Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النبأ - الآية 40

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40) (النبأ) mp3
يُخَاطِب كُفَّار قُرَيْش وَمُشْرِكِي الْعَرَب ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَا نُبْعَث . وَالْعَذَاب عَذَاب الْآخِرَة , وَكُلّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ قَرِيب , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " كَأَنَّهُمْ يَوْم يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّة أَوْ ضُحَاهَا " [ النَّازِعَات : 46 ] قَالَ مَعْنَاهُ الْكَلْبِيّ وَغَيْره . وَقَالَ قَتَادَة : عُقُوبَة الدُّنْيَا ; لِأَنَّهَا أَقْرَب الْعَذَابَيْنِ . قَالَ مُقَاتِل : هِيَ قَتْل قُرَيْش بِبَدْرٍ . وَالْأَظْهَر أَنَّهُ عَذَاب الْآخِرَة , وَهُوَ الْمَوْت وَالْقِيَامَة ; لِأَنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَته , فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة رَأَى مَقْعَده مِنْ الْجَنَّة , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل النَّار رَأَى الْخِزْيَ وَالْهَوَان ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " يَوْم يَنْظُر الْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ "

بَيَّنَ وَقْت ذَلِكَ الْعَذَاب ; أَيْ أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا فِي ذَلِكَ الْيَوْم , وَهُوَ يَوْم يَنْظُر الْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ , أَيْ يَرَاهُ وَقِيلَ : يَنْظُر إِلَى مَا قَدَّمَتْ فَحُذِفَ إِلَى . وَالْمَرْء هَهُنَا الْمُؤْمِن فِي قَوْل الْحَسَن ; أَيْ يَجِد لِنَفْسِهِ عَمَلًا , فَأَمَّا الْكَافِر فَلَا يَجِد لِنَفْسِهِ عَمَلًا , فَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُون تُرَابًا . وَلَمَّا قَالَ : " وَيَقُول الْكَافِر " عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرْءِ الْمُؤْمِن . وَقِيلَ : الْمَرْء هَهُنَا : أُبَيّ بْن خَلَف وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ قَوْله : " يَوْم يَنْظُر الْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ " فِي أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد الْمَخْزُومِيّ : " وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " : فِي أَخِيهِ الْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد .

أَبُو جَهْل . وَقِيلَ : هُوَ عَامّ فِي كُلّ أَحَد وَإِنْسَان يَرَى فِي ذَلِكَ الْيَوْم جَزَاء مَا كَسَبَ . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ قَوْله : " يَوْم يَنْظُر الْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ " فِي أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد الْمَخْزُومِيّ : " وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " : فِي أَخِيهِ الْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : سَمِعْت أَبَا الْقَاسِم بْن حَبِيب يَقُول : الْكَافِر : هَهُنَا إِبْلِيس وَذَلِكَ أَنَّهُ عَابَ آدَم بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَاب , وَافْتَخَرَ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَار , فَإِذَا عَايَنَ يَوْم الْقِيَامَة مَا فِيهِ آدَم وَبَنُوهُ مِنْ الثَّوَاب وَالرَّاحَة , وَالرَّحْمَة , وَرَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الشِّدَّة وَالْعَذَاب , تَمَنَّى أَنَّهُ يَكُون بِمَكَانِ آدَم , فَيَقُول : " يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " قَالَ : وَرَأَيْته فِي بَعْض التَّفَاسِير لِلْقُشَيْرِيّ أَبِي نَصْر . وَقِيلَ : أَيْ يَقُول إِبْلِيس يَا لَيْتَنِي خُلِقْت مِنْ التُّرَاب وَلَمْ أَقُلْ أَنَا خَيْر مِنْ آدَم . وَعَنْ اِبْن عُمَر : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مُدَّتْ الْأَرْض مَدّ الْأَدِيم , وَحُشِرَ الدَّوَابّ وَالْبَهَائِم وَالْوُحُوش , ثُمَّ يُوضَع الْقِصَاص بَيْن الْبَهَائِم , حَتَّى يُقْتَصّ لِلشَّاةِ الْجَمَّاء مِنْ الشَّاة الْقَرْنَاء بِنَطْحَتِهَا , فَإِذَا فُرِغَ مِنْ الْقِصَاص بَيْنهَا قِيلَ لَهَا : كُونِي تُرَابًا , فَعِنْد ذَلِكَ يَقُول الْكَافِر : " يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " . وَنَحْوه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة , بِأَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُور الْآخِرَة " , مُجَوَّدًا وَالْحَمْد لِلَّهِ . ذَكَرَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن نَافِع , قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن شَبِيب , قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّازِق , قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَر , قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَر بْن بُرْقَان الْجَزْرِيّ , عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَحْشُر الْخَلْق كُلّهمْ مِنْ دَابَّة وَطَائِر وَإِنْسَان , ثُمَّ يُقَال لِلْبَهَائِمِ وَالطَّيْر كُونِي تُرَابًا , فَعِنْد ذَلِكَ " يَقُول الْكَافِر : يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " . وَقَالَ قَوْم : " يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " : أَيْ لَمْ أُبْعَث , كَمَا قَالَ : " يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ " . وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد : إِذَا قُضِيَ بَيْن النَّاس , وَأُمِرَ بِأَهْلِ الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة , وَأَهْل النَّار إِلَى النَّار , قِيلَ لِسَائِرِ الْأُمَم وَلِمُؤْمِنِي الْجِنّ : عُودُوا تُرَابًا , فَيَعُودُونَ تُرَابًا , فَعِنْد ذَلِكَ يَقُول الْكَافِر حِين يَرَاهُمْ " يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا " . وَقَالَ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم : مُؤْمِنُو الْجِنّ يَعُودُونَ تُرَابًا . وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالزَّهْرِيّ وَالْكَلْبِيّ وَمُجَاهِد : مُؤْمِنُو الْجَنَّة حَوْل الْجَنَّة فِي رَبَض وَرِحَاب وَلَيْسُوا فِيهَا . وَهَذَا أَصَحّ , وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الرَّحْمَن " بَيَان هَذَا , وَأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ : يُثَابُونَ وَيُعَاقَبُونَ , فَهُمْ كَبَنِي آدَم , وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مبحث الاجتهاد والخلاف

    فهذه رسالة في مبحث الاجتهاد والخلاف للشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - وهي منقولة باختصار من كتاب أعلام الموقعين للعلامة ابن القيم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264149

    التحميل:

  • دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد

    دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد : عبارة عن رسالة حصل بها المؤلف على العالمية - الماجستير - وقد ناقشها عام 1407هـ. لجنة المناقشة: المشرف د/ محمد حرب، د/ عبد ا لعزيز آل الشيخ، د/ عبد الوهاب جعفر. - اشتمل هذا الكتاب على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة: - الباب الأول: في المفتريات التي ألصقت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. - الباب الثاني: في الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. - الباب الثالث: في اعتراضات على دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في طريقها في الدعوة وإنكار المنكر، وفيه ثلاثة فصول:

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172279

    التحميل:

  • حياة المرضيين

    حياة المرضيين : إن شباب المسلمين في أشد ما يكونون اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكرم معدنهم وأثر تربية رسول الله فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر، لذا كانت هذه الرسالة والتي بينت بعض فضائل الصحابة رضي الله عنهم.

    الناشر: موقع عقيده http://www.aqeedeh.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287315

    التحميل:

  • الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات

    الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات : كتاب مشتمل على معرفة من صح أنه خلط في عمره من الرواة الثقات في الكتب الستة وغيرها وهو مؤلف وجيز وعلم غزير ينبغي أن يعتني به من له اعتناء بحديث سيد المرسلين وسند المتقدمين والمتأخرين.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141402

    التحميل:

  • أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة

    أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات العلمية، جعلتُها تحت عنوان: «أحاديث دينية وثقافية في ضوء الكتاب والسنة».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384366

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة