Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنفال - الآية 58

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) (الأنفال) mp3
أَيْ غِشًّا وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ .



وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي بَنِي قُرَيْظَة وَبَنِي النَّضِير . وَحَكَاهُ الطَّبَرِيّ عَنْ مُجَاهِد . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي يَظْهَر فِي أَلْفَاظ الْقُرْآن أَنَّ أَمْر بَنِي قُرَيْظَة اِنْقَضَى عِنْدَ قَوْله " فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ " ثُمَّ اِبْتَدَأَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة بِأَمْرِهِ فِيمَا يَصْنَعهُ فِي الْمُسْتَقْبَل مَعَ مَنْ يَخَاف مِنْهُ خِيَانَة , فَتَتَرَتَّب فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة . وَبَنُو قُرَيْظَة لَمْ يَكُونُوا فِي حَدّ مَنْ تُخَاف خِيَانَته , وَإِنَّمَا كَانَتْ خِيَانَتهمْ ظَاهِرَة مَشْهُورَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوز نَقْض الْعَهْد مَعَ خَوْف الْخِيَانَة , وَالْخَوْف ظَنّ لَا يَقِينَ مَعَهُ , فَكَيْفَ يَسْقُط يَقِين الْعَهْد مَعَ ظَنّ الْخِيَانَة . فَالْجَوَاب مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا - أَنَّ الْخَوْفَ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى الْيَقِين , كَمَا قَدْ يَأْتِي الرَّجَاء بِمَعْنَى الْعِلْم , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا " [ نُوح : 13 ] . الثَّانِي - إِذَا ظَهَرَتْ آثَار الْخِيَانَة وَثَبَتَتْ دَلَائِلهَا , وَجَبَ نَبْذ الْعَهْد لِئَلَّا يُوقِع التَّمَادِي عَلَيْهِ فِي الْهَلَكَة , وَجَازَ إِسْقَاط الْيَقِين هُنَا ضَرُورَةً . وَأَمَّا إِذَا عُلِمَ الْيَقِينَ فَيُسْتَغْنَى عَنْ نَبْذ الْعَهْد إِلَيْهِمْ , وَقَدْ سَارَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْل مَكَّة عَام الْفَتْح , لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْهُمْ نَقْض الْعَهْد مِنْ غَيْر أَنْ يُنْبَذ إِلَيْهِمْ عَهْدهمْ . وَالنَّبْذ : الرَّمْي وَالرَّفْض . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَعْنَاهُ إِذَا عَاهَدْت قَوْمًا فَعَلِمْت مِنْهُمْ النَّقْض بِالْعَهْدِ فَلَا تُوقِعْ بِهِمْ سَابِقًا إِلَى النَّقْض حَتَّى تُلْقِيَ إِلَيْهِمْ أَنَّك قَدْ نَقَضْت الْعَهْدَ وَالْمُوَاعَدَةَ , فَيَكُونُوا فِي عِلْم النَّقْض مُسْتَوِيِينَ , ثُمَّ أَوْقِعْ بِهِمْ . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا مِنْ مُعْجِز مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن مِمَّا لَا يُوجَد فِي الْكَلَام مِثْله عَلَى اِخْتِصَاره وَكَثْرَة مَعَانِيه . وَالْمَعْنَى : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم بَيْنَك وَبَيْنَهُمْ عَهْد خِيَانَة فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ الْعَهْد , أَيْ قُلْ لَهُمْ قَدْ نَبَذْت إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ , وَأَنَا مُقَاتِلُكُمْ , لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ فَيَكُونُوا مَعَك فِي الْعِلْم سَوَاء , وَلَا تُقَاتِلهُمْ وَبَيْنَك وَبَيْنَهُمْ عَهْد وَهُمْ يَثِقُونَ بِك , فَيَكُون ذَلِكَ خِيَانَةً وَغَدْرًا . ثُمَّ بَيَّنَ هَذَا بِقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبّ الْخَائِنِينَ " .

قُلْت : مَا ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيّ وَالنَّحَّاس مِنْ إِنْبَاذ الْعَهْد مَعَ الْعِلْم بِنَقْضِهِ يَرُدُّهُ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَتْح مَكَّة , فَإِنَّهُمْ لَمَّا نَقَضُوا لَمْ يُوَجِّه إِلَيْهِمْ بَلْ قَالَ : ( اللَّهُمَّ اِقْطَعْ خَبَرِي عَنْهُمْ ) وَغَزَاهُمْ . وَهُوَ أَيْضًا مَعْنَى الْآيَة , لِأَنَّ فِي قَطْع الْعَهْد مِنْهُمْ وَنَكْثه مَعَ الْعِلْم بِهِ حُصُول نَقْض عَهْدهمْ وَالِاسْتِوَاء مَعَهُمْ . فَأَمَّا مَعَ غَيْر الْعِلْم بِنَقْضِ الْعَهْد مِنْهُمْ فَلَا يَحِلّ وَلَا يَجُوز . رَوَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ سُلَيْم بْن عَامِر قَالَ : كَانَ بَيْن مُعَاوِيَة وَالرُّوم عَهْد وَكَانَ يَسِير نَحْو بِلَادهمْ لِيَقْرُب حَتَّى إِذَا اِنْقَضَى الْعَهْد غَزَاهُمْ , فَجَاءَهُ رَجُل عَلَى فَرَس أَوْ بِرْذَوْن وَهُوَ يَقُول : اللَّه أَكْبَر , اللَّه أَكْبَر , وَفَاء لَا غَدْر , فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ عَمْرو بْن عَنْبَسَة , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فَسَأَلَ فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْم عَهْد فَلَا يَشُدَّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدهَا أَوْ يَنْبِذ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء ) فَرَجَعَ مُعَاوِيَة بِالنَّاسِ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَالسَّوَاء : الْمُسَاوَاة وَالِاعْتِدَال . وَقَالَ الرَّاجِز فَاضْرِبْ وُجُوهَ الْغُدَّرِ الْأَعْدَاءِ حَتَّى يُجِيبُوك إِلَى السَّوَاءِ وَقَالَ الْكِسَائِيّ : السَّوَاء الْعَدْل . وَقَدْ يَكُون بِمَعْنَى الْوَسَط , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " فِي سَوَاء الْجَحِيم " [ الصَّافَّات : 55 ] . وَمِنْهُ قَوْل حَسَّان : يَا وَيْح أَصْحَاب النَّبِيّ وَرَهْطه بَعْد الْمُغَيَّب فِي سَوَاء الْمُلْحَد الْفَرَّاء : وَيُقَال " فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء " جَهْرًا لَا سِرًّا .

رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِكُلِّ غَادِر لِوَاء يَوْمَ الْقِيَامَة يُرْفَع لَهُ بِقَدْرِ غَدْره أَلَا وَلَا غَادِر أَعْظَم غَدْرًا مِنْ أَمِير عَامَّة ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : إِنَّمَا كَانَ الْغَدْر فِي حَقّ الْإِمَام أَعْظَم وَأَفْحَشَ مِنْهُ فِي غَيْره لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفْسَدَة , فَإِنَّهُمْ إِذَا غَدَرُوا وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَمْ يُنْبَذُوا بِالْعَهْدِ لَمْ يَأْمَنهُمْ الْعَدُوّ عَلَى عَهْد وَلَا صُلْح , فَتَشْتَدّ شَوْكَته وَيَعْظُم ضَرَره , وَيَكُون ذَلِكَ مُنَفِّرًا عَنْ الدُّخُول فِي الدِّين , وَمُوجِبًا لِذَمِّ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَدُوِّ عَهْد فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَحَيَّل عَلَيْهِ بِكُلِّ حِيلَة , وَتُدَار عَلَيْهِ كُلّ خَدِيعَة . وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْحَرْب خُدْعَة ) . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ يُجَاهَد مَعَ الْإِمَام الْغَادِر , عَلَى قَوْلَيْنِ . فَذَهَبَ أَكْثَرهمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقَاتَل مَعَهُ , بِخِلَافِ الْخَائِن وَالْفَاسِق . وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى الْجِهَاد مَعَهُ . وَالْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبنَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الفتوى الحموية الكبرى [ صالح آل الشيخ ]

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322206

    التحميل:

  • منهج في إعداد خطبة الجمعة

    منهج في إعداد خطبة الجمعة : قال المؤلف - حفظه الله - « هذه كلمات في إعداد الخطبة وصفات الخطيب. حرصت أن تكون شاملة لخصائص الخطيب والخطبة ووجوه التأثير في الخطبة وإحسان إعدادها مقدما لذلك بمقدمة في مهمة الخطيب الشاقة وتعريف الخطبة وأنواعها وبيان أثرها ».

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/142649

    التحميل:

  • فقه الاستشارة

    فقه الاستشارة: فمن خلال مُعايَشتي للقرآن الكريم، والوقوف مع آياته، والتفكُّر بما فيه من دروس ومعالم، وقفتُ أمام موضوع تكرَّر ذكره في القرآن الكريم، أمرًا وخبرًا وممارسةً، وذلكم هو موضوع المشاورة والشورى. وقد قمتُ بحصر المواضع التي ورد فيها هذا الأمر، ثم تأمَّلتُ فيها، ورجعتُ إلى كلام المُفسِّرين وغيرهم، ومن ثَمَّ رأيتُ أن الموضوع مناسب لأَن يُفرَد برسالة تكون زادًا للدعاة وطلاب العلم، وبخاصة مع الحاجة الماسة لذلك.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337576

    التحميل:

  • خطر الجريمة الخلقية

    خطر الجريمة الخلقية : في هذه الرسالة بيان أضرار الزنا وما يلحق به وفوائد غض البصر وأهم الطرق لمكافحة الزنا والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209195

    التحميل:

  • الإيقاظ في تصحيح الأمثال والألفاظ

    في هذا الكتيب الذي بين يديك بعض الألفاظ التي شاعت على ألسنة كثير من المسلمين تقليداً واتباعاً دون تفكر في معانيها أو نظر إلى مشروعيتها، نذكرها تحذيرا للأمة منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380294

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة