Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المطففين - الآية 14

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) (المطففين) mp3
" كَلَّا " : رَدْع وَزَجْر , أَيْ لَيْسَ هُوَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ . وَقَالَ الْحَسَن : مَعْنَاهَا حَقًّا " رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ " . وَقِيلَ : فِي التِّرْمِذِيّ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْعَبْد إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَة نُكِتَتْ فِي قَلْبه نُكْتَة سَوْدَاء , فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّه وَتَابَ , صُقِلَ قَلْبه , فَإِنْ عَادَ زِيدَ . فِيهَا , حَتَّى تَعْلُو عَلَى قَلْبه ) , وَهُوَ ( الرَّان ) الَّذِي ذَكَرَ اللَّه فِي كِتَابه : " كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هُوَ الذَّنْب عَلَى الذَّنْب حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْب . قَالَ مُجَاهِد : هُوَ الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب , فَيُحِيط الذَّنْب بِقَلْبِهِ , ثُمَّ يُذْنِب الذَّنْب فَيُحِيط الذَّنْب بِقَلْبِهِ , حَتَّى تُغْشِي الذُّنُوب قَلْبه . قَالَ مُجَاهِد : هِيَ مِثْل الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْبَقَرَة : " بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً " [ الْبَقَرَة : 81 ] الْآيَة . وَنَحْوه عَنْ الْفَرَّاء ; قَالَ : يَقُول كَثُرَتْ الْمَعَاصِي مِنْهُمْ وَالذُّنُوب , فَأَحَاطَتْ بِقُلُوبِهِمْ , فَذَلِكَ الرَّيْن عَلَيْهَا . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَيْضًا قَالَ : الْقَلْب مِثْل الْكَهْف وَرَفَعَ كَفَّهُ , فَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْد الذَّنْب اِنْقَبَضَ , وَضَمَّ إِصْبَعه , فَإِذَا أَذْنَبَ الذَّنْب اِنْقَبَضَ , وَضَمَّ أُخْرَى , حَتَّى ضَمَّ أَصَابِعه كُلّهَا , حَتَّى يُطْبَع عَلَى قَلْبه . قَالَ : وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الرَّيْن , ثُمَّ قَرَأَ : " كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " . وَمِثْله عَنْ حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَوَاء . وَقَالَ بَكْر بْن عَبْد اللَّه : إِنَّ الْعَبْد إِذَا أَذْنَبَ صَارَ فِي قَلْبه كَوَخْزَةِ الْإِبْرَة , ثُمَّ صَارَ إِذَا أَذْنَبَ ثَانِيًا صَارَ كَذَلِكَ , ثُمَّ إِذَا كَثُرَتْ الذُّنُوب صَارَ الْقَلْب كَالْمُنْخُلِ , أَوْ كَالْغِرْبَالِ , لَا يَعِي خَيْرًا , وَلَا يَثْبُت فِيهِ صَلَاح . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِي هَذَا الْمَعْنَى بِالْأَخْبَارِ الثَّابِتَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا . وَقَدْ رَوَى عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد عَنْ مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُوسَى عَنْ مُقَاتِل عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس شَيْئًا اللَّه أَعْلَم بِصِحَّتِهِ ; قَالَ : هُوَ الرَّان الَّذِي يَكُون عَلَى الْفَخِذَيْنِ وَالسَّاق وَالْقَدَم , وَهُوَ الَّذِي يُلْبَس فِي الْحَرْب . قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : الرَّان : الْخَاطِر الَّذِي يَخْطِر بِقَلْبِ الرَّجُل . وَهَذَا مِمَّا لَا يَضْمَن عُهْدَة صِحْته . فَاَللَّه أَعْلَم . فَأَمَّا عَامَّة أَهْل التَّفْسِير فَعَلَى مَا قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ قَبْل هَذَا . وَكَذَلِكَ أَهْل اللُّغَة عَلَيْهِ ; يُقَال : رَانَ عَلَى قَلْبه ذَنْبه يَرِين رَيْنًا وَرُيُونًا أَيْ غَلَبَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله : " كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " أَيْ غَلَبَ ; وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : كُلّ مَا غَلَبَك [ وَعَلَاك ] فَقَدْ رَانَ بِك , وَرَانَك , وَرَانَ عَلَيْك ; وَقَالَ الشَّاعِر : وَكَمْ رَانَ مِنْ ذَنْب عَلَى قَلْب فَاجِر فَتَابَ مِنْ الذَّنْب الَّذِي رَانَ وَانْجَلَى وَرَانَتْ الْخَمْر عَلَى عَقْله : أَيْ غَلَبَتْهُ , وَرَانَ عَلَيْهِ النُّعَاس : إِذَا غَطَّاهُ ; وَمِنْهُ قَوْل عُمَر فِي الْأُسَيْفِع - أُسَيْفِع جُهَيْنَة - : فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ . أَيْ غَلَبَتْهُ الدُّيُون , وَكَانَ يُدَان ; وَمِنْهُ قَوْل أَبِي زُبَيْد يَصِف رَجُلًا شَرِبَ حَتَّى غَلَبَهُ الشَّرَاب سُكْرًا , فَقَالَ : ثُمَّ لَمَّا رَآهُ رَانَتْ بِهِ الْخَمْ ر وَأَنْ لَا تَرِينَهُ بِاتِّقَاءِ فَقَوْله : رَانَتْ بِهِ الْخَمْر , أَيْ غَلَبَتْ عَلَى عَقْله وَقَلْبه . وَقَالَ الْأُمَوِيّ : قَدْ أَرَانَ الْقَوْم فَهُمْ مُرِينُونَ : إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ وَهَزَلَتْ . وَهَذَا مِنْ الْأَمْر الَّذِي أَتَاهُمْ مِمَّا يَغْلِبهُمْ , فَلَا يَسْتَطِيعُونَ اِحْتِمَاله . قَالَ أَبُو زَيْد يُقَال : قَدْ رِينَ بِالرَّجُلِ رَيْنًا : إِذَا وَقَعَ فِيمَا لَا يَسْتَطِيع الْخُرُوج مِنْهُ , وَلَا قِبَل لَهُ وَقَالَ أَبُو مُعَاذ النَّحْوِيّ : الرَّيْن : أَنْ يَسْوَدّ الْقَلْب مِنْ الذُّنُوب , وَالطَّبْع أَنْ يُطْبَع عَلَى الْقَلْب , وَهَذَا أَشَدّ مِنْ الرَّيْن , وَالْإِقْفَال أَشَدّ مِنْ الطَّبْع . الزَّجَّاج : الرَّيْن : هُوَ كَالصَّدَأِ يُغْشِي الْقَلْب كَالْغَيْمِ الرَّقِيق , وَمِثْله الْغَيْن , يُقَال : غِينَ عَلَى قَلْبه : غُطِّيَ . وَالْغَيْن : شَجَر مُلْتَفّ , الْوَاحِدَة غَيْنَاء , أَيْ خَضْرَاء , كَثِيرَة الْوَرَق , مُلْتَفَّة الْأَغْصَان . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل الْفَرَّاء : إِنَّهُ إِحَاطَة الذَّنْب بِالْقُلُوبِ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : " رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ " : أَيْ غَطَّى عَلَيْهَا . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَالْأَعْمَش وَأَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل " رَانَ " بِالْإِمَالَةِ ; لِأَنَّ فَاءَ الْفِعْل الرَّاء , وَعَيْنه الْأَلِف مُنْقَلِبَة مِنْ يَاء , فَحَسُنَتْ الْإِمَالَة لِذَلِكَ . وَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى الْأَصْل ; لِأَنَّ بَاب فَاء الْفِعْل فِي ( فَعَلَ ) الْفَتْح , مِثْل كَالَ وَبَاعَ وَنَحْوه . وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم وَوَقَفَ حَفْص " بَلْ " ثُمَّ يَبْتَدِئ " رَانَ " وَقْفًا يُبَيِّن اللَّام , لَا لِلسَّكْتِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • هيا نتعلم الوضوء

    كتاب للصغار يحتوي على ثمان صفحات من الرسومات التوضيحية لتعليم الوضوء.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/328741

    التحميل:

  • نبي الإسلام ودين الإسلام والحضارة الإسلامية عند النخبة من علماء الغربيين

    نبي الإسلام ودين الإسلام: لئن نجَحَت طائفةٌ من الغربيين إلى الإساءة لنبيِّ الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وتشويه شريعته؛ عمدًا أو جهلاً، إن منهم فئةً عاقلةً منصفةً التزَمَت منهجًا علميًّا موضوعيًّا في دراسة سيرته وما يتصل بحياته ودعوته، وانتهت إلى الإقرار بأنه أعظمُ شخصٍ عرَفَته البشرية! وفي هذا البحث تتبُّعٌ جادٌّ لشهادات أولئك المُنصِفين من علماء الغرب، تكشِفُ عن عظمة نبيِّ المسلمين، وعظمة الشريعة التي دعا إليها، دون تحيُّز أو ميل إلى هوى!

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341376

    التحميل:

  • دليلك إلى أكثر من 350 كتاب مع أجود الطبعات

    دليلك إلى أكثر من 350 كتاب علمي شرعي مع أجود الطبعات لها في مختلف العلوم الشرعية (الطبعة الأولى). وملحق به (مكتبة حديثية مقترحة لطالب العلم المهتم بالحديث) (الطبعة الثانية). وقد راجعه جمع من العلماء.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385307

    التحميل:

  • إثبات أن «المحسن» من أسماء الله الحسنى

    إثبات أن «المحسن» من أسماء الله الحسنى: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه فوائد متنوعة، ولطائف متفرقة، جمعتُ شتاتَها من أماكن عديدة حول إثبات أن المُحسِن اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وذكر الأدلة على ذلك من السنة بنقل الأحاديث الدالة على ذلك، وحكم أهل العلم عليها، وبيان جواز التعبيد لله به كغيره من أسماء الله الحسنى؛ لثبوته اسمًا لله، ونقل أقوال أهل العلم ممن صرَّح بذلك، وذكر عدد ممن سُمِّي بـ (عبد المحسن) إلى نهاية القرن التاسع، مع فوائد أخرى».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348307

    التحميل:

  • معالم في طريق طلب العلم

    معالم في طريق طلب العلم : رسالة قيمة تحتوي على بعض الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، مع بعض ما يستعين به على التحصيل ويتحلى به في حياته، وبعض السبل والوسائل التي تمكنه من نيل المطلوب، وما يتجنبه من الأخلاق الدنيئة والسمات الرذيلة، وغير ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307785

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة