Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النبأ - الآية 23

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) (النبأ) mp3
أَيْ مَاكِثِينَ فِي النَّار مَا دَامَتْ الْأَحْقَاب , وَهِيَ لَا تَنْقَطِع , فَكُلَّمَا مَضَى حُقُب جَاءَ حُقُب . وَالْحُقُب بِضَمَّتَيْنِ : الدَّهْر وَالْأَحْقَاب الدُّهُور . وَالْحِقْبَة بِالْكَسْرِ : السَّنَة ; وَالْجَمْع حِقَب ; قَالَ مُتَمِّم بْن نُوَيْرَة التَّمِيمِيّ : وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَة حِقْبَة مِنْ الدَّهْر حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اِجْتِمَاع لَمْ نَبِتْ لَيْلَة مَعًا وَالْحُقْب بِالضَّمِّ وَالسُّكُون : ثَمَانُونَ سَنَة . وَقِيلَ : أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلّ , عَلَى مَا يَأْتِي , وَالْجَمْع : أَحْقَاب . وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة ; [ لَابِثِينَ ] فِيهَا أَحْقَاب الْآخِرَة الَّتِي لَا نِهَايَة لَهَا ; فَحَذَفَ الْآخِرَة لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ ; إِذْ فِي الْكَلَام ذِكْر الْآخِرَة , وَهُوَ كَمَا يُقَال : أَيَّام الْآخِرَة ; أَيْ أَيَّام بَعْد أَيَّام إِلَى غَيْر نِهَايَة , وَإِنَّمَا كَانَ يَدُلّ عَلَى التَّوْقِيت لَوْ قَالَ خَمْسَة أَحْقَاب أَوْ عَشَرَة أَحْقَاب . وَنَحْوه وَذَكَرَ الْأَحْقَاب لِأَنَّ الْحُقْب كَانَ أَبْعَد شَيْء عِنْدهمْ , فَتَكَلَّمَ بِمَا تَذْهَب إِلَيْهِ أَوْهَامهمْ وَيَعْرِفُونَهَا , وَهِيَ كِنَايَة عَنْ التَّأْبِيد , أَيْ يَمْكُثُونَ فِيهَا أَبَدًا . وَقِيلَ : ذَكَرَ الْأَحْقَاب دُون الْأَيَّام ; لِأَنَّ الْأَحْقَاب أَهْوَل فِي الْقُلُوب , وَأَدُلّ عَلَى الْخُلُود . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; وَهَذَا الْخُلُود فِي حَقّ الْمُشْرِكِينَ . وَيُمْكِن حَمْل الْآيَة عَلَى الْعُصَاة الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار بَعْد أَحْقَاب . وَقِيلَ : الْأَحْقَاب وَقْت لِشُرْبِهِمْ الْحَمِيم وَالْغَسَّاق , فَإِذَا اِنْقَضَتْ فَيَكُون لَهُمْ نَوْع آخَر مِنْ الْعِقَاب ; وَلِهَذَا قَالَ : " لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا . إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا " . وَ " لَابِثِينَ " اِسْم فَاعِل مِنْ لَبِثَ , وَيُقَوِّيه أَنَّ الْمَصْدَر مِنْهُ اللُّبْث بِالْإِسْكَانِ , كَالشُّرْبِ . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " لَبِثِينَ " بِغَيْرِ أَلِف وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي حَاتِم وَأَبِي عُبَيْد , وَهُمَا لُغَتَانِ ; يُقَال : رَجُل لَابِث وَلَبِث , مِثْل طَمِع وَطَامِع , وَفَرِه وَفَارِه . وَيُقَال : هُوَ لَبِثٌ بِمَكَانِ كَذَا : أَيْ قَدْ صَارَ اللُّبْث شَأْنه , فَشُبِّهَ بِمَا هُوَ خِلْقَة فِي الْإِنْسَان نَحْو حَذِر وَفَرِق ; لِأَنَّ بَاب فَعِل إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَكُون خِلْقَة فِي الشَّيْء فِي الْأَغْلَب , وَلَيْسَ كَذَلِكَ اِسْم الْفَاعِل مِنْ لَبِثَ . وَالْحُقْب : ثَمَانُونَ سَنَة فِي قَوْل اِبْن عُمَر وَابْن مُحَيْصِن وَأَبِي هُرَيْرَة , وَالسَّنَة ثَلَاثمِائِة يَوْم وَسِتُّونَ يَوْمًا , وَالْيَوْم أَلْف سَنَة مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَرَوَى اِبْن عُمَر هَذَا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : وَالسَّنَة ثَلَاثمِائِة يَوْم وَسِتُّونَ يَوْمًا كُلّ يَوْم مِثْل أَيَّام الدُّنْيَا . وَعَنْ اِبْن عُمَر أَيْضًا : الْحُقْب : أَرْبَعُونَ سَنَة . السُّدِّيّ : سَبْعُونَ سَنَة . وَقِيلَ : إِنَّهُ أَلْف شَهْر . رَوَاهُ أَبُو أُمَامَة مَرْفُوعًا . بَشِير بْن كَعْب : ثَلَاثمِائِة سَنَة . الْحَسَن : الْأَحْقَاب لَا يَدْرِي أَحَدٌ كَمْ هِيَ , وَلَكِنْ ذَكَرُوا أَنَّهَا مِائَة حُقْب , وَالْحُقْب الْوَاحِد مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْف سَنَة , الْيَوْم مِنْهَا كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ . وَعَنْ أَبِي أُمَامَة أَيْضًا , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِنَّ الْحُقْب الْوَاحِد ثَلَاثُونَ أَلْف سَنَة ] ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَالْأَوَّل الْمَاوَرْدِيّ . وَقَالَ قُطْرُب : هُوَ الدَّهْر الطَّوِيل غَيْر الْمَحْدُود . وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ وَاَللَّه لَا يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ دَخَلَهَا حَتَّى يَكُون فِيهَا أَحْقَابًا , الْحُقْب بِضْع وَثَمَانُونَ سَنَة , وَالسَّنَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ يَوْمًا , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ ; فَلَا يَتَّكِلَن أَحَدكُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُج مِنْ النَّار ] . ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . الْقُرَظِيّ : الْأَحْقَاب : ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ حُقْبًا كُلّ حُقْب سَبْعُونَ خَرِيفًا , كُلّ خَرِيف سَبْعمِائَةِ سَنَة , كُلّ سَنَة ثَلَاثمِائِة وَسِتُّونَ يَوْمًا , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة . قُلْت : هَذِهِ أَقْوَال مُتَعَارِضَة , وَالتَّحْدِيد فِي الْآيَة لِلْخُلُودِ , يَحْتَاج إِلَى تَوْقِيف يَقْطَع الْعُذْر , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَابِتٍ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِنَّمَا الْمَعْنَى - وَاَللَّه أَعْلَم - مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ; أَيْ لَابِثِينَ فِيهَا أَزْمَانًا وَدُهُورًا , كُلَّمَا مَضَى زَمَن يَعْقُبهُ زَمَن , وَدَهْر يَعْقُبهُ دَهْر , هَكَذَا أَبَد الْآبِدِينَ مِنْ غَيْر اِنْقِطَاع . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَعْنَى " لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا " لَا غَايَة لَهَا اِنْتِهَاء , فَكَأَنَّهُ قَالَ أَبَدًا . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَمُقَاتِل : إِنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا " يَعْنِي أَنَّ الْعَدَد قَدْ اِنْقَطَعَ , وَالْخُلُود قَدْ حَصَلَ . قُلْت : وَهَذَا بَعِيد ; لِأَنَّهُ خَبَر , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة حَتَّى يَلِجَ الْجَمَل فِي سَمّ الْخِيَاط " [ الْأَعْرَاف : 40 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ . هَذَا فِي حَقّ الْكُفَّار , فَأَمَّا الْعُصَاة الْمُوَحِّدُونَ فَصَحِيح وَيَكُون النَّسْخ بِمَعْنَى التَّخْصِيص . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا " أَيْ فِي الْأَرْض ; إِذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَيَكُون الضَّمِير فِي " لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا " لِجَهَنَّم . وَقِيلَ : وَاحِد الْأَحْقَاب حُقْب وَحِقْبَة ; قَالَ : فَإِنْ تَنَأَ عَنْهَا حِقْبَة لَا تُلَاقِهَا فَأَنْتَ بِمَا أَحْدَثْتَهُ بِالْمُجَرَّبِ وَقَالَ الْكُمَيْت : مَرَّ لَهَا بَعْد حِقْبَة حِقَب
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فصول في أصول التفسير

    فصول في أصول التفسير : تحتوي الرسالة على عدة مباحث مثل: حكم التفسير وأقسامه، طرق التفسير، اختلاف السلف في التفسير وأسبابه، الأصول التي يدور عليها التفسير، طريقة السلف في التفسير، قواعد التفسير، توجيه القراءات وأثره في التفسير.

    الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع www.aljawzi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/291772

    التحميل:

  • كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى، بيَّنتُ فيها بإيجاز الأساليبَ والطرقَ في كيفية دعوتهم إلى اللَّه تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338049

    التحميل:

  • الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية

    الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية: كتاب لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله - شرح فيه الأبواب الفقهية على طريقة السؤال والجواب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2586

    التحميل:

  • جوامع الدعاء

    جوامع الدعاء: تحتوي هذه الرسالة على خمسة فصول بعد المقدمة وهي: الأول: في حق الدعاء وفضله. الثاني: في شروط الدعاء وآدابه. الثالث: في أحوال مختصة بالإجابة. الرابع: في أدعية مختارة من القرآن الكريم. الخامس: في أدعية مختارة من السنة المطهرة. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166513

    التحميل:

  • تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة

    تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة : أصل هذا السفر العظيم تعجيل المنفعة كتاب "التذكرة في رجال الكتاب العشرة" لأبي المحاسن شمس الدين محمد بن حمزة الحسيني الشافعي (715-765) حيث اختصر فيه كتاب "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وأضاف لتراجمة من في "مسند أبي حنيفة للحارثي"، و"الموطأ" لمالك، والمسند للشافعي، ومسند الإمام أحمد، وقال في أوله: "ذكرت فيها رجال كتب الأئمة الربعة المقتدى بهم، أن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسانيدهم في مسانيدهم" ثم أفاد الحافظ ابن حجر من هذا الكتاب فحذف رجال الأئمة الستة، واكتفى بإيرادهم في كتاب "تهذيب التهذيب" وسلخ ما ذكره الحافظ الحسيني في رجال الأئمة الأربعة، فبدأ بما قاله ثم يعقب أو يسترد ألفاظ جرح وتعديل أو شيوخ للراوي المترجم.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141380

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة