إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) (الأنفال)
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنَّ اللَّه لَسَمِيع عَلِيم فِي هَذِهِ الْأَحْوَال , وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ . وَكَرَّ بِقَوْلِهِ : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ } عَلَى قَوْله : { إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّه فِي مَنَامك قَلِيلًا } { وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } يَعْنِي : شَكّ فِي الْإِسْلَام لَمْ يَصِحّ يَقِينهمْ , وَلَمْ تُشْرَح بِالْإِيمَانِ صُدُورهمْ . { غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ } يَقُول : غَرَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْفُسهمْ دِينهمْ , وَذَلِكَ الْإِسْلَام . وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْل كَانُوا نَفَرًا مِمَّنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش وَلَمْ يَسْتَحِكُمْ الْإِسْلَام فِي قُلُوبهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12572 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ } قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ أَهْل مَكَّة تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ , فَخَرَجُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْم بَدْر , فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّة الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : { غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ } . * - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن شَاهِين , قَالَ : ثنا خَالِد , عَنْ دَاوُد , عَنْ عَامِر , مِثْله . 12573 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ } قَالَ : فِئَة مِنْ قُرَيْش : قَيْس بْن الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة , وَأَبُو قَيْس بْن الْفَاكِه بْن الْمُغِيرَة , وَالْحَارِث بْن زَمْعَة بْن الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب , وَعَلِيّ بْن أُمَيَّة بْن خَلَف , وَالْعَاص بْن مُنَبِّه بْن الْحَجَّاج ; خَرَجُوا مَعَ قُرَيْش مِنْ مَكَّة وَهُمْ عَلَى الِارْتِيَاب فَحَبَسَهُمْ اِرْتِيَابهمْ , فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّة أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى مَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مَعَ قِلَّة عَدَدهمْ وَكَثْرَة عَدُوّهُمْ ! 12574 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ } قَالَ : هُمْ قَوْم لَمْ يَشْهَدُوا الْقِتَال يَوْم بَدْر , فَسُمُّوا مُنَافِقِينَ . قَالَ مَعْمَر : وَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْم كَانُوا أَقَرُّوا بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ بِمَكَّة , فَخَرَجُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْم بَدْر , فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّة الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ ! 12575 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } إِلَى قَوْله : { فَإِنَّ اللَّه عَزِيز حَكِيم } قَالَ : رَأَوْا عِصَابَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ تَشَدَّدَتْ لِأَمْرِ اللَّه . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا جَهْل عَدُوّ اللَّه لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , قَالَ : وَاَللَّه لَا يُعْبَد اللَّه بَعْد الْيَوْم ! قَسْوَة وَعُتُوًّا . 12576 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج فِي قَوْله : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ : نَاس كَانُوا مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِمَكَّة , قَالُوهُ يَوْم بَدْر , وَهُمْ يَوْمئِذٍ ثَلَاث مِائَة وَبِضْعَة عَشَر رَجُلًا . 12577 - قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { إِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ : لَمَّا دَنَا الْقَوْم بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , فَقَلَّلَ اللَّه الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُن الْمُشْرِكِينَ , وَقَلَّلَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُن الْمُسْلِمِينَ , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينهمْ ! وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ مِنْ قِلَّتهمْ فِي أَعْيُنهمْ , وَظَنُّوا أَنَّهُمْ سَيَهْزِمُونَهُمْ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ اللَّه : { وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فَإِنَّ اللَّه عَزِيز حَكِيم } .
وَأَمَّا قَوْله : { وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَمَنْ يُسْلِم أَمْره إِلَى اللَّه وَيَثِق بِهِ وَيَرْضَ بِقَضَائِهِ , فَإِنَّ اللَّه حَافِظه وَنَاصِره ; لِأَنَّهُ عَزِيز لَا يَغْلِبهُ شَيْء وَلَا يَقْهَرهُ أَحَد , فَجَاره مَنِيع وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَيْهِ يَكْفِهِ . وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه وَغَيْرهمْ أَنْ يُفَوِّضُوا أَمْرهمْ إِلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا لِقَضَائِهِ , كَيْمَا يَكْفِيهِمْ أَعْدَاءَهُمْ , وَلَا يَسْتَذِلّهُمْ مَنْ نَاوَأَهُمْ , لِأَنَّهُ عَزِيز غَيْر مَغْلُوب , فَجَاره غَيْر مَقْهُور . { حَكِيم } يَقُول : هُوَ فِيمَا يُدَبِّر مِنْ أَمْر خَلْقه , حَكِيم لَا يَدْخُل تَدْبِيره خَلَل .
