Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنفال - الآية 68

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) (الأنفال) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " فِي أَنَّهُ لَا يُعَذِّب قَوْمًا حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي كِتَاب اللَّه السَّابِق عَلَى أَقْوَال , أَصَحّهَا مَا سَبَقَ مِنْ إِحْلَال الْغَنَائِم , فَإِنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَة عَلَى مَنْ قَبْلنَا . فَلَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر , أَسْرَعَ النَّاس إِلَى الْغَنَائِم فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " أَيْ بِتَحْلِيلِ الْغَنَائِم . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا سَلَّام عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر تَعَجَّلَ النَّاس إِلَى الْغَنَائِم فَأَصَابُوهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَحِلّ لِأَحَدِ سُود الرُّءُوس غَيْركُمْ ) . فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه إِذَا غَنِمُوا الْغَنِيمَةَ جَمَعُوهَا وَنَزَلَتْ نَار مِنْ السَّمَاء فَأَكَلَتْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ " إِلَى آخِر الْآيَتَيْنِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح , وَقَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن . وَعَنْهُمَا أَيْضًا وَسَعِيد بْن جُبَيْر : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ مَغْفِرَة اللَّه لِأَهْلِ بَدْر , مَا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبهمْ . وَقَالَتْ فِرْقَة : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ عَفْو اللَّه عَنْهُمْ فِي هَذَا الذَّنْب , مُعَيَّنًا . وَالْعُمُوم أَصَحّ , لِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر فِي أَهْل بَدْر : ( وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّهَ اِطَّلَعَ عَلَى أَهْل بَدْر فَقَالَ اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقِيلَ : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ وَمُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام فِيهِمْ . وَقِيلَ : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ أَلَّا يُعَذِّب أَحَدًا بِذَنْبٍ أَتَاهُ جَاهِلًا حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ . وَقَالَتْ فِرْقَة : الْكِتَاب السَّابِق هُوَ مِمَّا قَضَى اللَّه مِنْ مَحْو الصَّغَائِر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر . وَذَهَبَ الطَّبَرِيّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلّهَا دَاخِلَة تَحْت اللَّفْظ وَأَنَّهُ يَعُمّهَا , وَنَكَبَ عَنْ تَخْصِيص مَعْنًى دُون مَعْنًى .

الثَّانِيَة : اِبْن الْعَرَبِيّ : وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا اِقْتَحَمَ مَا يَعْتَقِدهُ حَرَامًا مِمَّا هُوَ فِي عِلْم اللَّه حَلَال لَهُ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ , كَالصَّائِمِ إِذَا قَالَ : هَذَا يَوْم نَوْبِي فَأُفْطِر الْآن . أَوْ تَقُول الْمَرْأَة : هَذَا يَوْم حَيْضَتِي فَأُفْطِر , فَفَعَلَا ذَلِكَ , وَكَانَ النَّوْب وَالْحَيْض الْمُوجِبَانِ لِلْفِطْرِ , فَفِي الْمَشْهُور مِنْ الْمَذْهَب فِيهِ الْكَفَّارَة , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ , وَهِيَ الرِّوَايَة الْأُخْرَى . وَجْه الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ طُرُوَّ الْإِبَاحَة لَا يُثْبِت عُذْرًا فِي عُقُوبَة التَّحْرِيم عِنْد الْهَتْك , كَمَا لَوْ وَطِئَ اِمْرَأَةً ثُمَّ نَكَحَهَا . وَجْه الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنَّ حُرْمَةَ الْيَوْم سَاقِطَة عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَصَادَفَ الْهَتْكَ مَحَلًّا لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه , فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَصَدَ وَطْءَ اِمْرَأَة قَدْ زُفَّتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَعْتَقِدهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَتِهِ فَإِذَا هِيَ زَوْجَته . وَهَذَا أَصَحّ . وَالتَّعْلِيل الْأَوَّل لَا يَلْزَم , لِأَنَّ عِلْم اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ عِلْمنَا قَدْ اِسْتَوَى فِي مَسْأَلَة التَّحْرِيم , وَفِي مَسْأَلَتنَا اِخْتَلَفَ فِيهَا عِلْمنَا وَعِلْم اللَّه فَكَانَ الْمُعَوَّل عَلَى عِلْم اللَّه . كَمَا قَالَ : " لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَاب عَظِيم " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • منهج الإسلام في النهي عن المحرمات

    منهج الإسلام في النهي عن المحرمات: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيزِ أن من اجتنَبَ الكبائرَ؛ فإن الله تعالى سيُكفِّرُ عنه الصغائرَ من الذنوبِ ... ولقد تاقَت نفسي أن أكتبَ عن المحرمات التي تفشَّت بين المسلمين، فوضعتُ هذا الكتاب .. ولقد توخَّيتُ فيه سهولةَ العبارة، كما تحرَّيتُ الاستِشهاد على كل ما أقول بالقرآن الكريم، وسنة نبيِّنا - عليه الصلاة والسلام -. ولقد رأيتُ أن أُقدِّم لذلك بفصلٍ خاصٍّ أتحدَّثُ فيه عن السنةِ، وبيان منزلتها في التشريع الإسلامي. والهدفُ من وضعِ هذا الكتاب هو: تقديم النصيحة، والموعظة الحسنة لإخواني المسلمين».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384403

    التحميل:

  • محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه

    محبة النبي وتعظيمه : تأتي هذه الرسالة مشتملة على مبحثين لطيفين، لإرشاد المحب الصادق لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى حقيقة المحبة ومعناها الكبير، ولبيان ما يجلبها، ويصححها، وينقيها، وينميها، ويثبتها، بالإضافة إلى إشارات مما يشوش على تلك المحبة، ويخدشها ويضعفها، وربما يسقطها ويجعلها دعاوى عارية من الدليل، خالية من البرهان.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168873

    التحميل:

  • مختصر الفقه الإسلامي

    مختصر الفقه الإسلامي [ الطبعة الثالثة عشرة ]: مختصر سهل الأسلوب، حوى بين جنبيه شرائع الإسلام، وروعي فيه إلقاء النفع على البيت المسلم على وجه الخصوص. - قد جمع ورتب من كتب متعددة، في التوحيد والإيمان والأخلاق والآداب والأذكار والأدعية والأحكام، فينتهل منه العابد والواعظ والمعلم والتاجر والمفتي والقاضي والداعي إلى الله تعالى. - وضع بحيث يتناول المسائل التي تهم كل مسلم، ثم يذكر الحكم الراجح من أقوال أهل العلم - إذ ظهر دليل الترجيح - مع ذكره إن كان في الكتاب العزيز أو صحيح السنة أو كليهما. - وهو تعريف عام بدين الإسلام، عقيدة وأحكاماً، وأخلاقاً وآداباً، ودعوة إلى الله تعالى على بصيرة. - ملحوظة مهمة: ترتيب المرفقات كالآتي: 1- طبعة مصورة وهي الطبعة العاشرة من الكتاب. 2- نسخة نصية ومحولة وهي للطبعة الحادية عشر. 3- نسخة نصية ومنسقة وهي للطبعة الحادية عشر. 4- نسخة نصية في ملف مضغوط ومقسمة إلى أبواب للطبعة الحادية عشر. وننبه الزوار الكرام، إلى أن أننا ترجمنا الكتاب إلى العديد من اللغات العالمية، وهي موجودة على موقعنا - ولله الحمد -. 5- نسخة نصية ومحولة وهي للطبعة الثالثة عشر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/202905

    التحميل:

  • قاعدة الإنطلاق وقارب النجاة

    قاعدة الإنطلاق وقارب النجاة : بيان حقيقة الإخلاص، ومنزلته، وثمراته، وعلامات المخلصين، وذكر بعض المسائل المهمة في الإخلاص.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205807

    التحميل:

  • رسالة إلى كل من يؤمن بعيسى عليه السلام

    رسالة إلى من كل يؤمن بعيسى عليه السلام : هذا الكتاب يحتوي على إجابة الأسئلة الآتية: هل للكون إله؟، لماذا وجدنا؟، حقيقة الإله الحق، صفات الإله الحق، حقيقة يسوع - عليه السلام - ووصيته.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166801

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة