وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) (الأنفال)
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْض تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفهُمْ النَّاس فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وَهَذَا تَذْكِير مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُنَاصَحَة . يَقُول : أَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , وَاسْتَجِيبُوا لَهُ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَلَا تُخَالِفُوا أَمْره , وَإِنْ أَمَرَكُمْ بِمَا فِيهِ عَلَيْكُمْ الْمَشَقَّة وَالشِّدَّة , فَإِنَّ اللَّه يُهَوِّنهُ عَلَيْكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ وَيُعَجِّل لَكُمْ مِنْهُ مَا تُحِبُّونَ , كَمَا فَعَلَ بِكُمْ إِذْ آمَنْتُمْ بِهِ وَاتَّبَعْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ قَلِيل يَسْتَضْعِفكُمْ الْكُفَّار فَيَفْتِنُونَكُمْ عَنْ دِينكُمْ وَيَنَالُونَكُمْ بِالْمَكْرُوهِ فِي أَنْفُسكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ تَخَافُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَتَخَطَّفُوكُمْ فَيَقْتُلُوكُمْ وَيَصْطَلِمُوا جَمِيعكُمْ { فَآوَاكُمْ } يَقُول : فَحَمَلَ لَكُمْ مَأْوًى تَأْوُونَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ . { وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ } يَقُول : وَقَوَّاكُمْ بِنَصْرِهِ عَلَيْهِمْ , حَتَّى قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ مِنْ قَتَلْتُمْ بِبَدْرٍ . { وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات } يَقُول : وَأَطْعَمَكُمْ غَنِيمَتهمْ حَلَالًا طَيِّبًا . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يَقُول : لِكَيْ تَشْكُرُوا عَلَى مَا رَزَقَكُمْ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْره مِنْ نِعَمه عِنْدكُمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي النَّاس الَّذِينَ عَنَوْا بِقَوْلِهِ : { أَنْ يَتَخَطَّفكُمْ النَّاس } فَقَالَ بَعْضهمْ : كُفَّار قُرَيْش . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12350 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْض تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفكُمْ النَّاس } قَالَ : يَعْنِي بِمَكَّة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قُرَيْش وَحُلَفَائِهَا وَمَوَالِيهَا قَبْل الْهِجْرَة . 12351 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْكَلْبِيّ أَوْ قَتَادَة أَوْ كِلَيْهِمَا : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ } أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْم بَدْر , كَانُوا يَوْمئِذٍ يَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفهُمْ النَّاس , فَآوَاهُمْ اللَّه وَأَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ 12352 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ غَيْر قُرَيْش . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12353 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : سَمِعْت وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفكُمْ النَّاس } قَالَ : فَارِس . 12354 - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول , وَقَرَأَ : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْض تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفكُمْ النَّاس } وَالنَّاس إِذْ ذَاكَ : فَارِس , وَالرُّوم . 12355 - قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : كَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْعَرَب أَذَلّ النَّاس ذُلًّا , وَأَشْقَاهُ عَيْشًا , وَأَجْوَعه بُطُونًا , وَأَعْرَاهُ جُلُودًا , وَأَبْيَنه ضَلَالًا ; مَنْ عَاشَ مِنْهُمْ عَاشَ شَقِيًّا , وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رُدِّيَ فِي النَّاس , يُؤْكَلُونَ وَلَا يَأْكُلُونَ , وَاَللَّه مَا نَعْلَم قَبِيلًا مِنْ حَاضِر أَهْل الْأَرْض يَوْمئِذٍ كَانُوا أَشَرّ مِنْهُمْ مَنْزِلًا . حَتَّى جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ , فَمَكَّنَ بِهِ فِي الْبِلَاد , وَوَسَّعَ بِهِ فِي الرِّزْق , وَجَعَلَكُمْ بِهِ مُلُوكًا عَلَى رِقَاب النَّاس , فَبِالْإِسْلَامِ أَعْطَى اللَّه مَا رَأَيْتُمْ , فَاشْكُرُوا اللَّه عَلَى نِعَمه , فَإِنَّ رَبّكُمْ مُنْعِم يُحِبّ الشُّكْر وَأَهْل الشُّكْر فِي مَزِيد مِنْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْش ; لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسهمْ قَبْل الْهِجْرَة مِنْ غَيْرهمْ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَدْنَى الْكُفَّار مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ , وَأَشَدّهمْ عَلَيْهِمْ يَوْمئِذٍ مَعَ كَثْرَة عَدَدهمْ وَقِلَّة عَدَد الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا قَوْله : { فَآوَاكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : آوَاكُمْ الْمَدِينَة , وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ } بِالْأَنْصَارِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12356 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَآوَاكُمْ } قَالَ : إِلَى الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ . { وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ } وَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ يَوْم بَدْر . 12357 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة : { فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات } يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ .
