Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المطففين - الآية 3

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) (المطففين) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْلُهُ تَعَالَى : " وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ " : أَيْ كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ فَحُذِفَتْ اللَّام , فَتَعَدَّى الْفِعْل فَنَصَبَ ; وَمِثْله نَصَحْتُك وَنَصَحْت لَك , وَأَمَرْتُك بِهِ وَأَمَرْتُكَهُ ; قَالَهُ الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء . قَالَ الْفَرَّاء : وَسَمِعْت أَعْرَابِيَّة تَقُول إِذَا صَدَرَ النَّاس أَتَيْنَا التَّاجِر فَيَكِيلنَا الْمُدَّ وَالْمُدَّيْنِ إِلَى الْمَوْسِم الْمُقْبِل . وَهُوَ مِنْ كَلَام أَهْل الْحِجَاز وَمَنْ جَاوَرَهُمْ مِنْ قَيْس . قَالَ الزَّجَّاج : لَا يَجُوز الْوَقْف عَلَى " كَالُوا " وَ " وَزَنُوا " حَتَّى تَصِل بِهِ " هُمْ " قَالَ : وَمِنْ النَّاس مَنْ يَجْعَلُهَا تَوْكِيدًا , وَيُجِيزُ الْوَقْف عَلَى " كَالُوا " وَ " وَزَنُوا " وَالْأَوَّل الِاخْتِيَار ; لِأَنَّهَا حَرْف وَاحِد . وَهُوَ قَوْل الْكِسَائِيّ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَكَانَ عِيسَى بْن عُمَر يَجْعَلهَا حَرْفَيْنِ , وَيَقِف عَلَى " كَالُوا " وَ " وَزَنُوا " وَيَبْتَدِئ " هُمْ يُخَسِّرُونَ " قَالَ : وَأَحْسِب قِرَاءَة حَمْزَة كَذَلِكَ أَيْضًا . قَالَ أَبُو عَبِيد : وَالِاخْتِيَار أَنْ يَكُونَا كَلِمَة وَاحِدَة مِنْ جِهَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : الْخَطّ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَتَبُوهُمَا بِغَيْرِ أَلِف , وَلَوْ كَانَتَا مَقْطُوعَتَيْنِ لَكَانَتَا " كَالُوا " وَ " وَزَنُوا " بِالْأَلِفِ , وَالْأُخْرَى : أَنَّهُ يُقَال : كِلْتُك وَوَزَنْتُك بِمَعْنَى كِلْت لَك , وَوَزَنْت لَك , وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ ; كَمَا يُقَال : صِدْتُك وَصِدْت لَك , وَكَسَبْتُك وَكَسَبْت لَك , وَكَذَلِكَ شَكَرْتُك وَنَصَحْتُك وَنَحْو ذَلِكَ . قَوْل : " يُخْسِرُونَ " : أَيْ يَنْقُصُونَ ; وَالْعَرَب تَقُول : أَخْسَرْت الْمِيزَان وَخَسِرْته . وَ ( هُمْ ) فِي مَوْضِع نَصْب , عَلَى قِرَاءَة الْعَامَّة , رَاجِع إِلَى النَّاس , تَقْدِيره ( وَإِذَا كَالُوا ) النَّاس ( أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يُرَاد كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ , فَحُذِفَ الْجَارّ , وَأُوصِلَ الْفِعْل , كَمَا قَالَ : وَلَقَدْ جَنَيْتُك أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلًا وَلَقَدْ نَهَيْتُك عَنْ بَنَات الْأَوْبَر أَرَادَ : جَنَيْت لَك , وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون عَلَى حَذْف الْمُضَاف , وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه , وَالْمُضَاف هُوَ الْمَكِيل وَالْمَوْزُون . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّكُمْ مَعَاشِر الْأَعَاجِم وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ : الْمِكْيَال وَالْمِيزَان . وَخَصَّ الْأَعَاجِم , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ الْكَيْل وَالْوَزْن جَمِيعًا , وَكَانَا مُفَرَّقَيْنِ فِي الْحَرَمَيْنِ ; كَانَ أَهْل مَكَّة يَزِنُونَ , وَأَهْل الْمَدِينَة يَكِيلُونَ . وَعَلَى الْقِرَاءَة الثَّانِيَة " هُمْ " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ ; أَيْ وَإِذَا كَالُوا لِلنَّاسِ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ فَهُمْ يُخْسِرُونَ . وَلَا يَصِحّ ; لِأَنَّهُ تَكُون الْأُولَى مُلْغَاة , لَيْسَ لَهَا خَبَر , وَإِنَّمَا كَانَتْ تَسْتَقِيم لَوْ كَانَ بَعْدهَا : وَإِذَا كَالُوا هُمْ يَنْقُصُونَ , أَوْ وَزَنُوا هُمْ يُخْسِرُونَ . الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَمْس بِخَمْسٍ : مَا نَقَضَ قَوْم الْعَهْد إِلَّا سَلَّطَ اللَّه عَلَيْهِمْ عَدُوّهُمْ , وَلَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّه إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الْفَقْر , وَمَا ظَهَرَتْ الْفَاحِشَة فِيهِمْ إِلَّا ظَهَرَ فِيهِمْ الطَّاعُون , وَمَا طَفَّفُوا الْكَيْل إِلَّا مُنِعُوا النَّبَات , وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ , وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاة إِلَّا حَبَسَ اللَّه عَنْهُمْ الْمَطَر ) خَرَّجَهُ أَبُو بَكْر الْبَزَّار بِمَعْنَاهُ , وَمَالِك بْن أَنَس أَيْضًا مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب التَّذْكِرَة . وَقَالَ مَالِك بْن دِينَار : دَخَلْت عَلَى جَارٍ لِي قَدْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْت , فَجَعَلَ يَقُول : جَبَلَيْنِ مِنْ نَار , جَبَلَيْنِ مِنْ نَار فَقُلْت : مَا تَقُول ؟ أَتَهْجُرُ ؟ قَالَ : يَا أَبَا يَحْيَى , كَانَ لِي مِكْيَالَانِ , أَكِيل بِأَحَدِهِمَا , وَأَكْتَال بِالْآخَرِ فَقُمْت فَجَعَلْت أَضْرِب أَحَدهمَا بِالْآخَرِ حَتَّى كَسَرْتهمَا فَقَالَ يَا أَبَا يَحْيَى كُلَّمَا ضَرَبْت أَحَدهمَا بِالْآخَرِ اِزْدَادَ عِظَمًا , فَمَاتَ مِنْ وَجَعِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَة : أَشْهَد عَلَى كُلّ كَيَّال أَوْ وَزَّانٍ أَنَّهُ فِي النَّار . قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ اِبْنك كَيَّال أَوْ وَزَّان . فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ فِي النَّار . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : وَسَمِعْت أَعْرَابِيَّة تَقُول : لَا تَلْتَمِس الْمُرُوءَة مِمَّنْ مُرُوءَته فِي رُءُوس الْمَكَايِيل , وَلَا أَلْسِنَة الْمَوَازِين . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَقَالَ عَبْد خَيْر : مَرَّ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى رَجُل وَهُوَ يَزِن الزَّعْفَرَان وَقَدْ أَرَجَحَ , فَأَكْفَأَ الْمِيزَان , ثُمَّ قَالَ : أَقِمْ الْوَزْن بِالْقِسْطِ ; ثُمَّ أَرْجِحْ بَعْد ذَلِكَ مَا شِئْت . كَأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّسْوِيَةِ أَوَّلًا لِيَعْتَادَهَا , وَيُفَضِّل الْوَاجِب مِنْ النَّفْل . وَقَالَ نَافِع : كَانَ اِبْن عُمَر يَمُرّ بِالْبَائِعِ فَيَقُول : اِتَّقِ اللَّه وَأَوْفِ الْكَيْل وَالْوَزْن بِالْقِسْطِ , فَإِنَّ الْمُطَفِّفِينَ يَوْم الْقِيَامَة يُوقَفُونَ حَتَّى إِنَّ الْعَرَق لَيُلْجِمهُمْ إِلَى أَنْصَاف آذَانهمْ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَدِمَ الْمَدِينَة وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَر وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَة سِبَاع بْن عُرْفُطَة , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : فَوَجَدْنَاهُ فِي صَلَاة الصُّبْح فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَة الْأُولَى " كهيعص " وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة " وَيْل لِلْمُطَفِّفِينَ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : فَأَقُول فِي صَلَاتِي : وَيْل لِأَبِي فُلَان , كَانَ لَهُ مِكْيَالَانِ إِذَا اِكْتَالَ اِكْتَالَ بِالْوَافِي , وَإِذَا كَالَ كَالَ بِالنَّاقِصِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما

    التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليهما: هذه الرسالة أصلها محاضرة ألقاها المحدث العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في المعهد الشرعي في عمان بالأردن. بيَّن فيها الشيخ - رحمه الله - المنهج الحق الذي يجب أن نكون عليه جميعًا، وجمع ذلك في كلمتين اثنتين هما: التصفية والتربية، وقد عاش عمره كله وهو يسير على هذا المنهج؛ من تصفية العقيدة مما شابها من العقائد الباطلة والفاسدة، وتصفية السنة مما أُدخِل فيها من أحاديث ضعيفة وموضوعة، وتصفية الفقه من الآراء والمُحدثات المخالفة للنصوص الصريحة، ثم التربية على ما صحَّ وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع المكتبة الوقفية http://www.waqfeya.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344363

    التحميل:

  • الاختلاط تحرير وتقرير وتعقيب

    الاختلاط تحرير وتقرير وتعقيب: تحدَّث الكتاب عن الاختلاط وآثاره وأخطاره; ورد على الشبهات المثارة حول هذا الموضوع لا سيما في هذا العصر; مُستدلاًّ بكلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314846

    التحميل:

  • فقه الأسماء الحسنى

    فقه الأسماء الحسنى: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا مجموعٌ نافعٌ مُفيدٌ - بإذن الله عز وجل - في أشرف الفقه وأنفعه «فقه أسماء الله الحسنى»، شرحتُ فيه أكثر من مائة اسمٍ من أسماء الله الحُسنى، مسبوقةً بمُقدِّماتٍ تأصيليةٍ في فقه هذا الباب العظيم، وقد حرصتُ في إعداده على أن يكون بألفاظٍ واضحةٍ وأسلوبٍ مُيسَّرٍ، مع عنايةٍ بعرض الشواهد وذكر الدلائل من كتاب الله - عز وجل - وسنة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، مُوضِّحًا ما تيسَّر من الجوانب التعبُّدية والآثار الإيمانية التي هي مُقتضى الإيمان بأسماء الله، وقد استفدتُ فيه كثيرًا من تقريرات أهل العلم الراسخين، ولاسيما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والشيخ عبد الرحمن السعدي - رحم الله الجميع -، وهو في الأصل حلقات قدَّمتها عير إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية - حرسها الله -، في حلقاتٍ أسبوعيَّةٍ بلَغَت عدَّتها اثنتين وثمانين حلقة». - قدَّم للكتاب: العلامة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل - حفظه الله -.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344678

    التحميل:

  • البدع الحولية

    البدع الحولية : بحث يتطرق للبدع التي تحدث في كل شهر من شهور السنة الهجرية، مع ذكر البدع التي تلقاها المسلمون من الأمم الأخرى، من إعداد عبد الله بن عبد العزيز بن أحمد التويجري، وهذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم العقيدة، ومنح درجة الماجستير بتقدير ممتاز عام 1406هـ.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/44577

    التحميل:

  • رفقاء طريق

    رفقاء طريق: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الإسلام دين صفاء ونقاء وأخوة ومودة، يظهر ذلك جليًا في آيات كثيرة من كتاب الله - عز وجل -، وفي سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. وقد اخترت للأخ القارئ نماذج من الرفقة الصالحة قولاً وفعلاً لأهميتها في عصرنا الحاضر اقتداء وتأسيًا. وهذا هو الجزء الرابع عشر من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «رفقاء طريق»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208974

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة