Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الإنسان - الآية 21

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) (الإنسان) mp3
قَرَأَ نَافِع وَحَمْزَة وَابْن مُحَيْصِن " عَالِيهمْ " سَاكِنَة الْيَاء , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد اِعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ اِبْن مَسْعُود وَابْن وَثَّاب وَغَيْرهمَا " عَالِيَتُهُمْ " وَبِتَفْسِيرِ اِبْن عَبَّاس : أَمَا رَأَيْت الرَّجُل عَلَيْهِ ثِيَاب يَعْلُوهَا أَفْضَل مِنْهَا . الْفَرَّاء : وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره " ثِيَاب سُنْدُس " وَاسْم الْفَاعِل يُرَاد بِهِ الْجَمْع . وَيَجُوز فِي قَوْل الْأَخْفَش أَنْ يَكُون إِفْرَاده عَلَى أَنَّهُ اِسْم فَاعِل مُتَقَدِّم وَ " ثِيَاب " مُرْتَفِعَة بِهِ وَسَدَّتْ مَسَد الْخَبَر , وَالْإِضَافَة فِيهِ فِي تَقْدِير الِانْفِصَال لِأَنَّهُ لَمْ يُخَصّ , وَابْتُدِئَ بِهِ لِأَنَّهُ اُخْتُصَّ بِالْإِضَافَةِ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " عَالِيَهُمْ " بِالنَّصْبِ . وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ كَقَوْلِك فَوْقَهُمْ , وَالْعَرَب تَقُول : قَوْمك دَاخِل الدَّار فَيَنْصِبُونَ دَاخِل عَلَى الظَّرْف , لِأَنَّهُ مَحَلّ . وَأَنْكَرَ الزَّجَّاج هَذَا وَقَالَ : هُوَ مِمَّا لَا نَعْرِفُهُ فِي الظُّرُوف , وَلَوْ كَانَ ظَرْفًا لَمْ يَجُزْ إِسْكَان الْيَاء . وَلَكِنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال مِنْ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : " يَطُوف عَلَيْهِمْ " أَيْ عَلَى الْأَبْرَار " وِلْدَان " عَالِيًا الْأَبْرَار ثِيَاب سُنْدُس ; أَيْ يَطُوف عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْحَال , وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ الْوِلْدَان ; أَيْ " إِذَا رَأَيْتهمْ حَسِبْتهمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا " فِي حَال عُلُوّ الثِّيَاب أَبْدَانَهُمْ . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : الْعَامِل فِي الْحَال إِمَّا " لَقَّاهُمْ نَضْرَة وَسُرُورًا " وَإِمَّا " جَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا " قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون ظَرْفًا فَصُرِفَ . الْمَهْدَوِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْم فَاعِل ظَرْفًا ; كَقَوْلِك هُوَ نَاحِيَة مِنْ الدَّار , وَعَلَى أَنَّ عَالِيًا لَمَّا كَانَ بِمَعْنَى فَوْق أُجْرِيَ مَجْرَاهُ فَجُعِلَ ظَرْفًا . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَابْن كَثِير وَأَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم " خُضْر " بِالْجَرِّ عَلَى نَعْت السُّنْدُس " وَإِسْتَبْرَق " بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلَى الثِّيَاب , وَمَعْنَاهُ عَالِيهمْ [ ثِيَاب ] سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب " خُضْر " رَفْعًا نَعْتًا لِلثِّيَابِ " وَإِسْتَبْرَق " بِالْخَفْضِ نَعْتًا لِلسُّنْدُسِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم لِجَوْدَةِ مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ الْخُضْر أَحْسَن مَا كَانَتْ نَعْتًا لِلثِّيَابِ فَهِيَ مَرْفُوعَة , وَأَحْسَن مَا عُطِفَ الْإِسْتَبْرَق عَلَى السُّنْدُس عَطْف جِنْس عَلَى جِنْس , وَالْمَعْنَى : عَالِيهمْ ثِيَاب خُضْر مِنْ سُنْدُس وَإِسْتَبْرَق , أَيْ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ . وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص كِلَاهُمَا بِالرَّفْعِ وَيَكُون " خُضْر " نَعْتًا لِلثِّيَابِ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا بِلَفْظِ الْجَمْع " وَإِسْتَبْرَق " عَطْفًا عَلَى الثِّيَاب . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَابْن وَثَّاب وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ كِلَاهُمَا بِالْخَفْضِ وَيَكُون قَوْله : " خُضْر " نَعْتًا لِلسُّنْدُسِ , وَالسُّنْدُس اِسْم جِنْس , وَأَجَازَ الْأَخْفَش وَصْف اِسْم الْجِنْس بِالْجَمْعِ عَلَى اِسْتِقْبَاح لَهُ ; وَتَقُول : أَهْلَكَ النَّاس الدِّينَار الصُّفْر وَالدِّرْهَم الْبِيض ; وَلَكِنَّهُ مُسْتَبْعَد فِي الْكَلَام . وَالْمَعْنَى عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : عَالِيهمْ ثِيَاب سُنْدُس خُضْر وَثِيَاب إِسْتَبْرَق . وَكُلّهمْ صَرَفَ الْإِسْتَبْرَق , إِلَّا اِبْن مُحَيْصِن , فَإِنَّهُ فَتَحَهُ وَلَمْ يَصْرِفْهُ فَقَرَأَ " وَإِسْتَبْرَق " نَصْبًا فِي مَوْضِع الْجَرّ , عَلَى مَنْع الصَّرْف , لِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ , وَهُوَ غَلَط ; لِأَنَّهُ نَكِرَة يَدْخُلُهُ حَرْف التَّعْرِيف ; تَقُول الْإِسْتَبْرَق إِلَّا أَنْ يَزْعُم [ اِبْن مُحَيْصِن ] أَنَّهُ قَدْ يُجْعَل عَلَمًا لِهَذَا الضَّرْب مِنْ الثِّيَاب . وَقُرِئَ " وَاسْتَبْرَق " بِوَصْلِ الْهَمْزَة وَالْفَتْح عَلَى أَنَّهُ سُمِّيَ بِاسْتَفْعَلَ مِنْ الْبَرِيق , وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا , لِأَنَّهُ مُعَرَّب مَشْهُور تَعْرِيبه , وَأَنَّ أَصْله اِسْتَبْرَك وَالسُّنْدُس : مَا رَقَّ مِنْ الدِّيبَاج . وَالْإِسْتَبْرَق : مَا غَلُظَ مِنْهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ .


" وَحُلُّوا " عَطْف عَلَى " وَيَطُوف " . " أَسَاوِر مِنْ فِضَّة " وَفِي سُورَة فَاطِر " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِر مِنْ ذَهَب " وَفِي سُورَة الْحَجّ " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِر مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤًا " [ الْحَجّ : 23 ] , فَقِيلَ : حُلِيّ الرَّجُل الْفِضَّة وَحُلِيّ الْمَرْأَة الذَّهَب . وَقِيلَ : تَارَة يَلْبَسُونَ الذَّهَب وَتَارَة يَلْبَسُونَ الْفِضَّة . وَقِيلَ : يُجْمَع فِي يَد أَحَدِهِمْ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَب وَسِوَارَانِ مِنْ فِضَّة وَسِوَارَانِ مِنْ لُؤْلُؤ , لِيَجْتَمِع لَهُمْ مَحَاسِن الْجَنَّة ; قَالَهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَقِيلَ : أَيْ لِكُلِّ قَوْم مَا تَمِيل إِلَيْهِ نُفُوسهمْ .


قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " قَالَ : إِذَا تَوَجَّهَ أَهْل الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة مَرُّوا بِشَجَرَةٍ يَخْرُج مِنْ تَحْت سَاقِهَا عَيْنَانِ , فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا , فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ بِنَضْرَةِ النَّعِيم , فَلَا تَتَغَيَّر أَبْشَارُهُمْ , وَلَا تَتَشَعَّث أَشْعَارُهُمْ أَبَدًا , ثُمَّ يَشْرَبُونَ مِنْ الْأُخْرَى , فَيَخْرُج مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ الْأَذَى , ثُمَّ تَسْتَقْبِلهُمْ خَزَنَة الْجَنَّة فَيَقُولُونَ لَهُمْ : " سَلَام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ " [ الزُّمَر : 73 ] . وَقَالَ النَّخَعِيّ وَأَبُو قِلَابَة : هُوَ إِذَا شَرِبُوهُ بَعْد أَكْلهمْ طَهَّرَهُمْ , وَصَارَ مَا أَكَلُوهُ وَمَا شَرِبُوهُ رَشْح مِسْك , وَضَمُرَتْ بُطُونهمْ . وَقَالَ مُقَاتِل : هُوَ مِنْ عَيْن مَاء عَلَى بَاب الْجَنَّة , تَنْبُع مِنْ سَاق شَجَرَة , مَنْ شَرِبَ مِنْهَا نَزَعَ اللَّه مَا كَانَ فِي قَلْبه مِنْ غِلّ وَغِشّ وَحَسَد , وَمَا كَانَ فِي جَوْفِهِ مِنْ أَذًى وَقَذَر . وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ , إِلَّا أَنَّهُ فِي قَوْل مُقَاتِل عَيْن وَاحِدَة وَعَلَيْهِ فَيَكُون فَعُولًا لِلْمُبَالَغَةِ , وَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة لِلْحَنَفِيِّ أَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّاهِر . وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي سُورَة " الْفُرْقَان " وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَ طَيِّب الْجَمَّال : صَلَّيْت خَلْف سَهْل بْن عَبْد اللَّه الْعَتَمَة فَقَرَأَ " وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا " وَجَعَلَ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ وَفَمه , كَأَنَّهُ يَمُصّ شَيْئًا , فَلَمَّا فَرَغَ قِيلَ لَهُ : أَتَشْرَبُ أَمْ تَقْرَأ ؟ فَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ لَمْ أَجِد لَذَّتَهُ عِنْد قِرَاءَته كَلَذَّتِهِ عِنْد شُرْبه مَا قَرَأْته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وأنذرهم يوم الحسرة

    وأنذرهم يوم الحسرة : جمع المؤلف في هذه الرسالة آيات تتحدث عن يوم القيامة وما فيه من الجزاء مع ما تيسر من تفسيرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209191

    التحميل:

  • طفلك من الثانية إلى العاشرة

    طفلك من الثانية إلى العاشرة: قال الشيخ - حفظه الله - في المقدمة: «نُلاحظ جميعًا تغيرات المراهق في سلوكه ونفسيته بوضوح؛ لأنها حادة وتعاقبها سريع، ولكن قد لا نُلاحظ تغيرات الأطفال قبل المراهقة؛ لأنها تغيرات متباعدة خصوصًا بين الخامسة والعاشرة، ولأنها أيضًا أقل حدة بكثير، هدف هذا اللقاء أن تلاحظ تغيرات أولادك وتتعامل معها بكفاءة وراحة أكبر. ملخص حلقاتنا لابنك وبنتك: تغيرات نفسية وسلوكية متوقعة تحدث بانتظام تغيرات متعاقبة مختلفة انتظرها واكتشفها وتفهمها وتقبلها وكيّف أساليبك التربوية معها، أسعد بصحبتكم الكريمة أينما كنتم على مدى هذه الحلقات نعرض خلالها سمات المراحل العمرية والتعامل المقترح مع ما يرافقها من سلوكيات مزعجة أو قدرات أو احتياجات».

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337587

    التحميل:

  • مختصر في فقه الاعتكاف

    مختصر في فقه الاعتكاف: فهذا مختصر في فقه الاعتكاف، ابتدأتُه بذكر مقدمة، وإيضاح، أما المقدمة فتعلمون أن العشر الأخير من رمضان هو أفضل وقت للاعتكاف؛ لذلك أحببتُ تقديم هذا المختصر على عُجالة من الأمر يشمل أبرز المسائل الفقهية المتعلقة بالاعتكاف، دون الخوض في الخلافات، وما أذكره بعضه من المسائل المجمع عليها، ومعظمه من المسائل المختلف فيها، فأذكر منه ما ترجَّح لدي بعد رجوعي لفتاوى العلماء من السابقين واللاحقين.

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337266

    التحميل:

  • أحكام الداخل في الإسلام

    أحكام الداخل في الإسلام : دراسة فقهية مقارنة، فيما عدا أحكام الأسرة، وهو بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراة في الفقه الإسلامي من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

    الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة http://uqu.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320710

    التحميل:

  • الأدلة على بطلان الاشتراكية

    الأدلة على بطلان الاشتراكية: في هذه الرسالة بيَّن الشيخ - رحمه الله - الأدلة على بطلان الاشتراكية، وهي النظرية الاقتصادية السياسية التي يزعم مُعتنِقوها أنها تُناهِض الظلم الاجتماعي، والتي اتخذت لهذا الغرض كلمات برَّاقة، وشِعارات خادعة حتى طغَت ردحًا من الزمن على ما عداها من النزعات الفكرية المعاصرة، ثم تولَّت حاسرة مهزومة كغيرها من النظريات المنحرفة عن جادَّة الصراط المستقيم.

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348429

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة