Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنفال - الآية 16

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) (الأنفال) mp3
الْآيَة . قَالَ : وَيَجُوز الْفِرَار مِنْ أَكْثَر مِنْ ضِعْفهمْ , وَهَذَا مَا لَمْ يَبْلُغ عَدَد الْمُسْلِمِينَ اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ; فَإِنْ بَلَغَ اِثْنَيْ عَشَر أَلْفًا لَمْ يَحِلّ لَهُمْ الْفِرَار وَإِنْ زَادَ عَدَد الْمُشْرِكِينَ عَلَى الضِّعْف ; لِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَنْ يُغْلَب اِثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّة " فَإِنَّ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم خَصَّصُوا هَذَا الْعَدَد بِهَذَا الْحَدِيث مِنْ عُمُوم الْآيَة .

قُلْت : رَوَاهُ أَبُو بِشْر وَأَبُو سَلَمَة الْعَامِلِيّ , وَهُوَ الْحَكَم بْن عَبْد اللَّه بْن خَطَّاف وَهُوَ مَتْرُوك . قَالَا : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَا أَكْثَم بْن الْجَوْن اُغْزُ مَعَ غَيْر قَوْمك يَحْسُن خُلُقك وَتَكْرُم عَلَى رُفَقَائِك . يَا أَكْثَم بْن الْجَوْن خَيْر الرُّفَقَاء أَرْبَعَة وَخَيْر الطَّلَائِع أَرْبَعُونَ وَخَيْر السَّرَايَا أَرْبَعمِائَةِ وَخَيْر الْجُيُوش أَرْبَعَة آلَاف وَلَنْ يُؤْتَى اثْنَا عَشَر أَلْفًا مِنْ قِلَّة ) . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبه وَهُوَ قَوْله لِلْعُمَرِيِّ الْعَابِد إِذْ سَأَلَهُ هَلْ لَك سَعَة فِي تَرْك مُجَاهَدَة مَنْ غَيَّرَ الْأَحْكَامَ وَبَدَّلَهَا ؟ فَقَالَ : إِنْ كَانَ مَعَك اِثْنَا عَشَرَ أَلْفًا فَلَا سَعَة لَك فِي ذَلِكَ .

فَإِنْ فَرَّ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ بِلَال بْن يَسَار بْن زَيْد قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِر اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم وَأَتُوب إِلَيْهِ غَفَرَ اللَّه لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْف " . قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه .


التَّحَرُّف : الزَّوَال عَنْ جِهَة الِاسْتِوَاء . فَالْمُتَحَرِّف مِنْ جَانِب إِلَى جَانِب لِمَكَايِد الْحَرْب غَيْر مُنْهَزِم ; وَكَذَلِكَ الْمُتَحَيِّز إِذَا نَوَى التَّحَيُّز إِلَى فِئَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ فَيَرْجِع إِلَى الْقِتَال غَيْر مُنْهَزِم أَيْضًا . رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّة مِنْ سَرَايَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَحَاصَ النَّاس حَيْصَة , فَكُنْت فِيمَنْ حَاصَ , قَالَ : فَلَمَّا بَرَزْنَا قُلْنَا كَيْفَ نَصْنَع وَقَدْ فَرَرْنَا مِنْ الزَّحْف وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ . فَقُلْنَا : نَدْخُل الْمَدِينَةَ فَنَتَثَبَّت فِيهَا وَنَذْهَب وَلَا يَرَانَا أَحَد . قَالَ : فَدَخَلْنَا فَقُلْنَا لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ كَانَتْ لَنَا تَوْبَة أَقَمْنَا , وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ ذَهَبْنَا . قَالَ : فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل صَلَاة الْفَجْر , فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا , نَحْنُ الْفَرَّارُونَ ; فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ : " لَا بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ " قَالَ : فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ . فَقَالَ : ( أَنَا فِئَة الْمُسْلِمِينَ ) . قَالَ ثَعْلَب : الْعَكَّارُونَ هُمْ الْعَطَّافُونَ . وَقَالَ غَيْره : يُقَال لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوَلِّي عِنْد الْحَرْب ثُمَّ يَكُرّ رَاجِعًا : عَكَّرَ وَاعْتَكَرَ . وَرَوَى جَرِير عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : اِنْهَزَمَ رَجُل مِنْ الْقَادِسِيَّة فَأَتَى الْمَدِينَةَ إِلَى عُمَر فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , هَلَكْت ! فَرَرْت مِنْ الزَّحْف . فَقَالَ عُمَر : أَنَا فِئَتك . وَقَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ : لَمَّا قُتِلَ أَبُو عُبَيْدَةَ جَاءَ الْخَبَر إِلَى عُمَر فَقَالَ : لَوْ اِنْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْت لَهُ فِئَة , فَأَنَا فِئَة كُلّ مُسْلِم . وَعَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيث لَا يَكُون الْفِرَار كَبِيرَة ; لِأَنَّ الْفِئَة هُنَا الْمَدِينَة وَالْإِمَام وَجَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ كَانُوا . وَعَلَى الْقَوْل الْآخَر يَكُون كَبِيرَة ; لِأَنَّ الْفِئَةَ هُنَاكَ الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس الْحَاضِرَة لِلْحَرْبِ . هَذَا عَلَى قَوْل الْجُمْهُور أَنَّ الْفِرَار مِنْ الزَّحْف كَبِيرَة . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الْقَوْل مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُمَر عَلَى جِهَة الْحَيْطَة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , إِذْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَان يَثْبُتُونَ لِأَضْعَافِهِمْ مِرَارًا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي قَوْله : " وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف " مَا يَكْفِي .



أَيْ اِسْتَحَقَّ الْغَضَب . وَأَصْل " بَاءَ " رَجَعَ وَقَدْ تَقَدَّمَ .


أَيْ مُقَامه . وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى الْخُلُود ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِر اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّوم غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْف " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • توحيد الخالق

    توحيد الخالق: كتابٌ يُلقي الضوء على أهمية التوحيد وفضله، وكيفية إقناع الناس به ودعوتهم إليه بالأدلة العقلية التي تسوقهم إلى الأدلة النقلية، مع ذكر المعجزات الكونية والعلمية التي أثبتَها القرآن الكريم وأثبتتها السنة المطهَّرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339045

    التحميل:

  • كتاب الكبائر للشيخ محمد بن عبد الوهاب

    الكبائر : فهذا كتاب الكبائر للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ذكر فيه جملة كبيرة من الكبائر معتمدا في ذلك على كلام الله - سبحانه وتعالى - وأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو يذكر عنوان الباب ثم يبدأ بقول الله - سبحانه وتعالى - ثم يذكر حديثا أو أكثر في الاستدلال على أن هذا الفعل كبيرة وربما يذكر بعض أقوال السلف في ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264146

    التحميل:

  • زاد المعاد في هدي خير العباد

    يعتبر هذا الكتاب - زاد المعاد في هدي خير العباد - من أفضل ما كتب في هديه - صلى الله عليه وسلم - تقريب لهديه في سائر جوانب حياته؛ لنقتدي به ونسير على هديه - صلى الله عليه وسلم -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/35239

    التحميل:

  • مواقف لا تنسى من سيرة والدتي رحمها الله تعالى

    مواقف لا تنسى من سيرة والدتي رحمها الله تعالى: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه كلمات مختصرات من سيرة والدتي الغالية العزيزة الكريمة: نشطا بنت سعيد بن محمد بن جازعة: آل جحيش من آل سليمان، من عبيدة، قحطان - رحمها الله تعالى، ورفع منزلتها -، بينتُ فيها سيرتها الجميلة، ومواقفها الحكيمة التي لا تنسى - إن شاء الله تعالى -، لعلّ الله أن يشرح صدر من قرأها إلى أن يدعوَ لها، ويستغفر لها، ويترحَّم عليها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193649

    التحميل:

  • المساجد في ضوء الكتاب والسنة

    المساجد في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في المساجد بيّنت فيها: مفهوم المساجد، وفضلها، وفضل بنائها وعمارتها: الحسيّة والمعنويّة، وفضل المشي إليها، وآدابه، وأحكام المساجد، وأهمية حلقات العلم في المساجد، وكل مسألة قرنتها بدليلها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58441

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة