حَال , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . الشَّعْبِيّ : لَتَرْكَبَنَّ يَا مُحَمَّد سَمَاء بَعْد سَمَاء , وَدَرَجَة بَعْد دَرَجَة , وَرُتْبَة بَعْد رُتْبَة , فِي الْقُرْبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى . اِبْن مَسْعُود : لَتَرْكَبَنَّ السَّمَاء حَالًا بَعْد حَال , يَعْنِي حَالَاتهَا الَّتِي وَصَفَهَا اللَّه تَعَالَى بِهَا مِنْ الِانْشِقَاق وَالطَّيِّ وَكَوْنهَا مَرَّة كَالْمُهْلِ وَمَرَّة كَالدِّهَانِ . وَعَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَبْد الْأَعْلَى : " طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ : السَّمَاء تُقَلَّب حَالًا بَعْد حَال . قَالَ : تَكُون وَرْدَة كَالدِّهَانِ , وَتَكُون كَالْمُهْلِ ; وَقِيلَ : أَيْ لَتَرْكَبَنَّ أَيّهَا الْإِنْسَان حَالًا بَعْد حَال , مِنْ كَوْنِك نُطْفَة ثُمَّ عَلَقَة ثُمَّ مُضْغَة ثُمَّ حَيًّا وَمَيِّتًا وَغَنِيًّا وَفَقِيرًا . فَالْخِطَاب لِلْإِنْسَانِ الْمَذْكُور فِي قَوْله : " يَا أَيُّهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح " هُوَ اِسْم لِلْجِنْسِ , وَمَعْنَاهُ النَّاس . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " لَتَرْكَبُنَّ " بِضَمِّ الْبَاء , خِطَابًا لِلنَّاسِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم , قَالَ : لِأَنَّ الْمَعْنَى بِالنَّاسِ أَشْبَه مِنْهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِمَا ذُكِرَ قَبْل هَذِهِ الْآيَة فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِشِمَالِهِ . أَيْ لَتَرْكَبُنَّ حَالًا بَعْد حَال مِنْ شَدَائِد الْقِيَامَة , أَوْ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّة مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي التَّكْذِيب وَاخْتِلَاق عَلَى الْأَنْبِيَاء . قُلْت : وَكُلّه مُرَاد , وَقَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ أَحَادِيث , فَرَوَى أَبُو نُعَيْم الْحَافِظ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَالَ سَمِعْت رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اِبْن آدَم لَفِي غَفْلَة عَمَّا خَلَقَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; إِنَّ اللَّه لَا إِلَه غَيْره إِذَا أَرَادَ خَلْقه قَالَ لِلْمَلَكِ اكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَثَره وَأَجَله , وَاكْتُبْ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا , ثُمَّ يَرْتَفِع ذَلِكَ الْمَلَك , وَيَبْعَث اللَّه مَلَكًا آخَر فَيُحَفِّظهُ حَتَّى يُدْرِك , ثُمَّ يَبْعَث اللَّه مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , فَإِذَا جَاءَهُ الْمَوْت اِرْتَفَعَ ذَانِك الْمَلَكَانِ , ثُمَّ جَاءَهُ مَلَك الْمَوْت عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقْبِض رُوحه , فَإِذَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ رُدَّ الرُّوح فِي جَسَده , ثُمَّ يَرْتَفِع مَلَك الْمَوْت , ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكَا الْقَبْر فَامْتَحَنَاهُ , ثُمَّ يَرْتَفِعَانِ , فَإِذَا قَامَتْ السَّاعَة اِنْحَطَّ عَلَيْهِ مَلَك الْحَسَنَات وَمَلَك السَّيِّئَات , فَأَنْشَطَا كِتَابًا مَعْقُودًا فِي عُنُقه , ثُمَّ حَضَرَا مَعَهُ , وَاحِد سَائِق وَالْآخَر شَهِيد ) ثُمَّ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " لَقَدْ كُنْت فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْك غِطَاءَك , فَبَصَرُك الْيَوْم حَدِيدٌ " [ ق : 22 ] . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ : ( حَالًا بَعْد حَال ) ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ قُدَّامَكُمْ أَمْرًا عَظِيمًا فَاسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ الْعَظِيم ) فَقَدْ اِشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَحْوَال تَعْتَرِي الْإِنْسَان , مِنْ حِين يُخْلَق إِلَى حِين يُبْعَث , وَكُلّه شِدَّة بَعْد شِدَّة , حَيَاة ثُمَّ مَوْت , ثُمَّ بَعْث ثُمَّ جَزَاء , وَفِي كُلّ حَال مِنْ هَذِهِ شَدَائِد . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَتَرْكَبُنَّ سُنَن مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ , وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ , حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْر ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , الْيَهُود وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ : فَمَنْ ؟ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ : وَأَمَّا أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ , فَقَالَ عِكْرِمَة : حَالًا بَعْد حَال , فَطِيمًا بَعْد رَضِيع , وَشَيْخًا بَعْد شَبَاب , قَالَ الشَّاعِر : كَذَلِكَ الْمَرْء إِنْ يُنْسَأْ لَهُ أَجَل يَرْكَبْ عَلَى طَبَقٍ مِنْ بَعْدِهِ طَبَق وَعَنْ مَكْحُول : كُلّ عِشْرِينَ عَامًا تَجِدُونَ أَمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ : وَقَالَ الْحَسَن : أَمْرًا بَعْد أَمْرٍ , رَخَاء بَعْد شِدَّة , وَشِدَّة بَعْد رَخَاء , وَغِنًى بَعْد فَقْر , وَفَقْرًا بَعْد غِنًى , وَصِحَّة بَعْد سَقَم , وَسَقَمًا بَعْد صِحَّة : سَعِيد بْن جُبَيْر : مَنْزِلَة بَعْد مَنْزِلَة , قَوْم كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُتَّضِعِينَ فَارْتَفَعُوا فِي الْآخِرَة , وَقَوْم كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ فَاتَّضَعُوا فِي الْآخِرَة : وَقِيلَ : مَنْزِلَة عَنْ مَنْزِلَة , وَطَبَقًا عَنْ طَبَق , وَذَلِكَ , أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى صَلَاح دَعَاهُ إِلَى صَلَاح فَوْقه , وَمَنْ كَانَ عَلَى فَسَاد دَعَاهُ إِلَى فَسَاد فَوْقه ; لِأَنَّ كُلّ شَيْء يَجْرِي إِلَى شَكْله : اِبْن زَيْد : وَلَتَصِيرُنَّ مِنْ طَبَق الدُّنْيَا إِلَى طَبَق الْآخِرَة : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الشَّدَائِد وَالْأَهْوَال : الْمَوْت , ثُمَّ الْبَعْث , ثُمَّ الْعَرْض , وَالْعَرَب تَقُول لِمَنْ وَقَعَ فِي أَمْر شَدِيد : وَقَعَ فِي بَنَات طَبَق , وَإِحْدَى بَنَات طَبَق , وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّاهِيَةِ الشَّدِيدَة : أُمّ طَبَق , وَإِحْدَى بَنَات طَبَق : وَأَصْلهَا مِنْ الْحَيَّات , إِذْ يُقَال : لِلْحَيَّةِ أُمّ طَبَق لِتَحْوِيهَا : وَالطَّبَق فِي اللُّغَة : الْحَال كَمَا وَصَفْنَا , قَالَ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ : إِنِّي اِمْرُؤُ قَدْ حَلَبْت الدَّهْر أَشْطُرَهُ وَسَاقَنِي طَبَق مِنْهُ إِلَى طَبَق وَغَدًا أَدَلّ دَلِيل عَلَى حُدُوث الْعَالَم , وَإِثْبَات الصَّانِع , قَالَتْ الْحُكَمَاء : مَنْ كَانَ الْيَوْم عَلَى حَالَة , وَغَدًا عَلَى حَالَة أُخْرَى فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تَدْبِيره إِلَى سِوَاهُ : وَقِيلَ لِأَبِي بَكْر الْوَرَّاق : مَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّ لِهَذَا الْعَالَم صَانِعًا ؟ فَقَالَ : تَحْوِيل الْحَالَات , وَعَجْز الْقُوَّة , وَضَعْف الْأَرْكَان , وَقَهْر النِّيَّة : وَنَسْخ الْعَزِيمَة : وَيُقَال : أَتَانَا طَبَق مِنْ النَّاس وَطَبَق مِنْ الْجَرَاد : أَيْ جَمَاعَة : وَقَوْل الْعَبَّاس فِي مَدْح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَنْقُل مِنْ صَالِبٍ إِلَى رَحِم إِذَا مَضَى عَالَم بَدَا طَبَق أَيْ قَرْن مِنْ النَّاس . يَكُون طِبَاق الْأَرْض أَيْ مِلْأَهَا . وَالطَّبَق أَيْضًا : عَظْم رَقِيق يَفْصِل بَيْن الْفَقَارَيْنِ وَيُقَال : مَضَى طَبَق مِنْ اللَّيْل , وَطَبَق مِنْ النَّهَار : أَيْ مُعْظَم مِنْهُ . وَالطَّبَق : وَاحِد الْأَطْبَاق , فَهُوَ مُشْتَرَك . وَقُرِئَ " لَتَرْكَبِنَّ " بِكَسْرِ الْبَاء , عَلَى خِطَاب النَّفْس وَ " لَيَرْكَبَنَّ " بِالْيَاءِ عَلَى لَيَرْكَبَنَّ الْإِنْسَان . وَ " عَنْ طَبَق " فِي مَحَلّ نَصْب عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِـ " طَبَقًا " أَيْ طَبَقًا مُجَاوِزًا لِطَبَقٍ . أَوْ حَال مِنْ الضَّمِير فِي " لَتَرْكَبُنَّ " أَيْ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا مُجَاوِزِينَ لِطَبَقٍ , أَوْ مُجَاوِزًا أَوْ مُجَاوَزَة عَلَى حَسَب الْقِرَاءَة .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الدرر البهية في المسائل الفقهية وعليه الغرر النقية

    الدرر البهية في المسائل الفقهية وعليه الغرر النقية: تعليقات على متن الدرر البهية في المسائل الفقهية للإمام محمدُ بنُ عليٍّ الشوكانيِّ، المولودِ سنَةَ اثنتيَنِ وسَبعِيَن ومِائةٍ بعدَ الألفِ، المتوَفىَ سنَةَ خَمْسِيَن مِن القرنِ الثالثِ عشَرَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2650

    التحميل:

  • توجيهات إسلامية

    توجيهات إسلامية: مجموعة من النصائح والإرشادات وجَّهها العلامة عبد الله بن حميد - رحمه الله - للمسلمين، وفيها التنبيه على ما يلي: أن الدعوة إلى الله طريقة الرسل، ووظيفة العلماء، ودعوة المرسلين، وبعض محاسن الإسلام، وضرورة الاعتصام بالكتاب والسنة، ثم ختم بالكلام عن بعض أحكام الحج.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2112

    التحميل:

  • منظومة المفيد في علم التجويد

    منظومة المفيد في علم التجويد: منظومة من بحر الرجز قدمها المحقق لأهل القرآن وهي من منظوماتِ علمِ التجويد، طالما تشوَّق أهلُ القرآن للاطلاع عليها؛ لِما لَمَسُوه من أهمِّيََّتِها، وذلك من خِلال ما قَرَأُوهُ مِن نُقُولٍ مُجتزَأةٍ منها في ثَنايا كتب التجويد المختلفة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2059

    التحميل:

  • الدليل العلمي

    الدليل العلمي : قال المؤلف - أثابه الله -: « فإن من أعظم القربات إلى الله تعالى نشر العلم بين المسلمين، ففي ذلك مصالح كثيرة، منها: مرضاة الله تعالى، ومَسْخَطة للشيطان، وتنوير للقلوب والأبدان وإصلاح للشؤون، وحلول البركة والخير، إلى غير ذلك. ومن باب الفائدة لنفسي، ولمن بلغه من المسلمين، أحببت أن أنشر هذه الفوائد والفرائد التي أثبتُّها، ومن كتب أهل العلم وكلامهم جمعتها، وكذا مافهمته من كلامهم. وقد آثرت أن تكون مادة الكتاب على رؤوس مسائل، حتى يسهل حفظها، وعلمها، ثم العمل بها. فهي كالمتن المختصر، قد تعين الخطيب في إعداد خطبته، و المدرس في درسه، أو محاضرته، والواعظ في وعظه، عسى الله أن يقيِّض له من طلبة العلم من يقوم بشرحه، و التعليق على ما يحتاج إلى تعليق وإيضاح، و أن يعزو كل فائدة إلى مرجعها أو قائلها ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233604

    التحميل:

  • رسالة في أصول الفقه للعكبري

    رسالة مختصرة في أصول الفقه للعلامة أبي علي الحسن بن شهاب العكبري الحنبلي، المتوفى سنة أربعمائة وثمانية وعشرين.

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/353702

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة