Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنفال - الآية 25

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) (الأنفال) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يُقِرُّوا الْمُنْكَرَ بَيْن أَظْهُرهمْ فَيَعُمّهُمْ الْعَذَاب . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَ فِيهَا الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام فَإِنَّهُ قَالَ يَوْم الْجَمَل , وَكَانَ سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ : مَا عَلِمْت أَنَّا أُرِدْنَا بِهَذِهِ الْآيَة إِلَّا الْيَوْم , وَمَا كُنْت أَظُنّهَا إِلَّا فِيمَنْ خُوطِبَ ذَلِكَ الْوَقْت . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمَا . قَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ الْآيَة فِي أَهْل بَدْر خَاصَّة ; فَأَصَابَتْهُمْ الْفِتْنَة يَوْم الْجَمَل فَاقْتَتَلُوا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَالَ : أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يُقِرُّوا الْمُنْكَرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَيَعُمّهُمْ اللَّه بِالْعَذَابِ . وَعَنْ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَكُون بَيْنَ نَاس مِنْ أَصْحَابِي فِتْنَة يَغْفِرهَا اللَّه لَهُمْ بِصُحْبَتِهِمْ إِيَّايَ يَسْتَنّ بِهِمْ فِيهَا نَاس بَعْدهمْ يُدْخِلهُمْ اللَّه بِهَا النَّار ) .

قُلْت : وَهَذِهِ التَّأْوِيلَات هِيَ الَّتِي تُعَضِّدهَا الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ; فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ زَيْنَب بِنْت جَحْش أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّه , أَنَهْلِك وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث " . وَفِي صَحِيح التِّرْمِذِيّ : ( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ وَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْ عِنْده ) وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَثَل الْقَائِم عَلَى حُدُود اللَّه وَالْوَاقِع فِيهَا كَمَثَلِ قَوْم اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَة فَأَصَابَ بَعْضهمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلهَا إِذَا اِسْتَقَوْا مِنْ الْمَاء مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا " . فَفِي هَذَا الْحَدِيث تَعْذِيب الْعَامَّة بِذُنُوبِ الْخَاصَّة . وَفِيهِ اِسْتِحْقَاق الْعُقُوبَة بِتَرْكِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَالْفِتْنَة إِذَا عَمَّتْ هَلَكَ الْكُلّ . وَذَلِكَ عِنْد ظُهُور الْمَعَاصِي وَانْتِشَار الْمُنْكَر وَعَدَم التَّغْيِير , وَإِذَا لَمْ تُغَيَّر وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْكِرِينَ لَهَا بِقُلُوبِهِمْ هِجْرَان تِلْكَ الْبَلْدَة وَالْهَرَب مِنْهَا . وَهَكَذَا كَانَ الْحُكْم فِيمَنْ كَانَ قَبْلنَا مِنْ الْأُمَم ; كَمَا فِي قِصَّة السَّبْت حِين هَجَرُوا الْعَاصِينَ وَقَالُوا لَا نُسَاكِنكُمْ . وَبِهَذَا قَالَ السَّلَف رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . رَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : تُهْجَر الْأَرْض الَّتِي يُصْنَع فِيهَا الْمُنْكَر جِهَارًا وَلَا يُسْتَقَرّ فِيهَا . وَاحْتَجَّ بِصَنِيعِ أَبِي الدَّرْدَاء فِي خُرُوجه عَنْ أَرْض مُعَاوِيَة حِين أَعْلَنَ بِالرِّبَا , فَأَجَازَ بَيْع سِقَايَة الذَّهَب بِأَكْثَر مِنْ وَزْنهَا . خَرَّجَهُ الصَّحِيح . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أَنْزَلَ اللَّه بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَاب مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالهمْ " . فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْهَلَاك الْعَامّ مِنْهُ مَا يَكُون طُهْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَمِنْهُ مَا يَكُون نِقْمَة لِلْفَاسِقِينَ . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : عَبِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامه , فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّه , صَنَعْت شَيْئًا فِي مَنَامك لَمْ تَكُنْ تَفْعَلهُ ؟ فَقَالَ : ( الْعَجَب , أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْت بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْش قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ " . فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَع النَّاسَ . قَالَ : " نَعَمْ , فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِر وَالْمَحْبُور وَابْن السَّبِيل يَهْلِكُونَ مَهْلِكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى يَبْعَثهُمْ اللَّه تَعَالَى عَلَى نِيَّاتهمْ " . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى " [ الْأَنْعَام : 164 ] . " كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة " [ الْمُدَّثِّر : 38 ] . " لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اِكْتَسَبَتْ " [ الْبَقَرَة : 286 ] . وَهَذَا يُوجِب أَلَّا يُؤْخَذَ أَحَد بِذَنْبِ أَحَد , وَإِنَّمَا تَتَعَلَّق الْعُقُوبَة بِصَاحِبِ الذَّنْب . فَالْجَوَاب أَنَّ النَّاسَ إِذَا تَظَاهَرُوا بِالْمُنْكَرِ فَمِنْ الْفَرْض عَلَى كُلّ مَنْ رَآهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ ; فَإِذَا سَكَتَ عَلَيْهِ فَكُلّهمْ عَاصٍ . هَذَا بِفِعْلِهِ وَهَذَا بِرِضَاهُ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّه فِي حُكْمه وَحِكْمَته الرَّاضِي بِمَنْزِلَةِ الْعَامِل ; فَانْتَظَمَ فِي الْعُقُوبَة ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَهُوَ مَضْمُون الْأَحَادِيث كَمَا ذَكَرْنَا . وَمَقْصُود الْآيَة : وَاتَّقُوا فِتْنَةً تَتَعَدَّى الظَّالِم , فَتُصِيب الصَّالِح وَالطَّالِح .

الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ النُّحَاة فِي دُخُول النُّون فِي " لَا تُصِيبَنَّ " . قَالَ الْفَرَّاء : هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك : اِنْزِلْ عَنْ الدَّابَّة لَا تَطْرَحَنَّكَ ; فَهُوَ جَوَاب الْأَمْر بِلَفْظِ النَّهْي ; أَيْ إِنْ تَنْزِل عَنْهَا لَا تَطْرَحَنَّكَ . وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : " اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ " [ النَّمْل : 18 ] . أَيْ إِنْ تَدْخُلُوا لَا يَحْطِمَنَّكُمْ ; فَدَخَلَتْ النُّون لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْجَزَاء . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْقَسَم , وَالنُّون لَا تَدْخُل إِلَّا عَلَى فِعْل النَّهْي أَوْ جَوَاب الْقَسْم . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمُبَرِّد : إِنَّهُ نَهْي بَعْدَ أَمْر , وَالْمَعْنَى النَّهْي لِلظَّالِمِينَ ; أَيْ لَا تَقْرَبُنَّ الظُّلْمَ . وَحَكَى سِيبَوَيْهِ : لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا ; أَيْ لَا تَكُنْ هَاهُنَا ; فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ هَاهُنَا رَأَيْته . وَقَالَ الْجُرْجَانِيّ : الْمَعْنَى اِتَّقُوا فِتْنَةً تُصِيب الَّذِينَ ظَلَمُوا خَاصَّة . فَقَوْله " لَا تُصِيبَنَّ " نَهْي فِي مَوْضِع وَصْف النَّكِرَة ; وَتَأْوِيله الْإِخْبَار بِإِصَابَتِهَا الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَقَرَأَ عَلِيّ وَزَيْد بْن ثَابِت وَأُبَيّ وَابْن مَسْعُود " لَتُصِيبَنَّ " بِلَا أَلِف . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : مَنْ قَرَأَ " لَتُصِيبَنَّ " جَازَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا مَنْ " لَا تُصِيبَنَّ " حُذِفَتْ الْأَلِف كَمَا حُذِفَتْ مِنْ " مَا " وَهِيَ أُخْت " لَا " فِي نَحْو أَمَ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ , وَشِبْهه . وَيَجُوز أَنْ تَكُونَ مُخَالِفَة لِقِرَاءَةِ الْجَمَاعَة ; فَيَكُون الْمَعْنَى أَنَّهَا تُصِيب الظَّالِمَ خَاصَّةً .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حاشية الشيخ ابن باز على بلوغ المرام

    حاشية سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - على بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر - رحمه الله - وهو كتاب جمع فيه مؤلفه - باختصار - أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، وكان اعتماده بشكل رئيس على الكتب الستة، إضافة إلى مسند أحمد، وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم، وغير ذلك من المصنفات والمصادر الحديثية. وقد اشتهر هذا الكتاب شهرة واسعة، وحظي باهتمام الكثيرين من أهل العلم قديماً وحديثاً، حتى إنه غدا من أهم الكتب المقررة في كثير من المساجد والمعاهد الشرعية في العالم الإسلامي. وقد قام عدد كبير من أهل العلم بشرحه مثل الأمير الصنعاني، والعلامة ابن باز، والعلامة العثيمين، وغيرهم - رحمهم الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191807

    التحميل:

  • مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

    مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار: قال المؤلف - رحمه الله -: « فإني لما نظرت في غفلتي عن اكتساب الزاد المبلغ ليوم المعاد ورأيت أوقاتي قد ضاعت فيما لا ينفعني في معادي ورأيت استعصاء نفسي عما يؤنسني في رمسي لا سيما والشيطان والدنيا والهوى معها ظهير. فعزمت - إن شاء الله تعالى - على أن أجمع في هذا الكتاب ما تيسر من المواعظ والنصائح والخطب والحكم والأحكام والفوائد والقواعد والآداب وفضائل الأخلاق المستمدة من الكتاب والسنة ومن كلام العلماء الأوائل والأواخر المستمد منهما ما أرجو من الله العلي أن يستغني به الواعظ والخطيب والمرشد وغيرهم راجيا من الله - الحي القيوم ذي الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد القوي العزيز الرءوف الرحيم اللطيف الخبير - أن ينفع به وأن يأجر من يطبعه وقفا لله تعالى أو يعين على طباعته أو يتسبب لها وسميته « مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2684

    التحميل:

  • الإرشاد إلى توحيد رب العباد

    الإرشاد إلى توحيد رب العباد : رسالة مختصرة في علم التوحيد، وتحتوي على مقتطفات مهمة من رسائل الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265560

    التحميل:

  • صحيح السيرة النبوية

    صحيح السيرة النبوية: كتابٌ فيه ما صحّ من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2076

    التحميل:

  • المرأة فى الإسلام والمرأة فى العقيدة اليهودية والمسيحية بين الأسطورة والحقيقة

    المرأة فى الإسلام والمرأة فى العقيدة اليهودية والمسيحية بين الأسطورة والحقيقة : التحليل العادل والجواب الشافي عن الأسئلة التالية: هل اليهودية والمسيحية والإسلام يشتركون في نفس العقائد الخاصة بالمرأة؟ هل حقاً اليهودية والمسيحية أكرموا المرأة أكثر من الإسلام؟ ما الحقيقة؟

    الناشر: جمعية تبليغ الإسلام www.islamic-message.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/191528

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة