Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنفال - الآية 24

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) (الأنفال) mp3
قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ " هَذَا الْخِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِلَا خِلَاف . وَالِاسْتِجَابَة : الْإِجَابَة . وَ " يُحْيِيكُمْ " أَصْله يُحْيِيُكُمْ , حُذِفَتْ الضَّمَّة مِنْ الْيَاء لِثِقَلِهَا . وَلَا يَجُوز الْإِدْغَام . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : مَعْنَى " اِسْتَجِيبُوا " أَجِيبُوا ; وَلَكِنْ عُرْف الْكَلَام أَنْ يَتَعَدَّى اِسْتَجَابَ بِلَامٍ , وَيَتَعَدَّى أَجَابَ دُون لَام . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّه " [ الْأَحْقَاف : 31 ] . وَقَدْ يَتَعَدَّى اِسْتَجَابَ بِغَيْرِ لَام ; وَالشَّاهِد لَهُ قَوْل الشَّاعِر : وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تَقُول : أَجَابَهُ وَأَجَابَ عَنْ سُؤَاله . وَالْمَصْدَر الْإِجَابَة . وَالِاسْم الْجَابَة ; بِمَنْزِلَةِ الطَّاقَة وَالطَّاعَة . تَقُول : أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ جَابَة . هَكَذَا يَتَكَلَّم بِهَذَا الْحَرْف . وَالْمُجَاوَبَة وَالتَّجَاوُب : التَّحَاوُر . وَتَقُول : إِنَّهُ لَحَسَن الْجِيبَةِ ( بِالْكَسْرِ ) أَيْ الْجَوَاب . " لِمَا يُحْيِيكُمْ " مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ : " اِسْتَجِيبُوا " . الْمَعْنَى : اِسْتَجِيبُوا لِمَا يُحْيِيكُمْ إِذَا دَعَاكُمْ . وَقِيلَ : اللَّام بِمَعْنَى إِلَى , أَيْ إِلَى مَا يُحْيِيكُمْ , أَيْ يُحْيِي دِينَكُمْ وَيُعَلِّمكُمْ . وَقِيلَ : أَيْ إِلَى مَا يُحْيِي بِهِ قُلُوبَكُمْ فَتُوَحِّدُوهُ , وَهَذَا إِحْيَاء مُسْتَعَار ; لِأَنَّهُ مِنْ مَوْت الْكُفْر وَالْجَهْل . وَقَالَ مُجَاهِد وَالْجُمْهُور : الْمَعْنَى اِسْتَجِيبُوا لِلطَّاعَةِ وَمَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآن مِنْ أَوَامِر وَنَوَاهِي ; فَفِيهِ الْحَيَاة الْأَبَدِيَّة , وَالنِّعْمَة السَّرْمَدِيَّة , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " لِمَا يُحْيِيكُمْ " الْجِهَاد , فَإِنَّهُ سَبَب الْحَيَاة فِي الظَّاهِر , لِأَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا لَمْ يُغْزَ غَزَا ; وَفِي غَزْوه الْمَوْت , وَالْمَوْت فِي الْجِهَاد الْحَيَاة الْأَبَدِيَّة ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء " [ آل عِمْرَان : 169 ] وَالصَّحِيح الْعُمُوم كَمَا قَالَ الْجُمْهُور .

رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى قَالَ : كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَدَعَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ , ثُمَّ أَتَيْته فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّه , إِنِّي كُنْت أُصَلِّي . فَقَالَ : " أَلَمْ يَقُلْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " اِسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْفَرْض أَوْ الْقَوْل الْفَرْض إِذَا أُتِيَ بِهِ فِي الصَّلَاة لَا تَبْطُل ; لِأَمْرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِجَابَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاة .

قُلْت : وَفِيهِ حُجَّة لِقَوْلِ الْأَوْزَاعِيّ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُصَلِّي فَأَبْصَرَ غُلَامًا يُرِيد أَنْ يَسْقُط فِي , بِئْر فَصَاحَ بِهِ وَانْصَرَفَ إِلَيْهِ وَانْتَهَرَهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْس . وَاَللَّه أَعْلَم



قِيلَ : إِنَّهُ يَقْتَضِي النَّصّ مِنْهُ عَلَى خَلْقه تَعَالَى الْكُفْر وَالْإِيمَان فَيَحُول بَيْن الْمَرْء الْكَافِر وَبَيْن الْإِيمَان الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ , فَلَا يَكْتَسِبهُ إِذَا لَمْ يُقَدِّرهُ عَلَيْهِ بَلْ أَقْدَره عَلَى ضِدّه وَهُوَ الْكُفْر . وَهَكَذَا الْمُؤْمِن يَحُول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفْر . فَبَانَ بِهَذَا النَّصّ أَنَّهُ تَعَالَى خَالِق لِجَمِيعِ اِكْتِسَاب الْعِبَاد خَيْرهَا وَشَرّهَا . وَهَذَا مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : " لَا , وَمُقَلِّب الْقُلُوب " . وَكَانَ فِعْل اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ عَدْلًا فِيمَنْ أَضَلَّهُ وَخَذَلَهُ ; إِذْ لَمْ يَمْنَعهُمْ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِ فَتَزُول صِفَة الْعَدْل , وَإِنَّمَا مَنَعَهُمْ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ لَا مَا وَجَبَ لَهُمْ . قَالَ السُّدِّيّ : يَحُول بَيْنَ الْمَرْء وَقَلْبه فَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يُؤْمِن إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَلَا يَكْفُر أَيْضًا إِلَّا بِإِذْنِهِ ; أَيْ بِمَشِيئَتِهِ . وَالْقَلْب مَوْضِع الْفِكْر . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه . وَهُوَ بِيَدِ اللَّه , مَتَى شَاءَ حَالَ بَيْنَ الْعَبْد وَبَيْنَهُ بِمَرَضٍ أَوْ آفَة كَيْلَا يَعْقِلَ . أَيْ بَادِرُوا إِلَى الِاسْتِجَابَة قَبْل أَلَّا تَتَمَكَّنُوا مِنْهَا بِزَوَالِ الْعَقْل . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَعْنَى يَحُول بَيْنَ الْمَرْء وَعَقْله حَتَّى لَا يَدْرِي مَا يَصْنَع . وَفِي التَّنْزِيل : " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب " [ ق : 37 ] أَيْ عَقْل . وَقِيلَ : يَحُول بَيْنه وَبَيْنَهُ بِالْمَوْتِ , فَلَا يُمْكِنهُ اِسْتِدْرَاك مَا فَاتَ . وَقِيلَ : خَافَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْر كَثْرَة الْعَدُوّ فَأَعْلَمَهُمْ اللَّه أَنَّهُ يَحُول بَيْنَ الْمَرْء وَقَلْبه بِأَنْ يُبَدِّلهُمْ بَعْدَ الْخَوْف أَمْنًا , وَيُبَدِّل عَدُوَّهُمْ مِنْ الْأَمْن خَوْفًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى يُقَلِّب الْأُمُور مِنْ حَال إِلَى حَال ; وَهَذَا جَامِع . وَاخْتِيَار الطَّبَرِيّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِخْبَارًا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ أَمْلَك لِقُلُوبِ الْعِبَاد مِنْهُمْ , وَأَنَّهُ يَحُول بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا إِذَا شَاءَ ; حَتَّى لَا يُدْرِك الْإِنْسَان شَيْئًا إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .


عَطْف . قَالَ الْفَرَّاء : وَلَوْ اِسْتَأْنَفْت فَكَسَرْت , " وَإِنَّهُ " كَانَ صَوَابًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • توحيد الألوهية

    في هذه الرسالة سيكون الحديث عن توحيد الألوهية، وذلك من خلال المباحث التالية: تعريف توحيد الألوهية. أسماؤه الأخرى. أهمية توحيد الألوهية. أدلته. أركانه. تعريف العبادة لغةً، واصطلاحاً. الفرق بين العبادة وتوحيد العبادة. متى تقبل العبادة؟ أهمية الإخلاص والمتابعة. أركان العبادة. أيُّهما يغلب، الرجاء أو الخوف؟. الخوف الواجب والخوف المستحب. أنواع العبادة. عبودية الخلق لله عز وجل. فضائل توحيد الألوهية. أسباب نمو التوحيد في القلب. طرق الدعوة إلى توحيد الألوهية في القرآن الكريم. علاقة توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية في القرآن الكريم. ما ضد توحيد الألوهية؟. الفرق التي أشركت في توحيد الألوهية.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172696

    التحميل:

  • مختصر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية

    مختصر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية : هذا الكتاب - منهاج السنة النبوية في نقض دعاوى الرافضة والقدرية - من أعظم كتب الإمام المجاهد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -، قد رد فيه على شبه الرافضة، وبين فيه بطلان مذهبهم، وشباب الاسلام اليوم بأمس الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب، ومعرفة محتواه؛ حيث أطل الرفض على كل بلد من بلاد الإسلام، وغيرها بوجهه الكريه، وكشر عن أنيابه الكالحة، وألقى حبائله أمام من لا يعرف حقيقته، مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال؛ فاغتر به من يجهل حقيقته، ممن لم يقرأ مثل هذا الكتاب. ولما كان كتاب منهاج السنة مشتملا على مباحث مطولة، وغير مطولة في الرد على القدرية والمتكلمين وغيرهم من سائر الطوائف، قام الشيخ عبد الله الغنيمان - حفظه الله - باختصاره والاقتصار على ما يخص الرافضة من الرد عليهم فيما يتعلق بالخلافة والصحابة وأمهات المؤمنين وغير ذلك؛ حتى يسهل على عموم المسلمين الانتفاع به.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57807

    التحميل:

  • معالم في طريق الإصلاح

    معالم في طريق الإصلاح : في ثنايا هذه الرسالة مالم يستضيء بها مريد الإصلاح، مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكلام أهل العلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307787

    التحميل:

  • وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود

    وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري : الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، ولما كان طلاب العلم يتشوقون إلى معرفة سير علمائهم؛ فقد حرصنا على توفير بعض المواد التي ترجمت لهم، ومنها كتاب وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري، للشيخ عبد العزيز السدحان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307940

    التحميل:

  • فتياتنا بين التغريب والعفاف

    فتياتنا بين التغريب والعفاف: نلتقي في هذه السطور مع موضوع طالما غفل عنه الكثير، موضوع يمسّ كل فرد في هذه الأمة، فما منَّا إلا وهو بين أم، أو زوج، أو أخت، أو بنت، أو قريبة؛ بل كل مسلمة على هذه الأرض لها من وشائج الصلة ما يجعلها مدار اهتمام المسلم، إنه موضوع أمهات المستقبل ومربيات الليوث القادمة، إنه يتحدَّث عن بناتنا بين العفاف والتغريب.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337578

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة