Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الأنفال - الآية 15

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) (الأنفال) mp3
قَوْله تَعَالَى : " زَحْفًا " الزَّحْف الدُّنُوّ قَلِيلًا قَلِيلًا . وَأَصْله الِانْدِفَاع عَلَى الْأَلْيَة ; ثُمَّ سُمِّيَ كُلّ مَاشٍ فِي الْحَرْب إِلَى آخَرَ زَاحِفًا . وَالتَّزَاحُف : التَّدَانِي وَالتَّقَارُب ; يُقَال : زَحَفَ إِلَى الْعَدُوّ زَحْفًا . وَأَزْحَفَ الْقَوْم , أَيْ مَشَى بَعْضهمْ إِلَى بَعْض . وَمِنْهُ زِحَاف الشِّعْر , وَهُوَ أَنْ يَسْقُط بَيْن الْحَرْفَيْنِ حَرْف فَيَزْحَف أَحَدهمَا إِلَى الْآخَر . يَقُول : إِذَا تَدَانَيْتُمْ وَتَعَايَنْتُمْ فَلَا تَفِرُّوا عَنْهُمْ وَلَا تُعْطُوهُمْ أَدْبَارَكُمْ . حَرَّمَ اللَّه ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حِين فَرَضَ عَلَيْهِمْ الْجِهَاد وَقِتَال الْكُفَّار . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالْأَدْبَار جَمْع دُبُر . وَالْعِبَارَة بِالدُّبُرِ فِي هَذِهِ الْآيَة مُتَمَكِّنَة الْفَصَاحَة ; لِأَنَّهَا بَشِعَة عَلَى الْفَارّ , ذَامَّة لَهُ .

أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَة أَلَّا يُوَلِّيَ الْمُؤْمِنُونَ أَمَامَ الْكُفَّار . وَهَذَا الْأَمْر مُقَيَّد بِالشَّرِيطَةِ الْمَنْصُوصَة فِي مِثْلَيْ الْمُؤْمِنِينَ ; فَإِذَا لَقِيَتْ فِئَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِئَة هِيَ ضِعْف الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَالْفَرْض أَلَّا يَفِرُّوا أَمَامهمْ . فَمَنْ فَرَّ مِنْ اِثْنَيْنِ فَهُوَ فَارّ مِنْ الزَّحْف . وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَة فَلَيْسَ بِفَارٍّ مِنْ الزَّحْف , وَلَا يَتَوَجَّه عَلَيْهِ الْوَعِيد . وَالْفِرَار كَبِيرَة مُوبِقَة بِظَاهِرِ الْقُرْآن وَإِجْمَاع الْأَكْثَر مِنْ الْأَئِمَّة . وَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ اِبْن الْمَاجِشُون فِي الْوَاضِحَة : إِنَّهُ يُرَاعَى الضَّعْف وَالْقُوَّة وَالْعُدَّة ; فَيَجُوز عَلَى قَوْلهمْ أَنْ يَفِرَّ مِائَة فَارِس مِنْ مِائَة فَارِس إِذَا عَلِمُوا أَنَّ مَا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّجْدَة وَالْبَسَالَة ضِعْف مَا عِنْدَهُمْ . وَأَمَّا عَلَى قَوْل الْجُمْهُور فَلَا يَحِلّ فِرَار مِائَة إِلَّا مِمَّا زَادَ عَلَى , الْمِائَتَيْنِ ; فَمَهْمَا كَانَ فِي مُقَابَلَة مُسْلِم أَكْثَر مِنْ اِثْنَيْنِ فَيَجُوز الِانْهِزَام , وَالصَّبْر أَحْسَن . وَقَدْ وَقَفَ جَيْش مُؤْتَة وَهُمْ ثَلَاثَة آلَاف فِي مُقَابَلَة مِائَتَيْ أَلْف , مِنْهُمْ مِائَة أَلْف مِنْ الرُّوم , وَمِائَة أَلْف مِنْ الْمُسْتَعْرِبَة مِنْ لَخْم وَجُذَام .

قُلْت : وَوَقَعَ فِي تَارِيخ فَتْح الْأَنْدَلُس , أَنَّ طَارِقًا مَوْلَى مُوسَى بْن نُصَيْر سَارَ فِي أَلْفٍ وَسَبْعمِائَةِ رَجُل إِلَى الْأَنْدَلُس , وَذَلِكَ فِي رَجَب سَنَة ثَلَاث وَتِسْعِينَ مِنْ الْهِجْرَة ; فَالْتَقَى وَمَلِك الْأَنْدَلُس لذريق وَكَانَ فِي سَبْعِينَ أَلْف عَنَان ; فَزَحَفَ إِلَيْهِ طَارِق وَصَبَرَ لَهُ فَهَزَمَ اللَّه الطَّاغِيَة لذريق , وَكَانَ الْفَتْح . قَالَ اِبْن وَهْب : سَمِعْت مَالِكًا يَسْأَل عَنْ الْقَوْم يَلْقَوْنَ الْعَدُوّ أَوْ يَكُونُونَ فِي مَحْرَس يَحْرُسُونَ فَيَأْتِيهِمْ الْعَدُوّ وَهُمْ يَسِير , أَيُقَاتِلُونَ أَوْ يَنْصَرِفُونَ فَيُؤْذِنُونَ أَصْحَابَهُمْ ؟ قَالَ : إِنْ كَانُوا يَقْوَوْنَ عَلَى قِتَالهمْ قَاتَلُوهُمْ , وَإِلَّا اِنْصَرَفُوا إِلَى أَصْحَابهمْ فَآذَنُوهُمْ .

وَاخْتَلَفَ النَّاس هَلْ الْفِرَار يَوْم الزَّحْف مَخْصُوص بِيَوْمِ بَدْر أَمْ عَامّ فِي الزُّحُوف كُلّهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ؟ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِيَوْمِ بَدْر , وَبِهِ قَالَ نَافِع وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَيَزِيد بْن أَبِي حَبِيب وَالضَّحَّاك , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَأَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِأَهْلِ بَدْر فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْحَازُوا , وَلَوْ اِنْحَازُوا لَانْحَازُوا لِلْمُشْرِكِينَ , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرهمْ , وَلَا لِلْمُسْلِمِينَ فِئَة إِلَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَأَمَّا بَعْد ذَلِكَ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ فِئَة لِبَعْضٍ . قَالَ إِلْكِيَا : وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ خَلْق كَثِير مِنْ الْأَنْصَار لَمْ يَأْمُرهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ وَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ قِتَال , وَإِنَّمَا ظَنُّوا أَنَّهَا الْعِير ; فَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ خَفَّ مَعَهُ . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَائِر الْعُلَمَاء أَنَّ الْآيَة بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . اِحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا ذَكَرْنَا , وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَوْمَئِذٍ " فَقَالُوا : هُوَ إِشَارَة إِلَى يَوْم بَدْر , وَأَنَّهُ نُسِخَ حُكْم الْآيَة بِآيَةٍ الضِّعْف . وَبَقِيَ حُكْم الْفِرَار مِنْ الزَّحْف لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ . وَقَدْ فَرَّ النَّاس يَوْم أُحُد فَعَفَا اللَّه عَنْهُمْ , وَقَالَ اللَّه فِيهِمْ يَوْم حُنَيْنٍ " ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " [ التَّوْبَة : 25 ] وَلَمْ يَقَع عَلَى ذَلِكَ تَعْنِيف . وَقَالَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى يَوْم الزَّحْف الَّذِي يَتَضَمَّنهُ قَوْله تَعَالَى : " إِذَا لَقِيتُمْ " . وَحُكْم الْآيَة بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بِشَرْطِ الضِّعْف الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّه تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى , وَلَيْسَ فِي الْآيَة نَسْخ . وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْقِتَال وَانْقِضَاء الْحَرْب وَذَهَاب الْيَوْم بِمَا فِيهِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَكْثَر الْعُلَمَاء . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( اِجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَات - وَفِيهِ - وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف ) وَهَذَا نَصّ فِي الْمَسْأَلَة . وَأَمَّا يَوْم أُحُد فَإِنَّمَا فَرَّ النَّاس مِنْ أَكْثَر مِنْ ضِعْفِهِمْ وَمَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا . وَأَمَّا يَوْم حُنَيْنٍ فَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّ إِنَّمَا اِنْكَشَفَ عَنْ الْكَثْرَة ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .

قَالَ اِبْن الْقَاسِم : لَا تَجُوز شَهَادَة مَنْ فَرَّ مِنْ الزَّحْف , وَلَا يَجُوز لَهُمْ الْفِرَار وَإِنْ فَرَّ إِمَامهمْ ;
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه

    زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن مكانة الإيمان العالية ومنزلته الرفيعة غيرُ خافيةٍ على المسلمين، فهو أجلُّ المقاصد وأنبلها، وأعظم الأهداف وأرفعها، وبه ينالُ العبدُ سعادةَ الدنيا والآخرة، ويظفَر بنَيْل الجنَّة ورِضَى الله - عز وجل -، وينجو من النار وسخط الجبار - سبحانه -.». وهذه الرسالة تحدَّث فيها عن مسألتين من أكبر مسائل الإيمان، وهما: زيادة الإيمان ونقصانه، وحكم الاستثناء فيه.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344687

    التحميل:

  • ظاهرة الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم وشريعته في الغرب

    ظاهرة الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم وشريعته في الغرب: إن الاستهزاء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - تكذيب وكفر بالله - سبحانه -؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - رسولٌ من رب العالمين، ثم هو استهزاء وتكذيب بجميع الأنبياء والمرسلين؛ حيث إن من كذب بنبي فقد كذب بجميع الأنبياء. وفي هذه الرسالة المختصرة عرَّج الشيخ - حفظه الله - على هذا الموضوع الذي أساء لجميع المسلمين في كل مكان؛ من استهزاء الدنمارك بنبينا - عليه الصلاة والسلام - من خلال الرسوم المُسيئة.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337570

    التحميل:

  • صحيح السيرة النبوية

    صحيح السيرة النبوية: كتابٌ فيه ما صحّ من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2076

    التحميل:

  • تساؤلات حول الإسلام وتعليقات

    تساؤلات حول الإسلام وتعليقات: فإن كثيرًا من الناس يناقش بعض التشريعات الإسلامية من منظور الحياة الدنيا فقط، أو من منظور يغفل عن العلاقة بين الحياة الدنيا المؤقتة وبين الحياة الآخرة الأبدية، فالحياة الدنيا ليست سوى مزرعة للحياة في الآخرة، وما نزرعه في الدنيا نحصد منه شيئًا يسيرًا في الدنيا، والعبرة بما نحصده في الحياة الآخرة. وفيما يلي سوف تتم مناقشة بعض هذه الانتقادات أو التساؤلات التي تصدر من غير المسلمين وبعض المسلمين أو المنظمات المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة، وسيشمل الموضوعات التالية: الحرص على نشر الإسلام، والإرهاب والعنف والتطرف، ومكانة المرأة في الإسلام، والتطرف وتطبيق الشريعة الإسلامية.

    الناشر: موقع رابطة العالم الإسلامي http://www.themwl.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323940

    التحميل:

  • الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا البحث الذي بين أيدينا يتناول موضوعًا من أهم الموضوعات التي نحتاج إليها في زماننا هذا، بل وفي كل الأزمنة، فالرحمة خُلُق أساس في سعادة الأمم، وفي استقرار النفوس، وفي أمان الدنيا، فإذا كان الموضوع خاصًا بالرحمة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يكتسب أهمية خاصة، وذلك لكون البحث يناقش أرقى وأعلى مستوى في الرحمة عرفته البشرية، وهي الرحمة التي جعلها الله - عز وجل - مقياسًا للناس.

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346603

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة